سعيد البيومي
23-01-2011, 11:38 AM
http://www.islamonaa.com/vb/uploaded/New/salaam-1.gif (http://www.islamonaa.com/vb/uploaded/New/salaam-1.gif)
إنتحار أم إستشهاد
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهد ألاَّ إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد عبد الله ورسوله $، وصفوته من خلقه وأمينه على وحيه ونجيبه من عباده، صلى الله تعالى عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المباركين الميامين، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
عباد الله! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أحذركم وأحذر نفسي من عصيانه ومخالفة أمره لقوله سبحانه وتعالى من قائل {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِّلْعَبِيدِ}.
ثم أما بعد أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ216 يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ217 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ218} صدق الله العظيم، وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي! هذه الآية الجليلة من سورة البقرة {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه.. }بدل اشتمال، قوله تبارك وتعالى {قتال فيه} بدل اشتمال من قوله {الشهر الحرام}، قل يا محمد يا خيرتنا "قتال فيه كبير" عظيم، من الذنوب العظيمة، ولكن مع ذلكم نبّه وقل على أن المسجد الحرام وإخراج أهله منه، وهم الرسول وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم، والكفر بالله تبارك وتعالى، والصد عن سبيله أعظم وأغلظ حرمة، وأعظم جرماً، "والمسجد الحرام" أي يسألونك عن الشهر والمسجد، أو {قل قتال فيه كبير وصد ٌعن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد} مضاف على الضمير في "به".
{والفتنة أكبر من القتل} ليُفتن المؤمنون في دينهم وفي اعتقادهم حتى ينثنوا عنه، وينكصوا عنه أعظم من هذا الذي دمدمتم به، وثربتم على فاعله. سبب نزول هذه الآية أنَّ رسول الله $، حين هاجر إلى المدينة المنورة، وهذا كان قبل وقعة بدر، بعث عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه وأرضاه على رأس سرية إلى مكان اسمه "بطن نخلة"، يتحسس ويستطلع أخبار الكفار، وشاء الله تبارك وتعالى بحكمته أن يصادف عيراً لقريش، فاشتبك معها، فقتل رجلاً يُدعى عمرو بن الحضمري، وأسَرَ رجلين، واستاق العير ثم عاد بها إلى المدينة، وكان ذلك في اليوم الأخير من جمادى الآخرة، أي في أول ليلة من رجب الأصم، ليس في يوم من أيام رجب، لكن لأول ليلة، لذلك ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين تتبع اليوم، فدمدمت قريش، وجعلت تثرِّب على رسول الله وتشنع، وعلى أصحابه، يقولون: محمد يُحل الشهر الحرام، يقتلون الناس في شهر الله الحرام، وردد وأجرف به المنافقون واليهود في المدينة المنورة، هذا محمد يدَّعي الحرمات وتعظيم الشهر الحرام، ويستحل هو وأصحابه الشهر الحرام، فأنزل الله هذه الآية {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبير..} الثوابت ثوابت لا تتزعزع، ولا تُنسخ، {إنَّ عدة الشهور عند الله أثنى عشر شهراً يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حُرم..} هذا لا يتغير ولا يُنسخ، ولكن الله تبارك وتعالى قال مع قوله {قل قتال فيه كبير}، {والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله، والفتنة أكبر من القتل، ولا يزالون يقاتلونكم..}.
لماذا بدأتُ بهذه الآية الجليلة؟ بدأت بها لأنني أريد أن أعقِّب، وأهمش على الحوادث التي يتابعها العالم كله- وليس عالم العرب والإسلام فقط- محبوس الأنفاس، مختلف التقديرات، ومختلف الآمال في تونس الخضراء الجريحة الحبيبة، لا أريد أن أسوق الحديث سوقاً إعلامياً، كلنا نتابع وسائل الإعلام على مدار الأربعة وعشرين ساعة، هذا ليس مفيداً في هذا المقام، ولا أريد أن أبيع أحلاماً وأوهاماً لنفسي ولإخواني ولأمتي، أريد فقط أن أعلِّق على أمر لي بي لون اختصاص، أمر الفتوى والتعليق الديني في مثل هذه الأحداث.
طالَعَنَا غير واحد يقول: "محمد البوعزيزي" رحمة الله تعالى عليه، ورضوان الله تعالى عليه إن شاء الله مُنتحر، والانتحار حرام، وكتب بعض البُله يقول لا أريد أن أناقش كفر الرجل وشركه من العامة، كأنما أصبحانا خوارج وحرورية، يرون أنَّ الذي ينتحر فهو كافر مشرك، حرام عليه الجنة، نردد كلمات الخوارج، من أين لكم هذا، في صحيح مسلم عن الدوسي الذي نحر نفسه، قطع يديه بمشاقف، فأريه النبي $، النبي بعد أن دعا له، أخرجه الله تبارك وتعالى وأودعه في جنات النعيم، لكن بلا يدين، دخل الجنة إذاً، ثم قال عليه الصلاة وأفضل السلام: "اللهم وليديه فاغفر"، حتى تعود إليه في الجنة بإذن الله تعالى.
المنتحر مثله مثل غيره، نحن تكلمنا عن موضوع خلود الموحدين في نار جنهم، لا موحّد يخلَّد في نار جهنم رغم أنف الخوارج والوعيدية، وهذا ما قام عليه الدليل الرجيح الصحيح الفصيح بحمد الله تبارك وتعالى، ليست مسألة عظيمة الآن، ثم ما هذه الفتوى البتراء عن ومن سياقاتها، تقع خارج السياق، كل سياق، لذلك الأمة فهمتها ولم تتفهمها، الطفل الصغير يفهم ما معنى هذا، محمد البوعزيزي حرق نفسه بالجاز والنار منتحر، الانتحار حرام، ما الجديد، الأطفال الصغار يعرفون هذا قبل الكبار، ماذا يريد هذا المفتي الأبله - عفواً هذا العبقري اللوزعي الجهبذ الفطحل- أن يقول لنا؟! ماذا يريد أن يعملنا، ماذا يريد أن يفتح أعيننا عليه، وأذاننا عليه؟ لا جديد، هذا أحد المخادعين، وأحد الكذبة، هو وأمثاله كثيرون طبعاً، أو أحد التائهين الضائعين، وما أكثرهم في هذه الأمة.
الأمة فهمت الفتوى، الطفل الصغير يفهمها، ولم تتفهمها، فرق أن تفهم، وأن تتفهم، نحن لا نتفهم هذه الفتوى، وكأي من أمر نفهمه ولا نتفهمه، لسنا قادرين على أن نتفهمه، والدليل أنَّ الأمة لم تتفهمها أن أحداً لم يُلق إليها بالاً، قد يكون من الخطأ أنني ألقيت إليها بالاً، لكن أنا أريد أن أهمش، أريد أن اهتبلها فرصة، وانتهزها سانحة لكي أفتح العين، حتى أعين بعض علماء الدين، وأهل الفتوى والفقه لكي يفهموا القضية من جوانب أكثر جدة وعمقاً ومنهجية، هذا ما أريده، وإلاَّ ما كان ينبغي أن نعبأ بها، ولا أنْ نشغل أنفسنا وإخواننا بهذه الفتوى البتراء، هذه الفتوى المقطوعة عن ومن كل سياق أصلاً.
فكأي من أمر نفهمه ولا نتفهمه، لا يمكن أن نتفهمه، الأمة مازالت، الشعب التونسي العظيم المناضل من أجل حريته، وكرامته، ووجوده الأصلي مازال لم يتفهم هذه الفتوى، كأنه لم يسمع بها، ولن يتفهمها يوماً، بل سيدمغ وسيصم كل من تجرأ، وتواقح، وتساخف وتراقع، وأصدر أمثال هذه البتراوات، هذه الفتاوى البتراوات، ربما يفعل هذا، نحن هنا جئنا لندمغ هذا الشيء، لندمغ هذا المسلك، وهو تكرر بطريقة أو بأخرى قبل سنتين في مذبحة غزة حين كان يُحرق الناس بالفسفور الأبيض، خرج من رجال الإفتاء والعلم، وهم على مكانة عالية سامقة في بلادهم، يحرمون التظاهرات، ويقولون التظاهرات ليست من الإسلام، التظاهرات بدعة..إحدى البتراوات الأخرى.
نفهم هذا ولا نتفهمه، انتبهوا، سأسأل سؤالاً، هل يمكن أن يكون أحداً يصلي، مصلٍ من المصلين بصلاته في سياق ما داعراً قوَّاداً، أو مخادعاً، أو حليفاً للخادعين، أو لصاً من اللصوص، أو قاتل من القتلة؟ نعم يمكن بصلاته، وبصلاته في أول وقتها..كيف؟ السياقات، الفقه كله تقدير للسياقات، أين فقه الرخص إزاء فقه العزائم، أين فقه التيسير والتخفيف والضرورات، هذا فقه السياقات، لماذا أوقف عمر حد قطع السارق في عام الرمادة، لفقه السياقات، هذا هو الفقه، يتكلمون في الفقه ولا ذوق لهم في الفقه، يتكلمون باسم الدين ولا فهم لهم لجوهر الدين، سنرى بُعيد قليل ما هو جوهر الدين الذي ضيعه هؤلاء وأمثالهم وزيفوا وعي الأمة واستنزفوا البقية الباقية من هذا الوعي.
إنْ جاء أحد يدعونا إلى الصلاة لأول وقتها، في أول وقتها وأمامنا رجل يغرق، هذا قاتل، هذا الذي يدعو للصلاة في أول وقتها أحد القتلة، وسيُبعث قاتلاً يوم القيامة مع أنه صلى الصلاة لأول وقتها، ليس هذا الآن وقتها، هذا وقت إنقاذ الغريق. إذا كان يُعتدى على عِرض امرأة أمامنا، ودعانا هذا إلى أن نجمع الصلاة (نصلي جماعة) في أول وقتها، هذا قوّاد، هذا ديّوس، يترك الأعراض تُنتهك ويأتي يدعو للصلاة جماعة في أول وقتها باسم الدين، مصلي قوّاد، إن كان هناك مال عام أو خاص يُسرق، مال الأمة يُسرق ويُتغول ويأتي ليدعونا إلى الصلاة في أول وقتها، سنقول له أنت أحد اللصوص، كم لك في غنيمة اللصوصية هذه، أخبرنا أيها اللص المقنَّع باسم الدين، وباسم المشيخة، وتحت عمامة، وفوق لحية؟!
إذاً يمكن أن يكون المصلي أحد هؤلاء، يمكن أن يكون حليفاً للمخادعين، يمكن أن يكون حليفاً للكذابين، للذين أرادوا أن يأتوا على البقية الباقية من ثروات ومقدرات وكرامة الأمة، يضعون أيديهم في جيوبنا، لكن بعد أن وضعوها في أدمغتنا، عبثوا في أدمغتنا، وسرقوا وَعينا وإدراكنا، وقدرتنا على الفهم والتحليل والتفسير، قدرتنا على أن نرى وأن نسمع، وأن نشعر وأن نتحسس، وأن نُحسِّس الآخرين، سرقوها بالعبث في أدمغتنا، وبعد ذلك طاب لهم، وتأتى لهم أن يضعوا أيديهم في جيوبنا، ويأخذوا كل شيء، فأصبحنا نستجدي السماء، ونتكفف أهل الأرض اللئام. إذاً هذه أشياء نفهمها ولا نتفهمها، ولسنا مستعدين أن نتفهمها، لا نريد أن نتفهمها، لأن تفهمها، أي قبولها، انتحار، انتحار حقيقي، تصويب للسلاح إلى صدرونا، نقتل أنفسنا، نذبح وعينا، نستنزفه، والشعب التونسي الآن ليس مستعداً لهذا، نسأل الله أن يتمم جهاده ونضاله حتى يحوز استقلاله الثاني، كما وصفه أحد الأحرار فيه، هذا هو الاستقلال الثاني.
أولاً أحبُ أن أقول للأسف الشديد لا أحسب أنهم في عصر من الأعصار من تاريخ هذه الأمة استفحلت الفتوى إلى حد، لا أقول الإشباع، بل التضخم، المفاتي كما يسمونهم، المفتون المعتمدون الرئيسون يُفتون صباح مساء، طبعاً على قدر هوى السلطة، يقدون الفتاوى قداً، على قد هواها وأحلامها وأمانيها، هؤلاء لا يُعبأ بهم، بل يُسخر منهم صباح مساء، الشعوب نفضت أيديها منهم، تعلم أنهم كذبة، يأكلون بدمائها وأعراضها وقضاياها، وهناك من يتبرك بالفتوى، هو فضولي لم يستفته أحد، ولم يطلب منه أحد.
هل تظنون هذا البوعزيزي رحمة الله عليه، إن شاء الله الشهيد الكبير، طلب الفتوى من أحد، لم يطلب فتوى من أحد، لأنه لم يتطوع أحد من قبل بالفتوى لمناصرة قضاياه وقضايا أمثاله، لذلك هو لا يطلب الفتوى من هؤلاء، ولا من غيره، لا أريد أن أناقش قضية البوعزيزي، وظروفه الخاصة، ومدى قيام له عذر عند الله، هذه من صلاحية الله وليست من صلاحياتنا، من صلاحيتنا أن نقول كل مرتكب كبيرة أياً كانت هو في مشيئة الرحمن الرحيم لا إله إلاَّ هو مادام موحداً، أما أنَّ الله يغفر له فهذا من صلاحية الله، والله غفور رحيم.
انتبهوا! الرجل قد يكون بلغ إلى حد لا يُكلف معه، قد يكون فقد وعيه وجُن، لأن ظروف تجنن، من يسمعها يُجن، كيف من يعيشها، كيف من يعيش هذه الظروف، تأتي شرطية معها سادس ابتدائي، لم تكمل الإعدادية لأنها راسبة، تبصق في وجه جامعي، وتصفعه على وجهه بعد أن ألقت بالخضر والفواكه التي يبيعها على الأرض، الجامعي يبيع الغلال في محلته بين أهل حارته، يتكسب له ولأمه ولأخواته لأنه غير مُرخص، لكن سرقة أموال الشعب مرخصة والحمد لله، سرقة المليارات والهرب بها إلى استراليا وكندا مرخصة، أن تسرق المليارات، وأن تسرق الناس في أرزاقهم بلا أي رخصة في السماء والأرض، يدخلون معك بخمسين في المائة شئت أم أبيت، خمسين في المائة في أي مشروع وإلاَّ لا مشروع، لن تُفلح أن تقيم أي مشروع، لكن أن تبيع الغلال وأنت أكاديمي جامعي تحتاز شهادة عٌليا هذا غير مرخص، وتُضرب وتُصفع على وجهك، ويُبصق في وجهك. ويذهب إلى المحافظ، عمدة البلدية، لكي يقدم شكوى، فلا يُسمح له، الرجل قطعاً بلغ حد الشعور بالعدم واليأس العدمي، أحرق نفسه أكيد في لحظة غياب وعزوف الوعي، عزف عنه عقله المسكين فألهب الضمائر، أنار بشعله جسمه درب الحرية للأحرار، هذا ما فعله، أنار بجسمه المشتعل درب الحرية للأحرار، بإذن الله ليس في تونس، وإنما في بلدان أخرى.
قبل سنوات يسيرة حدث شيء مماثل في مصر لكن لم يفعل شيئاً، دائماً أقول مهما غلبنا اليأس لابد أن نقرر حقيقية يقررها كل مؤرخ متواضع، لا أحد لديه من القدرة والعبقرية والاستشرافية ما يسمح له أن يتنبأ متى تثور ثورة، متى ينتفض شعب، لا أحد يعرف هذا، كل الذين حاولوا أن يتنبئوا في معظم الأحوال يفشلون، هذا شأن الله تبارك وتعالى، لا أحد يعلم، وهذه لا خطية في الاجتماعيات والإنسانية، هذه أمور لا خطية لا يمكن أن تُحسب، لا يستطيع أحد أن يحسبها إلاَّ رب العالمين لا إله إلاَّ هو، فقط عند الله هي بحساب، متى تفيض كأس الشعب، مع أي قطرة؟ كان إحراق البوعزيزي لجسده المحبط اليائس المعدوم هي القطرة التي فاض بها إناء التوانسة، لا أحد يعلم هذا، هو قطعاً لم يعلم هذا، هو فقط أدرك أنَّ باطن الأرض خير له من ظاهره، أراد أن يولي من هذا العالم المهين المُذل، العالم الذي شعر فيه البوعزيزي أنه لا بقية من ضمير، ولا من كرامة، ولا من عدالة عند هؤلاء المتنفذين، ولا في أي مؤسسة من مؤسساتهم، والله لو ظل عنده بصيص أمل في واحد من هؤلاء لما أحرق نفسه، لكن يعلم ألا أمل.
لذلك، لا يمكن ولا يجوز لهؤلاء المفتين التائهين الضائعين المضيعين أن يصوروا الأمر على أنه مسألة شخصية، مسألة فردية تخص البوعزيزي، هو ليس مأساة شخصية، إنها مأساة أمة، مأساة شعب مطحون محروم مكمم الأفواه، مُصادر الحريات، متغول الأموال، معصوب العينين، مسدود الأذنين، شعب لا حق له أن يقول كلمة في شأنه ومصيره، منهم من لا يجد شيئاً يتبلغ به، ومنهم من لا يعرف كيف يُحصي ثرواته وأمواله، لا يستطيع أن يحصيها، مسموح هذا به، {وبئر معطلة وقصر مشيد}، وقصور فارعة في السماء، هكذا تحل لعنة الله، وغضب الله على الناس.
أقول لهذا المفتي التائه وأمثاله بالله عليك أيها العبقري، أوجد لي من كتاب الله، أو من سنة الحبيب المصطفى $ آية أو حديثاً يقول إنَّ المنتحر ملعون، تحل عليه اللعنة..لا يوجد، إن كنت تعلم الكتاب والسنة لا يوجد، أوجد لي دليلاً أنَّ المنتحر ملعون، أما أنا فسأقف بك على غير دليل صحيح أنَّ الذي يحضر ويشهد ويشاهد مظلمة المظلومين ثم لا ينتصر لهم تنزل عليه اللعنة من رب السماء، حديث صحيح عن رسول الله، أنت من الملعونين، كُف لسانك عن هذا الشهيد، أنت ملعون أنت وأمثالك، حين تسكت عن مظالم المظلومين، وعذابات المعذبين، وأنين المكروبين، ومطحونية المطحونين، ثم تأتي تتبرع بالحكم أنهم من أهل جهنم لأنهم منتحرون أنت ملعون، هم ليسوا ملاعين، لا يوجد دليل يقول إنهم ملاعين، وإنما أنت الملعون الساكت عن الظلم.
يتحدثون عن الدين، لا نريد مثل هذا الدين، دين هؤلاء أعوان السلاطين، وأذناب السلاطين، وأحذية السلاطين، ووعاظ السلاطين لا نريد دينهم، لأن دينهم - والله الذي بعث محمد بالحق- ليس هو دين محمد $، دين محمد هو هذا الدين {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} جوهر الدين العدل، دعوة إلى إخواني المسلمين، إلى الجماعات الإسلامية على اختلافها، بالله عليكم كفاكم رفعاً لشعارات جنائية، تطبيق الشريعة بمعنى الحدود، كفوا عن هذه البلاهة، أخر شيء يمكن أن نفكر فيه الحدود، أخر شيء، وأول شيء ينبغي أن نفكر فيه الحريات والعدالة، حريات الشعوب المقهورة، والعدالة المدوسة بكل حذاء وبكل نعل، العدالة..جوهر الدين العدالة.
تريد أن تقيم حكماً، تريد أن تدعو إلى شرع، تريد أن تكون وارثاً للمرسلين، سالكاً دربهم، متقيل خطتهم ومنهاجهم، اسمع إلى قول الحق تبارك وتعالى {إنَّ الذين يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم} هل سمعتم مَن هم الذين يسيرون في ضروب الأنبياء، من هم ورثة المرسلين، إنهم الداعون إلى القسط، إنهم الآمرون بالمعدلة، أن توضع الأمور في أنصبتها، أن يأخذ كل أحد حقه، ولا يتجاوز على حقوق الآخرين، هذا هو الدين، هذه هي الرسالة الإلهية، هذا هو وارث النبي محمداً وعيسى وموسى وإبراهيم، وكل السلف الصالحين من الأنبياء والمرسلين.
الذي يسير في طريق الأنبياء هو الذي يأمر بالقسط من الناس، يوم أرى شيخاً وفقيهاً ومفتياً يبرر الظلم والعار والشنار والذلة والمهانة باسم الدين إعلم أنه كذاب وبريء من محمد $، ومحمد بريء منه، هذا أحد الذين لديهم، كما أقول دائماً، استعداد أن يبيعوا جبة محمد لتشبع بطونهم التي لا تشبع، لا أشبعهم الله، لتملئ أرصدتهم التي لا تمتلئ، لا ملأها الله، هذه رسالتي، هذه رسالة الخطبة لكم ولمن بلغ، إحذروا هؤلاء ألف مرة واحذروا الحكام الظلمة مرة! لكن هؤلاء احذروهم ألف مرة لأنهم الأعوان الحقيقيون، لأنهم الذين يعبِّدون الطرق لهؤلاء الظلم من أمثال هؤلاء سواء أكانوا علماء دين أو مثقفين حتى علمانيين كذابين من هؤلاء المأجورين أيضاً من وعاظ السلاطين بغض النظر عن نِحلتهم ومذهب ودينهم.
إذاً "الآمرون بالقسط" هم الذين فهموا جوهر الدين، من أجل هذا أنزل الله الكتب، من أجل هذا بعث الله المرسلين ليقوم الناس بالقسط، ألا تباً لنا، وألف تب وتباب إذا دعونا إلى الدين، وفهمنا، وفهّمناه الناس على أنه طقوس وشعائر وحجاب وصلوات وجماعات وخطب ومنابر بعيداً عن الحريات والعدالة، والله لنا التبّ، ولنا التباب إلى يوم الدين، ولا ننتظر إلاَّ الخسار والعار.
قلتُ قبل سنوات في مصر حدث شيء مشابه تماماً، لكن لحكمة لا يعلمها إلاَّ الله لم تفض كأس الشعب المصري، لعلها تفيض قريباً بإذن الله، عبد الحميد شتا رمزان أحدهما ميت والآخر حي، محمد البوعزيزي حي ليس لأنه أكثر جراءة أو أعظم يأساً من المصري عبد الحميد شتا، لكن يبدو أنَّ منسوب الوعي في هذه اللحظة عند الشعب التونسي يعلو قليلاً، هذه قضية وعي وإحساس لا يحتمل مزيداً من الظلم، باطن الأرض خير من ظاهرها، هذه هي القضية والمعادلة ببساطة.
عبد الحميد شتا خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، والأول على دفعته، عبد الحميد شتا المصري رحمة الله عليه المنتحر الشهيد، هذا المسكين أخطأ خطئاً لا يُغتفر، ظنّ المسكين، لأنه مثقف، أنه في بلد لا يزال فيه شيء من عقل بحيث يكافئ النبوغ، ويكافئ الذكاء والعبقرية، أنت نابغة وأول على الدفعة وشاطر، لابد أن تكافئ، أكيد عندك أولوية على الراسبين والسُقط، وسقط المتاع من البشر، فذهب إلى الخارجية، ومعه أوراقه وشهاداته المشرفة، الأول على الدفعة عبد الحميد شتا، فنظروا إليه باحتقار، كما صفعت الشرطية الراسبة في السادس الابتدائية البوعزيزي، هؤلاء صفعوه لكن صفعة معنوية لا تقل عن صفعة الشرطية التونسية.
قالوا له: أنت تتقدم لكي تلتحق بالسلك الدبلوماسي، أنت غير لائق اجتماعياً، مصطلح يُستدعى من المعجم العفن البائد للعبودية والتمييز العنصري في داخل الشعب المسلم العربي الواحد، منقوص الإنسانية، شهادتي لا تصلح، علمي لا يصلح، لم يفهم الرجل، قالوا له: أنت حِتة فلاح، فلاح ابن فلاح لا تحلم أن تلتحق بالسلك الدبلوماسي المصري، بره! مباشرة من على كبري النيل وألقى نفسه في النيل، ومات غريقاً، يقول بلسان الحال: ليس هذا وطني، ليس هذا بلدي، ليس هؤلاء أهلي، هكذا يكافئ الذكاء والنبوغ والعبقرية، انتبه! إياك أن تكون الأول، لأنك ستكون الأخير، أو المنتحر الأول، يجب أن تكون مثل هؤلاء المنحنيين بقدر ما تنحني يمكن أن تحصل على ما تريد، لكن هناك من لا يؤمن بفلسفة الانحناء.
يكتب المصلح الديني الكبير مارتن لوثر لا يمكن لأحد أن يمتطي ظهرك ما لم تكن منحي الظهر، هذا ما أدركه الآن الشعب التونسي، الانتحار والموت بالرصاص الحي على طريقة الفلسطيني والإسرائيلي الصهيوني أشرف ألف مرة من أن نعيش الذل القاتم الأغبر، لا نريد أن نواصل هذا الذل..كفى! لقد فاض الإناء.
نعود لهؤلاء المفاتي العباقرة الجهابذة، أقول لهم بالله عليكم، مَن تظنون أنفسكم؟ يثور حديث في الشرق والغرب عن نرجسية المثقف، وعموماً الأكاديميون والمثقفون وأهل الفكر والعلم والذكر لديهم من الشعور الزائف بالذات، وأنا من هذه القبيلة، لكن الحمد لله على الأقل أنا أدرك هذا، ينبغي أن أعرف قدري، مَن أنت، ماذا تظن نفسك؟ أنك عالم كبير، ومؤلف، وفيلسوف، وأكاديمي وغير ذلك، ما معنى هذا؟! هذا كله ليس له قيمة، ليس له وزن ما لم تصطف إلى جانب الجماهير، إلى جانب شعبك، إلى جانبك أمك وأبيك وعمتك وخالتك وجارك وجدك وإخوانك وأصلك وفرعك، وإلاَّ فأنت إنسان تافه من التافهين الكثر في هذا العالم، لا تساوي أي شيء، لا تساوي شرو نقير، وأنت مستعد أن تبيع نفسك لكل نعل مليء ذهباً، لكي يُغدق عليك هذا النعل بعض الذهب وبعض الدنانير، وتبيع كرامتك وعِمَّتك الفارغة سواء كانت عِمّة دينية أو علمانية، علم فارغ كل هذا، لا قيمة له.
نرجسية المثقف، يظن نفسه شيئاً غير العباد، الفقيه، وهو ليس مثقفاً، قد يكون عالماً، وقد يكون حافظاً يحفظ فقط بعض الكتب والأحكام، حتى إنْ كان عالماً يستطيع استخراج واستنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية بالطرق المصطنعة التقليدية، هذا عالم نمطي، عالم واحدي من ناحية معرفية، هذا لا يستطيع أن يرى العالم إلاَّ من زاوية واحدة ضيقة، والزاوية الفقهية أضيق الزوايا، وأنا سأوضح هذا، هذه أيضاً رسالة أساسية في خطبة اليوم، أريد لهؤلاء الفقهاء، أو من يظنون أنفسهم فقهاء، وقد كثر فقهاء الفضائيات.
قبل أن أتكلم في نقطتي هذه، أعود إلى قضية التضخم في الفتوى..لماذا، ما دلالة هذا التضخم، لم يحدث في عصر من العصور أن تضخمت الفتوى كما نرى اليوم. إبن حزم الإمام الجليل رحمة الله عليه الظاهري في كتابه "أصحاب الفُتى من الصحابة والتابعين ومن بعدهم"، ذكر من بين ألوف الصحابة، في الكتب التي بلغتنا تترجم لأصحاب رسول الله هناك ما زيد عن ثمانية آلاف ترجمة، وتقول هذه الكتب إنَّ الرسول تُوفي عن مائة وأربعة عشر ألف صحابي، لنجعلهم عشرة آلاف فقط وليس مائة ألف، عشرة آلاف صحابي عدد كبير جداً، كم كان عدد المفتين منهم، الذين يتصدرون للفتوى والقول في الدين، والحكم على الناس والأفعال، والأحداث والظواهر والأشياء؟!
ابن حزم استقصاهم، ذكرهم من عند آخرهم واحداً واحداً، حتى ذكر من ليس له إلاَّ فتية أو فتوى واحدة، صحابي أفتى مرة واحدة وضع اسمه، كم بلغ عددهم، ألف، ألفين، بل مائة وستة وأربعين صحابي فقط، اقتصاد في الفتوى، لأنها كانت أمَّة عمل، هذا الجيل نفسه من الصحابة رضوان الله عليهم هو الذي فتح شرق الدنيا وغربها وشمالها وجنوبها، هم هؤلاء، ليس عنده وقت للكلام، لإصدار الأحكام على البشر والظواهر والأشياء، وعلى الكون كله، وعلى الدنيا والآخرة أيضاً، هذا في الجنة، وهذا في النار، ما عندهم وقت للكلام الفارغ.
مائة وستة وأربعون صحابياً، سبعة منهم فقط مكثرون؛ عمر وعلي وعائشة وابن عمر وابن عباس وزيد وابن مسعود، سبعة كانوا يكثرون الفتوى فقط، وغير هؤلاء بعضهم متوسط، وأكثرهم مقل جداً من الفتوى، العلاقة عكسية بين العمل والكلام، من كثر كلامه قلّ عمله، من كثر كلامه في الدين، أربعة وعشرين ساعة دين، فضائيات أربعة وعشرين ساعة دين ومشايخ، وما في عمل، أين العمل، أين وقت الدنيا، أين وقت التثمير والتعمير والإنجاز والإنتاج، والتوليد والتكثير، ما في وقت، كلام..هذه الدلالة الأولى.
ما في أمة قلّ عملها مثل أمتنا اليوم، ما في عمل تقريباً، حتى مِن هؤلاء علماء الدين، تجد أنه يشتغل بالعلم، ويتكلم في العلم، ويرتزق بالعلم رزقاً حسناً، دخل بعضهم مئات الألوف، وبعضهم ملايين الدولارات في السنة بالكلام في الدين، هل تحفظ كلام الله؟ لا ليس ضروري أحفظه موجود على الإنترنت، هل تحفظ الأحاديث، هل تستطيع أن تسوقها بأسانيدها، أو حتى بنصها؟ لا، هل قرأت علم كذا وكذا؟ مش شرط، أنا مجرد داعية، أنا مثقف إسلامي..ما شاء الله عليك، علاَّمة كبير أنت! باسم ماذا تستحق هذه الملايين واستحققتها يا حبيبي، باسم الضحك على هؤلاء المغفلين، تضحك عليهم، تبيعهم الأوهام والأحلام، وهناك من يلحن ويغني لك..كارثة، مفاتي الفضائيات والتليفزيونات صباح مساء.
الدلالة الأخرى هي دلالة تعويضية، الفشل في الحياة بالنجاح الموهوم بالكلام في الدين، هذا ليس نجاحاً، عُمْر ما يكون الكلام في الدين نجاحاً أبداً، خدمة جوهر الدين، خدمة مقاصد الدين وفي رأسها الحرية والعدالة، هذا خدمة الدين، خدمة الجماهير، وليس بالكلام في الدين، وكثرة الفتاوى والخطب والتأليفات والمحاضرات والكاستات والسيديهات، ليس هو، وثالثاً، وأخيراً حتى لا نطوِّل، طلب السلطة، الفتوى سلطة، تجد العاجز الفاشل، وليسوا كلهم هكذا، لكن كثير منهم هكذا، يضع رجل على رجل ويتكلم في العاملين، وفي العاجزين من أمثاله والفاشلين، يحكم ويصدر الأحكام.
هل تفهمون أنَّ إصدار الأحكام قد يُعتبر خطيئة عند الله، إصدار الأحكام قد يُعتبر خطيئة، وأي خطيئة، ليس لخطورة الفتوى، لجوانب سيكولوجية وروحية ومعنوية، إصدار الأحكام على الناس، كما قال عيسى: "لا تدينوا لكي لا تُدانوا"، والنبي $ يقول في الحديث الذي أخرجه الإمام مالك في الموطأ: "لا تعاملوا الناس على أنهم أرباب، عاملوهم على أنهم عبيد مثلكم"، نحن عبيد لسنا أرباباً، لماذا تصدر الأحكام على الناس؟! أسخف شيء، وأظلم شيء، وأقتم شيء أن تُصدر الأحكام على الناس من خلال ملاحظة الوضع الشخصي لذاتيك المبجَّلة، فأنت ما شاء الله رجل علم وفقيه أو مفتي رسمي أو غير رسمي جماهير مرتاح، شعبان، ريان، ممتلئ الجيب والحساب بنقود الجماهير، ولكن الحرية أن تقول ما تشاء لأنك لا تقول شيئاً مفيداً، حتى الحكومات الظالمة تعطيك كل الحرية لأنك لا تقول شيئاً يفيد الشعوب، ويزلزل الثقة بهؤلاء الظلمة، لذلك يعطونك الفرصة ما شاء الله، وتُستقبل من بلد إلى بلد، ومن عاصمة إلى عاصمة، وأنت نجم تليفزيوني، لابد أن نفهم ونُفهم، هذا هو الذي يحدث.
ثم تأتي تقول منتهى المراد من رب العباد، ماذا تنكرون، على ماذا تسخطون؟!! الأمور ممتازة جداً، بلدنا ما شاء الله مطبق لشرع الله، ولعدالة الله تقريباً تسعة وتسعين في المائة ولله الحمد، بقي واحد في المائة مسئولية الجماهير الملعونة هذه، الحاكم بريء والحمد لله، فالجماهير الملعونة هذه عليها أن تستكمل الواحد في المائة المنقوص من تطبيق دين الله في الأرض، أكبر خطيئة هذه، وتعلمون مصير هؤلاء عند الله كيف، علماء السوء، أول ما تُسعَّر بهم نار جهنم. عليك أن تلاحظ حين تتكلم، وحين تُفتي وتُصدر الأحكام، أن تلاحظ نكبات المنكوبين، وعذابات المعذَّبين، ومرارات الممرورين، وكوارث المكروثين، عليك أن تفتح العينين جيداً، يا ليت لك عشرة أعين كي ترى أكثر، ثم تتكلم، هذه مسألة.
وأعود إلى قضية الفقه والفتوى، وهي رسالة رئيسة في خطبة اليوم، أولاً: الفقه زاوية نظر واحدة يمكن أن ننظر إلى الأشياء والأحداث والظواهر والأشخاص من خلالها، زاوية واحدة، وليست تعوض عن سائر الزوايا، يجب على الفقيه أن يفهم هذا جيداً حتى يريحونا من كثرة كلامهم، وكثرة شقشقاتهم اللفظية الفقهية، عليهم أن يفهموا هذا..كيف؟ الفقه أيضاً ليس قادراً أكثر من غيره، أو بطريقة أنجع من غيره على فهم الواقع، وتفسيره وتحليله.
قد يقول أحدكم، ما هذا الكلام، هذه حرب على الفقهاء يا سيدي، ليست حرباً على الفقهاء، نوع من تقييد غرور الفقهاء، أو من يتكلم باسم الفقه، وليسوا فقهاء حقيقيين أصلاً، تقييد لحدودهم، تقييد لغرورهم، بعض الأذكياء اقترح بدل أن نتكلم عن إعطاء النساء مزيداً من الحريات، قال معظم هذه الحريات المطلوبة إنما جار عليه الرجل بتوسع حرياته، إذاً لماذا لا ندعو إلى تقييد حريات الرجال، مرات ممكن أن ننظر إلى المسائل من زوايا مختلفة جديدة فيها طرافة، وفيها جِدة، وتشكِّل حلاً.
سأبرر مقولتي التي أقولها لكل فقيه ابتداءً، وبعد أن يسمع ربما يقبلها إن كان عنده تواضع للحق، أولاً هل تظنون أنَّ الفقيه إذا تعلَّق الأمر بالفهم والتحليل والتفسير يسد مسد عالم النفس، وعالم الاجتماع، ورجل الاقتصادي، ورجل الدولة السياسي الاستراتيجي؟ مستحيل، لا يستطيع، هناك مسائل لا يفهمها إلاَّ السياسي، ولا يستطيع أن يتكلم فيها الفقيه كلمة واحدة..أليس كذلك؟!
الآن، السودان ضاع جنوبه منا، قبل أشهر كلمت أحد الساسة السودانيين في محضر من إخواني، قلت له بالله عليكم قل لي عن أي سياسة إسلامية تتحدثون، ما هي السياسة الإسلامية التي مارستموها في السودان، أحب أن أكون واضحاً مع نفسي، ومع إخواني أصحاب العلاقة، قال ماذا تريد يا شيخنا أن تقول، قلت له أنا لا أفهم ماذا تعني سياسة إسلامية، أنت حين تأتي لتقود شعباً ستضطر على الرُغم منك أن تدخل البوتقة، أن تدخل المعمل، إما نجحت وإما فشلت، والنجاح ليس برفع شعارات الإسلام، ماذا أريد من سياسة إسلامية؟!
تأملتُ في الكتب التي تتحدث عن السياسة الإسلامية المعاصرة، وهي لأذكياء هؤلاء المفكرين، وجدت على الأقل خمسين في المائة من الكتاب يتحدث في موضوعات غير ذات موضوع الآن، هل يجب أن يكون هناك خليفة، وإذا كان يجب أن يكون هناك خليفة، هل يتعدد الخليفة أو لا يتعدد..ليس هناك خليفة الآن، نتحدث عن سياسة دول الآن، وبعد ذلك، هذا الخليفة تعدد أو توحد ما هي صفاته؟ الذكاء والفطنة، وأن يكون كذا، وألاَّ يكون..ما هذا الكلام الفارغ، هذا كان زمان حين كان يحكم الحاكم بأمره، اليوم هناك مؤسسات وحكومات، ما هذا الكلام؟! نصف الكتاب في مسائل غير ذات موضوع اليوم، وبعد ذلك سياسة إسلامية الذي يعتدي علينا لابد أن نعتدي عليه، من حقنا أن ندافع عنه، هل نحتاج إلى نصوص لنقرر هذه الحقائق، كل الشعوب تفعل هذا، كل الدول تفعل هذا.
قلتُ له للأسف رفعتم شعار دولة إسلامية، وتطبيق شريعة، وكان شعاراً في غير محله، ولأول مرة سنة 1993 قرر الجنوب وقال مادام دولة إسلامية وتطبيق شريعة لا نريد أن نبقى تحت سلطة هذه الدولة. أنا أرى في الطيب أردوجان، طيَّب الله عمره وأوقاته، هذا العملاق الحقيقي، هذا أنجح سياسي مسلم على وجه الأرض، دون أن يتكلم وقال الله وقال الرسول وقال الطبراني وقال مُلاَّ فلان ومُلاَّ عِلان، الرجل ما شاء الله تنمية تسابق الريح، مستوى دخل لم يحصل من قبل، حقيقة مُعجز، آمال غير عادية بكل سلاسة وسهولة سنة فسنة، هذا أكبر خدمة للإسلام، وأكبر خدمة للشعب المسلم التركي، للشعب التركي عموماً مسلماً كان أو غير مسلم..لماذا؟
ما معنى التنمية، ما معنى ارتفاع الدخل القومي، ما معنى ارتفاع دخل الفرد السنوي؟ معنى ذلك قلة الدعارة، قلة العهارة، قلة السرقة، قلة الجريمة، قلة الإحباط، قلة اليأس، الإنتاج، العمل، الأمل، هذا معناه، العدالة، وهذا الذي يريده الله تبارك وتعالى {ليقوم الناس بالقسط} هذا أنجح شيء، إذاً حقق غايات الإسلام دون أن يتكلم كثيراً باسم الإسلام مع أن مرجعيته قولاً واحداً بلا مثنوية الإسلام، الرجل يحفظ كتاب الله، خريج المدارس القرآنية، رجل كريم.
كنت في تركيا قبل أسبوع، والله العظيم بكيت وأنا أمشي في البلد العظيم الذي تشعر به بالنبض، بالحياة، بالتعمير، بالتثمير في كل مكان، وفي راحة الناس، الناس تمشي براحة، تتكلم براحة، ما من ضغط عليها، ما في توتر، شيء عجيب، بكيت وقلت هذا الزعيم الذي دافع عن شعبنا (الفلسطيني) يوم خذله العرب، الزعيم الوحيد الذي مرَّغ أنف إسرائيل في التراب أمام العالم، وسماهم قتلة الأطفال، قال لبيريز: "أنتم قتلة الأطفال"، والله العظيم لا مصلحة له مع غزة، ولا مع شعب غزة، فعل هذا لأنه رجل شريف، تشعر أن هناك بطولة، هناك رجولة، هناك زعامة حقيقية، رجل زعيم حقاً، هذا سياسي ناجح، لكن أن ترفع شعار، ولا تستطيع أن تدفع أعبائه، ولا تدرأ مخاطره، وتفقد نصف بلدك خطأ كبير جداً لا يُغتفر، ما الذي يحدث.
أقول للإسلاميين بالله عليكم، دعونا من هذه الأشياء، وارفعوا شعاراً آخراً ينضوي، ويسعد بالانضواء، تحت لوائه العلماني، والاشتراكي، والشيوعي والمسيحي واليهودي العربي أيضاً إلى جانب المسلم، شعار العدالة، التداول السلمي على السلطة، الديموقراطية، الرقابة على الأجهزة كلها، توسيع دائرة وميدان مؤسسات المجتمع المدني، ارفعوا هذا الشعار ستكسبون كل شيء، واجعلوا مرجعيتكم الإسلامي، إن كانت تصلح، مرجعية صامتة إن كنتم تفهمونها بطريقة صالحة، لإعادة بناء الحياة.
وأرجع فأقول، هل تظنون أنَّ الفقيه يجدي عن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمهندس المعماري والمدني والمحلل؟ مستحيل، لا يجدي، هذه أشياء تحتاج أهلها لكي نفهمها، إذاً دور الفقه في فهم ما يحدث ضئيل جداً إلى جانب دور السياسة والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس...أليس كذلك؟ من السهل جداً على الفقيه أن يصدر حكماً، الآن ينتشر الشذوذ الجنسي في العالم العربي، ينتشر زنا المحارم والعياذ بالله بشكل مزعج جداً، لأول مرة في التاريخ المعاصر عشرات المؤتمرات في دول عربية كثيرة عن ظاهرة، لأنها تفشت، زنا المحارم، يستطيع الفقيه الواحد النمطي أن يقول هذا محرَّم من أفحش المحرمات جزاؤه كذا وكذا، لكن هل يستطيع أن يفسر لنا لماذا استشرت هذه الظاهرة، ما الأسباب، ما العلل، ما الدوافع، سبيل العلاج الحقيقي غير المواعظ التي لا تفيد ولا تجدي؟! هنا يتقدم عالم الاجتماع، ويتقدم عالم النفس، ومن ورائهما الاقتصادي الذي يعلم أنَّ سرقة مليارات الأمة، بحيث لا تجد ملايين الأمة بعد ذلك ما تسدُّ به عورتها، وخلتها، ولا ما تحصِّن بها فروجها، هو السبب الحقيقي.
قلتُ مرة وبعبارة ملآنة، وهي عبارة للأسف يستعر منها المرء، والله العظيم حقوق الحيوان الآن في العالم كله أوفر من حقوق الإنسان العربي، صدقوني الهر والهرة والقرد والقردة ليس عندهم مشكلة جنسية، كل حيوان يجد ما يفرغ فيه طاقته، إلاَّ الإنسان العربي محرَّم عليه أن يفرغ هذه الطاقة، لا تستطيع أن تتزوج قبل الأربعين، هذا إن استطعت، فماذا يفعل المسكين هذا الذي راهق منذ أنْ كان في السادسة عشرة إلى الأربعين، ماذا يفعل؟ يُجن ويركبه ألف شيطان، فيقع مرة على أمه، مرة على أخته، مرة على جاره، على الفقيه هنا أن يتقدم ليفهم أسباب الظاهرة بدل من أن يدمغ ويحكم.
يقول: الشذاذ الملاعين لعنة الله عليهم، إن وقع رجل مع رجل يُلقى به من حالق، أبو بكر حرَّقهم، فلان حرقهم...ما هذا الاستهبال، اذهب افهم قبل أن تحكم على الناس، حكمك هذا جريمة، افهم لماذا استشرت هذه الظواهر، استعن بإخوانك علماء الاجتماع والنفس حتى يشرحوا لك ما السبب، بعد ذلك سترى من هو أحق بالوصم والدمغ، هذا الفاحش المجرم، أم الشيطان الأكبر الذي يقف وراء كل هذا العار؟ لذلك أي ظاهرة، أي أمر، أي حدث يُمكن أن يُنظر إليه من زوايا كثيرة، زاوية المنشأ والمبنى، زاوية المعنى، زاوية الغاية والهدف، زاوية الباعث والدافع، زاوية العلاقة، وهي زاوية المقارن، علاقة الشيء بالأشياء الأخرى في سياق مختلف، الله حرَّم الخمر ولحم الخنزير والميتة، وفي ظروف أخرى أحلها وأباحها بقدر معين لأن السياق اختلف، فيختلف كل شيء، زاوية العلاقة، الفقه كله مقارنة، وضع الشيء في سياقات مختلفة، ومن هذه الزوايا زاوية الحكم الفقهي بالصيغة التكليفية: حرام وحرام وواجب ومكروه ومندوب ومباح..هذا هو.
لكن حتى الأصوليون، ومن ورائهم الفقهاء أدركوا أنَّ معجم اللغة التكليفية غير كافي للتوصيف، فبذكائهم العبقري المؤسس ابتدعوا معجماً جديداً يُكمل، ولا يتناقض، وله قدرة تفسيرية عالية، سموه معجم اللغة الوضعية، الأحكام الوضعية، الشيء لا يجب أن يكون فقط حلال وحرام وواجب ومكروه، ممكن أن يكون سبباً في شيء آخر، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، أو يكون صحيحاً، أو باطلاً فاسداً، أو يكون رخصة، أو يكون عزيمة، وهذه كلها اسمها الأحكام الوضعية، وهكذا حتماً ولزاماً انداحت واتسعت دائرة التوصيف، غدونا نصف الأشياء بلغة أخرى غير لغة التكليف.
طبعاً، لا يخفاكم ولا يخفاكن، أنَّ لما كانت الأسباب والشروط والموانع، حتى صحة الشيء وبطلانه، أوسع من أن تكون مجرد شرعية، هناك أسباب كونية قدرية، أسباب تتعلق بالطب، وأسباب تتعلق بالهندسة، تتعلق بالاقتصاد، تتعلق بالسياسة والاستراتيجية، خمسين ألف زاوية وزاوية للنظر والحكم، إذاً اللغة الوضعية لغة واسعة جداً تسمح لعشرات الصنوف والألوان والثقافات غير الفقهية أن تتدخل، وأن توصف وأن تتكلم، وليس فقط الفقيه. لذلك، نقول للفقيه عليك أن تدرك دورك وحجمك، وهو حجم محدود إلى حد ما، وأن تحترم حدودك، يمكن بعد ذلك أن تقول قولاً مفيداً في سياق فهم ما يقول الآخرون من أهل الذكر والنظر والفهم والتقويم والحكم من ذوي الاختصاص، ويمكن أن تصبح إنساناً محترماً تتكلم لصالح الجماهير، لصالح أمتك، لصالح شعبك، وتفرض احترام اللغة الدينية أيضاً التي عرفت قدرها على الآخرين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.
الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله، والكافرون لهم عذاب شديد، وأشهد ألاَّ إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده الله ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد؛ رأى الحسن البصري ذات يوم رجال الشرطة، وقد ألقوا القبض على رجل سارق من عامة الناس، لم يقل اقطعوه قطعه الله اللعين، أبداً، إنما قال: "سارق السر يقطع سارق العلانية"، وتكلم في المكان تماماً، تكلم بما ينبغي أن يُتكلم به، قال أي شريعة، وأي تطبيق حدود، الذين يسرقون الملايير يقطعون من يسرقون الملاميم. العز بن عبد السلام لما قيل له حث الجماهير على أن تتبرع لكي نتفادى ونتصدى لغزو المغول المجرمين، قال: لا، لن أفعل، على من سرق أموال الجماهير وجعلها جواهر ودرر في أعناق وأيدي وأرجل الغلمان والجواري أن يعيد هذا، ويجيِّش به الجيش، وإن نقص بعد ذلك أمرنا الجماهير أن تساهم بالعون، وهكذا هو الفقيه، هذه الفقاهة الحقيقية، أن تنحاز إلى أمتك، أن تنحاز إلى شعبك، وأن تتكلم بصدقية، بما يرضي الله، ويرضي الضمائر الحية.
اللهم افتح علينا بالحق وأنت خير الفاتحين، اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، اهدنا واهدي بنا، اللهم اكفنا ما أهمنا من أمر دنيانا، وأمر أخرانا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا وبالسعادة آجالنا، وتوفنا وأنت راض عنا، اللهم أبرم لهذه الأمة المرحومة، أمة حبيبك محمد صلوات ربي وتسليماته عليه وآله وأصحابه، أمر رشدٍ تعزٌ فيه أوليائك وتُذل فيه أنوف أعدائك، يُعمل فيه بكتابك وبسنة نبيك، يُتآمر فيه بالمعروف، ويُتناهى فيه عن المنكر، يشبع فيه الجوعى، ويروى فيه الظمأى، ويأمن فيه الخائفون، ويصل فيه المنقطعون، ويعود فيه المهاجرون المُخرجون من ديارهم بغير حق إلاَّ أن يقولوا ربنا الله..اللهم آمين!
عباد الله! إنَّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، وأقم الصلاة.
http://www.youtube.com/watch?v=V8gfV5uJn50&feature=related
إنتحار أم إستشهاد
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهد ألاَّ إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد عبد الله ورسوله $، وصفوته من خلقه وأمينه على وحيه ونجيبه من عباده، صلى الله تعالى عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المباركين الميامين، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
عباد الله! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أحذركم وأحذر نفسي من عصيانه ومخالفة أمره لقوله سبحانه وتعالى من قائل {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِّلْعَبِيدِ}.
ثم أما بعد أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ216 يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ217 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ218} صدق الله العظيم، وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي! هذه الآية الجليلة من سورة البقرة {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه.. }بدل اشتمال، قوله تبارك وتعالى {قتال فيه} بدل اشتمال من قوله {الشهر الحرام}، قل يا محمد يا خيرتنا "قتال فيه كبير" عظيم، من الذنوب العظيمة، ولكن مع ذلكم نبّه وقل على أن المسجد الحرام وإخراج أهله منه، وهم الرسول وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم، والكفر بالله تبارك وتعالى، والصد عن سبيله أعظم وأغلظ حرمة، وأعظم جرماً، "والمسجد الحرام" أي يسألونك عن الشهر والمسجد، أو {قل قتال فيه كبير وصد ٌعن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد} مضاف على الضمير في "به".
{والفتنة أكبر من القتل} ليُفتن المؤمنون في دينهم وفي اعتقادهم حتى ينثنوا عنه، وينكصوا عنه أعظم من هذا الذي دمدمتم به، وثربتم على فاعله. سبب نزول هذه الآية أنَّ رسول الله $، حين هاجر إلى المدينة المنورة، وهذا كان قبل وقعة بدر، بعث عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه وأرضاه على رأس سرية إلى مكان اسمه "بطن نخلة"، يتحسس ويستطلع أخبار الكفار، وشاء الله تبارك وتعالى بحكمته أن يصادف عيراً لقريش، فاشتبك معها، فقتل رجلاً يُدعى عمرو بن الحضمري، وأسَرَ رجلين، واستاق العير ثم عاد بها إلى المدينة، وكان ذلك في اليوم الأخير من جمادى الآخرة، أي في أول ليلة من رجب الأصم، ليس في يوم من أيام رجب، لكن لأول ليلة، لذلك ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين تتبع اليوم، فدمدمت قريش، وجعلت تثرِّب على رسول الله وتشنع، وعلى أصحابه، يقولون: محمد يُحل الشهر الحرام، يقتلون الناس في شهر الله الحرام، وردد وأجرف به المنافقون واليهود في المدينة المنورة، هذا محمد يدَّعي الحرمات وتعظيم الشهر الحرام، ويستحل هو وأصحابه الشهر الحرام، فأنزل الله هذه الآية {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبير..} الثوابت ثوابت لا تتزعزع، ولا تُنسخ، {إنَّ عدة الشهور عند الله أثنى عشر شهراً يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حُرم..} هذا لا يتغير ولا يُنسخ، ولكن الله تبارك وتعالى قال مع قوله {قل قتال فيه كبير}، {والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله، والفتنة أكبر من القتل، ولا يزالون يقاتلونكم..}.
لماذا بدأتُ بهذه الآية الجليلة؟ بدأت بها لأنني أريد أن أعقِّب، وأهمش على الحوادث التي يتابعها العالم كله- وليس عالم العرب والإسلام فقط- محبوس الأنفاس، مختلف التقديرات، ومختلف الآمال في تونس الخضراء الجريحة الحبيبة، لا أريد أن أسوق الحديث سوقاً إعلامياً، كلنا نتابع وسائل الإعلام على مدار الأربعة وعشرين ساعة، هذا ليس مفيداً في هذا المقام، ولا أريد أن أبيع أحلاماً وأوهاماً لنفسي ولإخواني ولأمتي، أريد فقط أن أعلِّق على أمر لي بي لون اختصاص، أمر الفتوى والتعليق الديني في مثل هذه الأحداث.
طالَعَنَا غير واحد يقول: "محمد البوعزيزي" رحمة الله تعالى عليه، ورضوان الله تعالى عليه إن شاء الله مُنتحر، والانتحار حرام، وكتب بعض البُله يقول لا أريد أن أناقش كفر الرجل وشركه من العامة، كأنما أصبحانا خوارج وحرورية، يرون أنَّ الذي ينتحر فهو كافر مشرك، حرام عليه الجنة، نردد كلمات الخوارج، من أين لكم هذا، في صحيح مسلم عن الدوسي الذي نحر نفسه، قطع يديه بمشاقف، فأريه النبي $، النبي بعد أن دعا له، أخرجه الله تبارك وتعالى وأودعه في جنات النعيم، لكن بلا يدين، دخل الجنة إذاً، ثم قال عليه الصلاة وأفضل السلام: "اللهم وليديه فاغفر"، حتى تعود إليه في الجنة بإذن الله تعالى.
المنتحر مثله مثل غيره، نحن تكلمنا عن موضوع خلود الموحدين في نار جنهم، لا موحّد يخلَّد في نار جهنم رغم أنف الخوارج والوعيدية، وهذا ما قام عليه الدليل الرجيح الصحيح الفصيح بحمد الله تبارك وتعالى، ليست مسألة عظيمة الآن، ثم ما هذه الفتوى البتراء عن ومن سياقاتها، تقع خارج السياق، كل سياق، لذلك الأمة فهمتها ولم تتفهمها، الطفل الصغير يفهم ما معنى هذا، محمد البوعزيزي حرق نفسه بالجاز والنار منتحر، الانتحار حرام، ما الجديد، الأطفال الصغار يعرفون هذا قبل الكبار، ماذا يريد هذا المفتي الأبله - عفواً هذا العبقري اللوزعي الجهبذ الفطحل- أن يقول لنا؟! ماذا يريد أن يعملنا، ماذا يريد أن يفتح أعيننا عليه، وأذاننا عليه؟ لا جديد، هذا أحد المخادعين، وأحد الكذبة، هو وأمثاله كثيرون طبعاً، أو أحد التائهين الضائعين، وما أكثرهم في هذه الأمة.
الأمة فهمت الفتوى، الطفل الصغير يفهمها، ولم تتفهمها، فرق أن تفهم، وأن تتفهم، نحن لا نتفهم هذه الفتوى، وكأي من أمر نفهمه ولا نتفهمه، لسنا قادرين على أن نتفهمه، والدليل أنَّ الأمة لم تتفهمها أن أحداً لم يُلق إليها بالاً، قد يكون من الخطأ أنني ألقيت إليها بالاً، لكن أنا أريد أن أهمش، أريد أن اهتبلها فرصة، وانتهزها سانحة لكي أفتح العين، حتى أعين بعض علماء الدين، وأهل الفتوى والفقه لكي يفهموا القضية من جوانب أكثر جدة وعمقاً ومنهجية، هذا ما أريده، وإلاَّ ما كان ينبغي أن نعبأ بها، ولا أنْ نشغل أنفسنا وإخواننا بهذه الفتوى البتراء، هذه الفتوى المقطوعة عن ومن كل سياق أصلاً.
فكأي من أمر نفهمه ولا نتفهمه، لا يمكن أن نتفهمه، الأمة مازالت، الشعب التونسي العظيم المناضل من أجل حريته، وكرامته، ووجوده الأصلي مازال لم يتفهم هذه الفتوى، كأنه لم يسمع بها، ولن يتفهمها يوماً، بل سيدمغ وسيصم كل من تجرأ، وتواقح، وتساخف وتراقع، وأصدر أمثال هذه البتراوات، هذه الفتاوى البتراوات، ربما يفعل هذا، نحن هنا جئنا لندمغ هذا الشيء، لندمغ هذا المسلك، وهو تكرر بطريقة أو بأخرى قبل سنتين في مذبحة غزة حين كان يُحرق الناس بالفسفور الأبيض، خرج من رجال الإفتاء والعلم، وهم على مكانة عالية سامقة في بلادهم، يحرمون التظاهرات، ويقولون التظاهرات ليست من الإسلام، التظاهرات بدعة..إحدى البتراوات الأخرى.
نفهم هذا ولا نتفهمه، انتبهوا، سأسأل سؤالاً، هل يمكن أن يكون أحداً يصلي، مصلٍ من المصلين بصلاته في سياق ما داعراً قوَّاداً، أو مخادعاً، أو حليفاً للخادعين، أو لصاً من اللصوص، أو قاتل من القتلة؟ نعم يمكن بصلاته، وبصلاته في أول وقتها..كيف؟ السياقات، الفقه كله تقدير للسياقات، أين فقه الرخص إزاء فقه العزائم، أين فقه التيسير والتخفيف والضرورات، هذا فقه السياقات، لماذا أوقف عمر حد قطع السارق في عام الرمادة، لفقه السياقات، هذا هو الفقه، يتكلمون في الفقه ولا ذوق لهم في الفقه، يتكلمون باسم الدين ولا فهم لهم لجوهر الدين، سنرى بُعيد قليل ما هو جوهر الدين الذي ضيعه هؤلاء وأمثالهم وزيفوا وعي الأمة واستنزفوا البقية الباقية من هذا الوعي.
إنْ جاء أحد يدعونا إلى الصلاة لأول وقتها، في أول وقتها وأمامنا رجل يغرق، هذا قاتل، هذا الذي يدعو للصلاة في أول وقتها أحد القتلة، وسيُبعث قاتلاً يوم القيامة مع أنه صلى الصلاة لأول وقتها، ليس هذا الآن وقتها، هذا وقت إنقاذ الغريق. إذا كان يُعتدى على عِرض امرأة أمامنا، ودعانا هذا إلى أن نجمع الصلاة (نصلي جماعة) في أول وقتها، هذا قوّاد، هذا ديّوس، يترك الأعراض تُنتهك ويأتي يدعو للصلاة جماعة في أول وقتها باسم الدين، مصلي قوّاد، إن كان هناك مال عام أو خاص يُسرق، مال الأمة يُسرق ويُتغول ويأتي ليدعونا إلى الصلاة في أول وقتها، سنقول له أنت أحد اللصوص، كم لك في غنيمة اللصوصية هذه، أخبرنا أيها اللص المقنَّع باسم الدين، وباسم المشيخة، وتحت عمامة، وفوق لحية؟!
إذاً يمكن أن يكون المصلي أحد هؤلاء، يمكن أن يكون حليفاً للمخادعين، يمكن أن يكون حليفاً للكذابين، للذين أرادوا أن يأتوا على البقية الباقية من ثروات ومقدرات وكرامة الأمة، يضعون أيديهم في جيوبنا، لكن بعد أن وضعوها في أدمغتنا، عبثوا في أدمغتنا، وسرقوا وَعينا وإدراكنا، وقدرتنا على الفهم والتحليل والتفسير، قدرتنا على أن نرى وأن نسمع، وأن نشعر وأن نتحسس، وأن نُحسِّس الآخرين، سرقوها بالعبث في أدمغتنا، وبعد ذلك طاب لهم، وتأتى لهم أن يضعوا أيديهم في جيوبنا، ويأخذوا كل شيء، فأصبحنا نستجدي السماء، ونتكفف أهل الأرض اللئام. إذاً هذه أشياء نفهمها ولا نتفهمها، ولسنا مستعدين أن نتفهمها، لا نريد أن نتفهمها، لأن تفهمها، أي قبولها، انتحار، انتحار حقيقي، تصويب للسلاح إلى صدرونا، نقتل أنفسنا، نذبح وعينا، نستنزفه، والشعب التونسي الآن ليس مستعداً لهذا، نسأل الله أن يتمم جهاده ونضاله حتى يحوز استقلاله الثاني، كما وصفه أحد الأحرار فيه، هذا هو الاستقلال الثاني.
أولاً أحبُ أن أقول للأسف الشديد لا أحسب أنهم في عصر من الأعصار من تاريخ هذه الأمة استفحلت الفتوى إلى حد، لا أقول الإشباع، بل التضخم، المفاتي كما يسمونهم، المفتون المعتمدون الرئيسون يُفتون صباح مساء، طبعاً على قدر هوى السلطة، يقدون الفتاوى قداً، على قد هواها وأحلامها وأمانيها، هؤلاء لا يُعبأ بهم، بل يُسخر منهم صباح مساء، الشعوب نفضت أيديها منهم، تعلم أنهم كذبة، يأكلون بدمائها وأعراضها وقضاياها، وهناك من يتبرك بالفتوى، هو فضولي لم يستفته أحد، ولم يطلب منه أحد.
هل تظنون هذا البوعزيزي رحمة الله عليه، إن شاء الله الشهيد الكبير، طلب الفتوى من أحد، لم يطلب فتوى من أحد، لأنه لم يتطوع أحد من قبل بالفتوى لمناصرة قضاياه وقضايا أمثاله، لذلك هو لا يطلب الفتوى من هؤلاء، ولا من غيره، لا أريد أن أناقش قضية البوعزيزي، وظروفه الخاصة، ومدى قيام له عذر عند الله، هذه من صلاحية الله وليست من صلاحياتنا، من صلاحيتنا أن نقول كل مرتكب كبيرة أياً كانت هو في مشيئة الرحمن الرحيم لا إله إلاَّ هو مادام موحداً، أما أنَّ الله يغفر له فهذا من صلاحية الله، والله غفور رحيم.
انتبهوا! الرجل قد يكون بلغ إلى حد لا يُكلف معه، قد يكون فقد وعيه وجُن، لأن ظروف تجنن، من يسمعها يُجن، كيف من يعيشها، كيف من يعيش هذه الظروف، تأتي شرطية معها سادس ابتدائي، لم تكمل الإعدادية لأنها راسبة، تبصق في وجه جامعي، وتصفعه على وجهه بعد أن ألقت بالخضر والفواكه التي يبيعها على الأرض، الجامعي يبيع الغلال في محلته بين أهل حارته، يتكسب له ولأمه ولأخواته لأنه غير مُرخص، لكن سرقة أموال الشعب مرخصة والحمد لله، سرقة المليارات والهرب بها إلى استراليا وكندا مرخصة، أن تسرق المليارات، وأن تسرق الناس في أرزاقهم بلا أي رخصة في السماء والأرض، يدخلون معك بخمسين في المائة شئت أم أبيت، خمسين في المائة في أي مشروع وإلاَّ لا مشروع، لن تُفلح أن تقيم أي مشروع، لكن أن تبيع الغلال وأنت أكاديمي جامعي تحتاز شهادة عٌليا هذا غير مرخص، وتُضرب وتُصفع على وجهك، ويُبصق في وجهك. ويذهب إلى المحافظ، عمدة البلدية، لكي يقدم شكوى، فلا يُسمح له، الرجل قطعاً بلغ حد الشعور بالعدم واليأس العدمي، أحرق نفسه أكيد في لحظة غياب وعزوف الوعي، عزف عنه عقله المسكين فألهب الضمائر، أنار بشعله جسمه درب الحرية للأحرار، هذا ما فعله، أنار بجسمه المشتعل درب الحرية للأحرار، بإذن الله ليس في تونس، وإنما في بلدان أخرى.
قبل سنوات يسيرة حدث شيء مماثل في مصر لكن لم يفعل شيئاً، دائماً أقول مهما غلبنا اليأس لابد أن نقرر حقيقية يقررها كل مؤرخ متواضع، لا أحد لديه من القدرة والعبقرية والاستشرافية ما يسمح له أن يتنبأ متى تثور ثورة، متى ينتفض شعب، لا أحد يعرف هذا، كل الذين حاولوا أن يتنبئوا في معظم الأحوال يفشلون، هذا شأن الله تبارك وتعالى، لا أحد يعلم، وهذه لا خطية في الاجتماعيات والإنسانية، هذه أمور لا خطية لا يمكن أن تُحسب، لا يستطيع أحد أن يحسبها إلاَّ رب العالمين لا إله إلاَّ هو، فقط عند الله هي بحساب، متى تفيض كأس الشعب، مع أي قطرة؟ كان إحراق البوعزيزي لجسده المحبط اليائس المعدوم هي القطرة التي فاض بها إناء التوانسة، لا أحد يعلم هذا، هو قطعاً لم يعلم هذا، هو فقط أدرك أنَّ باطن الأرض خير له من ظاهره، أراد أن يولي من هذا العالم المهين المُذل، العالم الذي شعر فيه البوعزيزي أنه لا بقية من ضمير، ولا من كرامة، ولا من عدالة عند هؤلاء المتنفذين، ولا في أي مؤسسة من مؤسساتهم، والله لو ظل عنده بصيص أمل في واحد من هؤلاء لما أحرق نفسه، لكن يعلم ألا أمل.
لذلك، لا يمكن ولا يجوز لهؤلاء المفتين التائهين الضائعين المضيعين أن يصوروا الأمر على أنه مسألة شخصية، مسألة فردية تخص البوعزيزي، هو ليس مأساة شخصية، إنها مأساة أمة، مأساة شعب مطحون محروم مكمم الأفواه، مُصادر الحريات، متغول الأموال، معصوب العينين، مسدود الأذنين، شعب لا حق له أن يقول كلمة في شأنه ومصيره، منهم من لا يجد شيئاً يتبلغ به، ومنهم من لا يعرف كيف يُحصي ثرواته وأمواله، لا يستطيع أن يحصيها، مسموح هذا به، {وبئر معطلة وقصر مشيد}، وقصور فارعة في السماء، هكذا تحل لعنة الله، وغضب الله على الناس.
أقول لهذا المفتي التائه وأمثاله بالله عليك أيها العبقري، أوجد لي من كتاب الله، أو من سنة الحبيب المصطفى $ آية أو حديثاً يقول إنَّ المنتحر ملعون، تحل عليه اللعنة..لا يوجد، إن كنت تعلم الكتاب والسنة لا يوجد، أوجد لي دليلاً أنَّ المنتحر ملعون، أما أنا فسأقف بك على غير دليل صحيح أنَّ الذي يحضر ويشهد ويشاهد مظلمة المظلومين ثم لا ينتصر لهم تنزل عليه اللعنة من رب السماء، حديث صحيح عن رسول الله، أنت من الملعونين، كُف لسانك عن هذا الشهيد، أنت ملعون أنت وأمثالك، حين تسكت عن مظالم المظلومين، وعذابات المعذبين، وأنين المكروبين، ومطحونية المطحونين، ثم تأتي تتبرع بالحكم أنهم من أهل جهنم لأنهم منتحرون أنت ملعون، هم ليسوا ملاعين، لا يوجد دليل يقول إنهم ملاعين، وإنما أنت الملعون الساكت عن الظلم.
يتحدثون عن الدين، لا نريد مثل هذا الدين، دين هؤلاء أعوان السلاطين، وأذناب السلاطين، وأحذية السلاطين، ووعاظ السلاطين لا نريد دينهم، لأن دينهم - والله الذي بعث محمد بالحق- ليس هو دين محمد $، دين محمد هو هذا الدين {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} جوهر الدين العدل، دعوة إلى إخواني المسلمين، إلى الجماعات الإسلامية على اختلافها، بالله عليكم كفاكم رفعاً لشعارات جنائية، تطبيق الشريعة بمعنى الحدود، كفوا عن هذه البلاهة، أخر شيء يمكن أن نفكر فيه الحدود، أخر شيء، وأول شيء ينبغي أن نفكر فيه الحريات والعدالة، حريات الشعوب المقهورة، والعدالة المدوسة بكل حذاء وبكل نعل، العدالة..جوهر الدين العدالة.
تريد أن تقيم حكماً، تريد أن تدعو إلى شرع، تريد أن تكون وارثاً للمرسلين، سالكاً دربهم، متقيل خطتهم ومنهاجهم، اسمع إلى قول الحق تبارك وتعالى {إنَّ الذين يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم} هل سمعتم مَن هم الذين يسيرون في ضروب الأنبياء، من هم ورثة المرسلين، إنهم الداعون إلى القسط، إنهم الآمرون بالمعدلة، أن توضع الأمور في أنصبتها، أن يأخذ كل أحد حقه، ولا يتجاوز على حقوق الآخرين، هذا هو الدين، هذه هي الرسالة الإلهية، هذا هو وارث النبي محمداً وعيسى وموسى وإبراهيم، وكل السلف الصالحين من الأنبياء والمرسلين.
الذي يسير في طريق الأنبياء هو الذي يأمر بالقسط من الناس، يوم أرى شيخاً وفقيهاً ومفتياً يبرر الظلم والعار والشنار والذلة والمهانة باسم الدين إعلم أنه كذاب وبريء من محمد $، ومحمد بريء منه، هذا أحد الذين لديهم، كما أقول دائماً، استعداد أن يبيعوا جبة محمد لتشبع بطونهم التي لا تشبع، لا أشبعهم الله، لتملئ أرصدتهم التي لا تمتلئ، لا ملأها الله، هذه رسالتي، هذه رسالة الخطبة لكم ولمن بلغ، إحذروا هؤلاء ألف مرة واحذروا الحكام الظلمة مرة! لكن هؤلاء احذروهم ألف مرة لأنهم الأعوان الحقيقيون، لأنهم الذين يعبِّدون الطرق لهؤلاء الظلم من أمثال هؤلاء سواء أكانوا علماء دين أو مثقفين حتى علمانيين كذابين من هؤلاء المأجورين أيضاً من وعاظ السلاطين بغض النظر عن نِحلتهم ومذهب ودينهم.
إذاً "الآمرون بالقسط" هم الذين فهموا جوهر الدين، من أجل هذا أنزل الله الكتب، من أجل هذا بعث الله المرسلين ليقوم الناس بالقسط، ألا تباً لنا، وألف تب وتباب إذا دعونا إلى الدين، وفهمنا، وفهّمناه الناس على أنه طقوس وشعائر وحجاب وصلوات وجماعات وخطب ومنابر بعيداً عن الحريات والعدالة، والله لنا التبّ، ولنا التباب إلى يوم الدين، ولا ننتظر إلاَّ الخسار والعار.
قلتُ قبل سنوات في مصر حدث شيء مشابه تماماً، لكن لحكمة لا يعلمها إلاَّ الله لم تفض كأس الشعب المصري، لعلها تفيض قريباً بإذن الله، عبد الحميد شتا رمزان أحدهما ميت والآخر حي، محمد البوعزيزي حي ليس لأنه أكثر جراءة أو أعظم يأساً من المصري عبد الحميد شتا، لكن يبدو أنَّ منسوب الوعي في هذه اللحظة عند الشعب التونسي يعلو قليلاً، هذه قضية وعي وإحساس لا يحتمل مزيداً من الظلم، باطن الأرض خير من ظاهرها، هذه هي القضية والمعادلة ببساطة.
عبد الحميد شتا خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، والأول على دفعته، عبد الحميد شتا المصري رحمة الله عليه المنتحر الشهيد، هذا المسكين أخطأ خطئاً لا يُغتفر، ظنّ المسكين، لأنه مثقف، أنه في بلد لا يزال فيه شيء من عقل بحيث يكافئ النبوغ، ويكافئ الذكاء والعبقرية، أنت نابغة وأول على الدفعة وشاطر، لابد أن تكافئ، أكيد عندك أولوية على الراسبين والسُقط، وسقط المتاع من البشر، فذهب إلى الخارجية، ومعه أوراقه وشهاداته المشرفة، الأول على الدفعة عبد الحميد شتا، فنظروا إليه باحتقار، كما صفعت الشرطية الراسبة في السادس الابتدائية البوعزيزي، هؤلاء صفعوه لكن صفعة معنوية لا تقل عن صفعة الشرطية التونسية.
قالوا له: أنت تتقدم لكي تلتحق بالسلك الدبلوماسي، أنت غير لائق اجتماعياً، مصطلح يُستدعى من المعجم العفن البائد للعبودية والتمييز العنصري في داخل الشعب المسلم العربي الواحد، منقوص الإنسانية، شهادتي لا تصلح، علمي لا يصلح، لم يفهم الرجل، قالوا له: أنت حِتة فلاح، فلاح ابن فلاح لا تحلم أن تلتحق بالسلك الدبلوماسي المصري، بره! مباشرة من على كبري النيل وألقى نفسه في النيل، ومات غريقاً، يقول بلسان الحال: ليس هذا وطني، ليس هذا بلدي، ليس هؤلاء أهلي، هكذا يكافئ الذكاء والنبوغ والعبقرية، انتبه! إياك أن تكون الأول، لأنك ستكون الأخير، أو المنتحر الأول، يجب أن تكون مثل هؤلاء المنحنيين بقدر ما تنحني يمكن أن تحصل على ما تريد، لكن هناك من لا يؤمن بفلسفة الانحناء.
يكتب المصلح الديني الكبير مارتن لوثر لا يمكن لأحد أن يمتطي ظهرك ما لم تكن منحي الظهر، هذا ما أدركه الآن الشعب التونسي، الانتحار والموت بالرصاص الحي على طريقة الفلسطيني والإسرائيلي الصهيوني أشرف ألف مرة من أن نعيش الذل القاتم الأغبر، لا نريد أن نواصل هذا الذل..كفى! لقد فاض الإناء.
نعود لهؤلاء المفاتي العباقرة الجهابذة، أقول لهم بالله عليكم، مَن تظنون أنفسكم؟ يثور حديث في الشرق والغرب عن نرجسية المثقف، وعموماً الأكاديميون والمثقفون وأهل الفكر والعلم والذكر لديهم من الشعور الزائف بالذات، وأنا من هذه القبيلة، لكن الحمد لله على الأقل أنا أدرك هذا، ينبغي أن أعرف قدري، مَن أنت، ماذا تظن نفسك؟ أنك عالم كبير، ومؤلف، وفيلسوف، وأكاديمي وغير ذلك، ما معنى هذا؟! هذا كله ليس له قيمة، ليس له وزن ما لم تصطف إلى جانب الجماهير، إلى جانب شعبك، إلى جانبك أمك وأبيك وعمتك وخالتك وجارك وجدك وإخوانك وأصلك وفرعك، وإلاَّ فأنت إنسان تافه من التافهين الكثر في هذا العالم، لا تساوي أي شيء، لا تساوي شرو نقير، وأنت مستعد أن تبيع نفسك لكل نعل مليء ذهباً، لكي يُغدق عليك هذا النعل بعض الذهب وبعض الدنانير، وتبيع كرامتك وعِمَّتك الفارغة سواء كانت عِمّة دينية أو علمانية، علم فارغ كل هذا، لا قيمة له.
نرجسية المثقف، يظن نفسه شيئاً غير العباد، الفقيه، وهو ليس مثقفاً، قد يكون عالماً، وقد يكون حافظاً يحفظ فقط بعض الكتب والأحكام، حتى إنْ كان عالماً يستطيع استخراج واستنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية بالطرق المصطنعة التقليدية، هذا عالم نمطي، عالم واحدي من ناحية معرفية، هذا لا يستطيع أن يرى العالم إلاَّ من زاوية واحدة ضيقة، والزاوية الفقهية أضيق الزوايا، وأنا سأوضح هذا، هذه أيضاً رسالة أساسية في خطبة اليوم، أريد لهؤلاء الفقهاء، أو من يظنون أنفسهم فقهاء، وقد كثر فقهاء الفضائيات.
قبل أن أتكلم في نقطتي هذه، أعود إلى قضية التضخم في الفتوى..لماذا، ما دلالة هذا التضخم، لم يحدث في عصر من العصور أن تضخمت الفتوى كما نرى اليوم. إبن حزم الإمام الجليل رحمة الله عليه الظاهري في كتابه "أصحاب الفُتى من الصحابة والتابعين ومن بعدهم"، ذكر من بين ألوف الصحابة، في الكتب التي بلغتنا تترجم لأصحاب رسول الله هناك ما زيد عن ثمانية آلاف ترجمة، وتقول هذه الكتب إنَّ الرسول تُوفي عن مائة وأربعة عشر ألف صحابي، لنجعلهم عشرة آلاف فقط وليس مائة ألف، عشرة آلاف صحابي عدد كبير جداً، كم كان عدد المفتين منهم، الذين يتصدرون للفتوى والقول في الدين، والحكم على الناس والأفعال، والأحداث والظواهر والأشياء؟!
ابن حزم استقصاهم، ذكرهم من عند آخرهم واحداً واحداً، حتى ذكر من ليس له إلاَّ فتية أو فتوى واحدة، صحابي أفتى مرة واحدة وضع اسمه، كم بلغ عددهم، ألف، ألفين، بل مائة وستة وأربعين صحابي فقط، اقتصاد في الفتوى، لأنها كانت أمَّة عمل، هذا الجيل نفسه من الصحابة رضوان الله عليهم هو الذي فتح شرق الدنيا وغربها وشمالها وجنوبها، هم هؤلاء، ليس عنده وقت للكلام، لإصدار الأحكام على البشر والظواهر والأشياء، وعلى الكون كله، وعلى الدنيا والآخرة أيضاً، هذا في الجنة، وهذا في النار، ما عندهم وقت للكلام الفارغ.
مائة وستة وأربعون صحابياً، سبعة منهم فقط مكثرون؛ عمر وعلي وعائشة وابن عمر وابن عباس وزيد وابن مسعود، سبعة كانوا يكثرون الفتوى فقط، وغير هؤلاء بعضهم متوسط، وأكثرهم مقل جداً من الفتوى، العلاقة عكسية بين العمل والكلام، من كثر كلامه قلّ عمله، من كثر كلامه في الدين، أربعة وعشرين ساعة دين، فضائيات أربعة وعشرين ساعة دين ومشايخ، وما في عمل، أين العمل، أين وقت الدنيا، أين وقت التثمير والتعمير والإنجاز والإنتاج، والتوليد والتكثير، ما في وقت، كلام..هذه الدلالة الأولى.
ما في أمة قلّ عملها مثل أمتنا اليوم، ما في عمل تقريباً، حتى مِن هؤلاء علماء الدين، تجد أنه يشتغل بالعلم، ويتكلم في العلم، ويرتزق بالعلم رزقاً حسناً، دخل بعضهم مئات الألوف، وبعضهم ملايين الدولارات في السنة بالكلام في الدين، هل تحفظ كلام الله؟ لا ليس ضروري أحفظه موجود على الإنترنت، هل تحفظ الأحاديث، هل تستطيع أن تسوقها بأسانيدها، أو حتى بنصها؟ لا، هل قرأت علم كذا وكذا؟ مش شرط، أنا مجرد داعية، أنا مثقف إسلامي..ما شاء الله عليك، علاَّمة كبير أنت! باسم ماذا تستحق هذه الملايين واستحققتها يا حبيبي، باسم الضحك على هؤلاء المغفلين، تضحك عليهم، تبيعهم الأوهام والأحلام، وهناك من يلحن ويغني لك..كارثة، مفاتي الفضائيات والتليفزيونات صباح مساء.
الدلالة الأخرى هي دلالة تعويضية، الفشل في الحياة بالنجاح الموهوم بالكلام في الدين، هذا ليس نجاحاً، عُمْر ما يكون الكلام في الدين نجاحاً أبداً، خدمة جوهر الدين، خدمة مقاصد الدين وفي رأسها الحرية والعدالة، هذا خدمة الدين، خدمة الجماهير، وليس بالكلام في الدين، وكثرة الفتاوى والخطب والتأليفات والمحاضرات والكاستات والسيديهات، ليس هو، وثالثاً، وأخيراً حتى لا نطوِّل، طلب السلطة، الفتوى سلطة، تجد العاجز الفاشل، وليسوا كلهم هكذا، لكن كثير منهم هكذا، يضع رجل على رجل ويتكلم في العاملين، وفي العاجزين من أمثاله والفاشلين، يحكم ويصدر الأحكام.
هل تفهمون أنَّ إصدار الأحكام قد يُعتبر خطيئة عند الله، إصدار الأحكام قد يُعتبر خطيئة، وأي خطيئة، ليس لخطورة الفتوى، لجوانب سيكولوجية وروحية ومعنوية، إصدار الأحكام على الناس، كما قال عيسى: "لا تدينوا لكي لا تُدانوا"، والنبي $ يقول في الحديث الذي أخرجه الإمام مالك في الموطأ: "لا تعاملوا الناس على أنهم أرباب، عاملوهم على أنهم عبيد مثلكم"، نحن عبيد لسنا أرباباً، لماذا تصدر الأحكام على الناس؟! أسخف شيء، وأظلم شيء، وأقتم شيء أن تُصدر الأحكام على الناس من خلال ملاحظة الوضع الشخصي لذاتيك المبجَّلة، فأنت ما شاء الله رجل علم وفقيه أو مفتي رسمي أو غير رسمي جماهير مرتاح، شعبان، ريان، ممتلئ الجيب والحساب بنقود الجماهير، ولكن الحرية أن تقول ما تشاء لأنك لا تقول شيئاً مفيداً، حتى الحكومات الظالمة تعطيك كل الحرية لأنك لا تقول شيئاً يفيد الشعوب، ويزلزل الثقة بهؤلاء الظلمة، لذلك يعطونك الفرصة ما شاء الله، وتُستقبل من بلد إلى بلد، ومن عاصمة إلى عاصمة، وأنت نجم تليفزيوني، لابد أن نفهم ونُفهم، هذا هو الذي يحدث.
ثم تأتي تقول منتهى المراد من رب العباد، ماذا تنكرون، على ماذا تسخطون؟!! الأمور ممتازة جداً، بلدنا ما شاء الله مطبق لشرع الله، ولعدالة الله تقريباً تسعة وتسعين في المائة ولله الحمد، بقي واحد في المائة مسئولية الجماهير الملعونة هذه، الحاكم بريء والحمد لله، فالجماهير الملعونة هذه عليها أن تستكمل الواحد في المائة المنقوص من تطبيق دين الله في الأرض، أكبر خطيئة هذه، وتعلمون مصير هؤلاء عند الله كيف، علماء السوء، أول ما تُسعَّر بهم نار جهنم. عليك أن تلاحظ حين تتكلم، وحين تُفتي وتُصدر الأحكام، أن تلاحظ نكبات المنكوبين، وعذابات المعذَّبين، ومرارات الممرورين، وكوارث المكروثين، عليك أن تفتح العينين جيداً، يا ليت لك عشرة أعين كي ترى أكثر، ثم تتكلم، هذه مسألة.
وأعود إلى قضية الفقه والفتوى، وهي رسالة رئيسة في خطبة اليوم، أولاً: الفقه زاوية نظر واحدة يمكن أن ننظر إلى الأشياء والأحداث والظواهر والأشخاص من خلالها، زاوية واحدة، وليست تعوض عن سائر الزوايا، يجب على الفقيه أن يفهم هذا جيداً حتى يريحونا من كثرة كلامهم، وكثرة شقشقاتهم اللفظية الفقهية، عليهم أن يفهموا هذا..كيف؟ الفقه أيضاً ليس قادراً أكثر من غيره، أو بطريقة أنجع من غيره على فهم الواقع، وتفسيره وتحليله.
قد يقول أحدكم، ما هذا الكلام، هذه حرب على الفقهاء يا سيدي، ليست حرباً على الفقهاء، نوع من تقييد غرور الفقهاء، أو من يتكلم باسم الفقه، وليسوا فقهاء حقيقيين أصلاً، تقييد لحدودهم، تقييد لغرورهم، بعض الأذكياء اقترح بدل أن نتكلم عن إعطاء النساء مزيداً من الحريات، قال معظم هذه الحريات المطلوبة إنما جار عليه الرجل بتوسع حرياته، إذاً لماذا لا ندعو إلى تقييد حريات الرجال، مرات ممكن أن ننظر إلى المسائل من زوايا مختلفة جديدة فيها طرافة، وفيها جِدة، وتشكِّل حلاً.
سأبرر مقولتي التي أقولها لكل فقيه ابتداءً، وبعد أن يسمع ربما يقبلها إن كان عنده تواضع للحق، أولاً هل تظنون أنَّ الفقيه إذا تعلَّق الأمر بالفهم والتحليل والتفسير يسد مسد عالم النفس، وعالم الاجتماع، ورجل الاقتصادي، ورجل الدولة السياسي الاستراتيجي؟ مستحيل، لا يستطيع، هناك مسائل لا يفهمها إلاَّ السياسي، ولا يستطيع أن يتكلم فيها الفقيه كلمة واحدة..أليس كذلك؟!
الآن، السودان ضاع جنوبه منا، قبل أشهر كلمت أحد الساسة السودانيين في محضر من إخواني، قلت له بالله عليكم قل لي عن أي سياسة إسلامية تتحدثون، ما هي السياسة الإسلامية التي مارستموها في السودان، أحب أن أكون واضحاً مع نفسي، ومع إخواني أصحاب العلاقة، قال ماذا تريد يا شيخنا أن تقول، قلت له أنا لا أفهم ماذا تعني سياسة إسلامية، أنت حين تأتي لتقود شعباً ستضطر على الرُغم منك أن تدخل البوتقة، أن تدخل المعمل، إما نجحت وإما فشلت، والنجاح ليس برفع شعارات الإسلام، ماذا أريد من سياسة إسلامية؟!
تأملتُ في الكتب التي تتحدث عن السياسة الإسلامية المعاصرة، وهي لأذكياء هؤلاء المفكرين، وجدت على الأقل خمسين في المائة من الكتاب يتحدث في موضوعات غير ذات موضوع الآن، هل يجب أن يكون هناك خليفة، وإذا كان يجب أن يكون هناك خليفة، هل يتعدد الخليفة أو لا يتعدد..ليس هناك خليفة الآن، نتحدث عن سياسة دول الآن، وبعد ذلك، هذا الخليفة تعدد أو توحد ما هي صفاته؟ الذكاء والفطنة، وأن يكون كذا، وألاَّ يكون..ما هذا الكلام الفارغ، هذا كان زمان حين كان يحكم الحاكم بأمره، اليوم هناك مؤسسات وحكومات، ما هذا الكلام؟! نصف الكتاب في مسائل غير ذات موضوع اليوم، وبعد ذلك سياسة إسلامية الذي يعتدي علينا لابد أن نعتدي عليه، من حقنا أن ندافع عنه، هل نحتاج إلى نصوص لنقرر هذه الحقائق، كل الشعوب تفعل هذا، كل الدول تفعل هذا.
قلتُ له للأسف رفعتم شعار دولة إسلامية، وتطبيق شريعة، وكان شعاراً في غير محله، ولأول مرة سنة 1993 قرر الجنوب وقال مادام دولة إسلامية وتطبيق شريعة لا نريد أن نبقى تحت سلطة هذه الدولة. أنا أرى في الطيب أردوجان، طيَّب الله عمره وأوقاته، هذا العملاق الحقيقي، هذا أنجح سياسي مسلم على وجه الأرض، دون أن يتكلم وقال الله وقال الرسول وقال الطبراني وقال مُلاَّ فلان ومُلاَّ عِلان، الرجل ما شاء الله تنمية تسابق الريح، مستوى دخل لم يحصل من قبل، حقيقة مُعجز، آمال غير عادية بكل سلاسة وسهولة سنة فسنة، هذا أكبر خدمة للإسلام، وأكبر خدمة للشعب المسلم التركي، للشعب التركي عموماً مسلماً كان أو غير مسلم..لماذا؟
ما معنى التنمية، ما معنى ارتفاع الدخل القومي، ما معنى ارتفاع دخل الفرد السنوي؟ معنى ذلك قلة الدعارة، قلة العهارة، قلة السرقة، قلة الجريمة، قلة الإحباط، قلة اليأس، الإنتاج، العمل، الأمل، هذا معناه، العدالة، وهذا الذي يريده الله تبارك وتعالى {ليقوم الناس بالقسط} هذا أنجح شيء، إذاً حقق غايات الإسلام دون أن يتكلم كثيراً باسم الإسلام مع أن مرجعيته قولاً واحداً بلا مثنوية الإسلام، الرجل يحفظ كتاب الله، خريج المدارس القرآنية، رجل كريم.
كنت في تركيا قبل أسبوع، والله العظيم بكيت وأنا أمشي في البلد العظيم الذي تشعر به بالنبض، بالحياة، بالتعمير، بالتثمير في كل مكان، وفي راحة الناس، الناس تمشي براحة، تتكلم براحة، ما من ضغط عليها، ما في توتر، شيء عجيب، بكيت وقلت هذا الزعيم الذي دافع عن شعبنا (الفلسطيني) يوم خذله العرب، الزعيم الوحيد الذي مرَّغ أنف إسرائيل في التراب أمام العالم، وسماهم قتلة الأطفال، قال لبيريز: "أنتم قتلة الأطفال"، والله العظيم لا مصلحة له مع غزة، ولا مع شعب غزة، فعل هذا لأنه رجل شريف، تشعر أن هناك بطولة، هناك رجولة، هناك زعامة حقيقية، رجل زعيم حقاً، هذا سياسي ناجح، لكن أن ترفع شعار، ولا تستطيع أن تدفع أعبائه، ولا تدرأ مخاطره، وتفقد نصف بلدك خطأ كبير جداً لا يُغتفر، ما الذي يحدث.
أقول للإسلاميين بالله عليكم، دعونا من هذه الأشياء، وارفعوا شعاراً آخراً ينضوي، ويسعد بالانضواء، تحت لوائه العلماني، والاشتراكي، والشيوعي والمسيحي واليهودي العربي أيضاً إلى جانب المسلم، شعار العدالة، التداول السلمي على السلطة، الديموقراطية، الرقابة على الأجهزة كلها، توسيع دائرة وميدان مؤسسات المجتمع المدني، ارفعوا هذا الشعار ستكسبون كل شيء، واجعلوا مرجعيتكم الإسلامي، إن كانت تصلح، مرجعية صامتة إن كنتم تفهمونها بطريقة صالحة، لإعادة بناء الحياة.
وأرجع فأقول، هل تظنون أنَّ الفقيه يجدي عن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمهندس المعماري والمدني والمحلل؟ مستحيل، لا يجدي، هذه أشياء تحتاج أهلها لكي نفهمها، إذاً دور الفقه في فهم ما يحدث ضئيل جداً إلى جانب دور السياسة والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس...أليس كذلك؟ من السهل جداً على الفقيه أن يصدر حكماً، الآن ينتشر الشذوذ الجنسي في العالم العربي، ينتشر زنا المحارم والعياذ بالله بشكل مزعج جداً، لأول مرة في التاريخ المعاصر عشرات المؤتمرات في دول عربية كثيرة عن ظاهرة، لأنها تفشت، زنا المحارم، يستطيع الفقيه الواحد النمطي أن يقول هذا محرَّم من أفحش المحرمات جزاؤه كذا وكذا، لكن هل يستطيع أن يفسر لنا لماذا استشرت هذه الظاهرة، ما الأسباب، ما العلل، ما الدوافع، سبيل العلاج الحقيقي غير المواعظ التي لا تفيد ولا تجدي؟! هنا يتقدم عالم الاجتماع، ويتقدم عالم النفس، ومن ورائهما الاقتصادي الذي يعلم أنَّ سرقة مليارات الأمة، بحيث لا تجد ملايين الأمة بعد ذلك ما تسدُّ به عورتها، وخلتها، ولا ما تحصِّن بها فروجها، هو السبب الحقيقي.
قلتُ مرة وبعبارة ملآنة، وهي عبارة للأسف يستعر منها المرء، والله العظيم حقوق الحيوان الآن في العالم كله أوفر من حقوق الإنسان العربي، صدقوني الهر والهرة والقرد والقردة ليس عندهم مشكلة جنسية، كل حيوان يجد ما يفرغ فيه طاقته، إلاَّ الإنسان العربي محرَّم عليه أن يفرغ هذه الطاقة، لا تستطيع أن تتزوج قبل الأربعين، هذا إن استطعت، فماذا يفعل المسكين هذا الذي راهق منذ أنْ كان في السادسة عشرة إلى الأربعين، ماذا يفعل؟ يُجن ويركبه ألف شيطان، فيقع مرة على أمه، مرة على أخته، مرة على جاره، على الفقيه هنا أن يتقدم ليفهم أسباب الظاهرة بدل من أن يدمغ ويحكم.
يقول: الشذاذ الملاعين لعنة الله عليهم، إن وقع رجل مع رجل يُلقى به من حالق، أبو بكر حرَّقهم، فلان حرقهم...ما هذا الاستهبال، اذهب افهم قبل أن تحكم على الناس، حكمك هذا جريمة، افهم لماذا استشرت هذه الظواهر، استعن بإخوانك علماء الاجتماع والنفس حتى يشرحوا لك ما السبب، بعد ذلك سترى من هو أحق بالوصم والدمغ، هذا الفاحش المجرم، أم الشيطان الأكبر الذي يقف وراء كل هذا العار؟ لذلك أي ظاهرة، أي أمر، أي حدث يُمكن أن يُنظر إليه من زوايا كثيرة، زاوية المنشأ والمبنى، زاوية المعنى، زاوية الغاية والهدف، زاوية الباعث والدافع، زاوية العلاقة، وهي زاوية المقارن، علاقة الشيء بالأشياء الأخرى في سياق مختلف، الله حرَّم الخمر ولحم الخنزير والميتة، وفي ظروف أخرى أحلها وأباحها بقدر معين لأن السياق اختلف، فيختلف كل شيء، زاوية العلاقة، الفقه كله مقارنة، وضع الشيء في سياقات مختلفة، ومن هذه الزوايا زاوية الحكم الفقهي بالصيغة التكليفية: حرام وحرام وواجب ومكروه ومندوب ومباح..هذا هو.
لكن حتى الأصوليون، ومن ورائهم الفقهاء أدركوا أنَّ معجم اللغة التكليفية غير كافي للتوصيف، فبذكائهم العبقري المؤسس ابتدعوا معجماً جديداً يُكمل، ولا يتناقض، وله قدرة تفسيرية عالية، سموه معجم اللغة الوضعية، الأحكام الوضعية، الشيء لا يجب أن يكون فقط حلال وحرام وواجب ومكروه، ممكن أن يكون سبباً في شيء آخر، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، أو يكون صحيحاً، أو باطلاً فاسداً، أو يكون رخصة، أو يكون عزيمة، وهذه كلها اسمها الأحكام الوضعية، وهكذا حتماً ولزاماً انداحت واتسعت دائرة التوصيف، غدونا نصف الأشياء بلغة أخرى غير لغة التكليف.
طبعاً، لا يخفاكم ولا يخفاكن، أنَّ لما كانت الأسباب والشروط والموانع، حتى صحة الشيء وبطلانه، أوسع من أن تكون مجرد شرعية، هناك أسباب كونية قدرية، أسباب تتعلق بالطب، وأسباب تتعلق بالهندسة، تتعلق بالاقتصاد، تتعلق بالسياسة والاستراتيجية، خمسين ألف زاوية وزاوية للنظر والحكم، إذاً اللغة الوضعية لغة واسعة جداً تسمح لعشرات الصنوف والألوان والثقافات غير الفقهية أن تتدخل، وأن توصف وأن تتكلم، وليس فقط الفقيه. لذلك، نقول للفقيه عليك أن تدرك دورك وحجمك، وهو حجم محدود إلى حد ما، وأن تحترم حدودك، يمكن بعد ذلك أن تقول قولاً مفيداً في سياق فهم ما يقول الآخرون من أهل الذكر والنظر والفهم والتقويم والحكم من ذوي الاختصاص، ويمكن أن تصبح إنساناً محترماً تتكلم لصالح الجماهير، لصالح أمتك، لصالح شعبك، وتفرض احترام اللغة الدينية أيضاً التي عرفت قدرها على الآخرين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.
الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله، والكافرون لهم عذاب شديد، وأشهد ألاَّ إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده الله ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد؛ رأى الحسن البصري ذات يوم رجال الشرطة، وقد ألقوا القبض على رجل سارق من عامة الناس، لم يقل اقطعوه قطعه الله اللعين، أبداً، إنما قال: "سارق السر يقطع سارق العلانية"، وتكلم في المكان تماماً، تكلم بما ينبغي أن يُتكلم به، قال أي شريعة، وأي تطبيق حدود، الذين يسرقون الملايير يقطعون من يسرقون الملاميم. العز بن عبد السلام لما قيل له حث الجماهير على أن تتبرع لكي نتفادى ونتصدى لغزو المغول المجرمين، قال: لا، لن أفعل، على من سرق أموال الجماهير وجعلها جواهر ودرر في أعناق وأيدي وأرجل الغلمان والجواري أن يعيد هذا، ويجيِّش به الجيش، وإن نقص بعد ذلك أمرنا الجماهير أن تساهم بالعون، وهكذا هو الفقيه، هذه الفقاهة الحقيقية، أن تنحاز إلى أمتك، أن تنحاز إلى شعبك، وأن تتكلم بصدقية، بما يرضي الله، ويرضي الضمائر الحية.
اللهم افتح علينا بالحق وأنت خير الفاتحين، اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، اهدنا واهدي بنا، اللهم اكفنا ما أهمنا من أمر دنيانا، وأمر أخرانا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا وبالسعادة آجالنا، وتوفنا وأنت راض عنا، اللهم أبرم لهذه الأمة المرحومة، أمة حبيبك محمد صلوات ربي وتسليماته عليه وآله وأصحابه، أمر رشدٍ تعزٌ فيه أوليائك وتُذل فيه أنوف أعدائك، يُعمل فيه بكتابك وبسنة نبيك، يُتآمر فيه بالمعروف، ويُتناهى فيه عن المنكر، يشبع فيه الجوعى، ويروى فيه الظمأى، ويأمن فيه الخائفون، ويصل فيه المنقطعون، ويعود فيه المهاجرون المُخرجون من ديارهم بغير حق إلاَّ أن يقولوا ربنا الله..اللهم آمين!
عباد الله! إنَّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، وأقم الصلاة.
http://www.youtube.com/watch?v=V8gfV5uJn50&feature=related