بتول
22-05-2007, 10:04 AM
هذا البحث اعده الدكتور إبراهيم حمامي وهو باحث مهتم بالشأن الفلسطيني
بحث وإعداد: د..إبراهيم حمامي
يزداد أبناء الشعب الفلسطيني في اللجوء والشتات عدداً ويزداد الحديث عنهم وعن دورهم، خاصة في ظل ما يحاك لإسقاط حق العودة الذي يمس ويهم كل فلسطيني أينما وجد. هذا الدور شبه مغيب لأسباب سأحاول هنا حصرها واقتراح حلول لها مع برنامج عمل مقترح، وذلك لتفعيل دور الجاليات في الشتات عموماً وفي أوروبا خصوصاً ليستمر التواصل مع وطننا الأم حتى تحقيق الحلم بالتحرير والعودة.
لمحة تاريخية
خاض الشعب الفلسطيني خلال القرن الماضي صراعاً مريراً ومتصلاً في ظل انحياز عالمي كامل ضده وتآمر إقليمي ودولي، أسفر عن ضياع فلسطين على مرحلتين وتشريد مئات الآلاف من أبناء فلسطين وتهجيرهم من وطنهم الأصلي ليتوزعوا على مناطق اللجوء والمهجر، وليبدأوا رحلة عذاب جديدة لإثبات الذات وبناء مجتمعات الشتات والتواصل مع الوطن السليب وإبقاء حلم التحرير والعودة حياً يورثه الآباء لأبنائهم.
لم تكن الدول الأوروبية ملاذاً أساسياً لموجات الهجرة القسرية الأولى عام 1948 التي أجبرت الفلسطينيين على مغادرة الوطن كما هو الحال بالنسبة للدول العربية المجاورة لفلسطين، باستثناء بريطانيا التي هاجر إليها البعض عام 1948 لينشئوا نواة لمجتمع جديد.
تغير هذا الوضع بعد هزيمة عام 1967 والممارسات القمعية للاحتلال والتي حولت أبناء فلسطين إلى لاجئين داخل وطنهم، وكذلك الضغوط والإجراءات المتشددة من قبل الدول المضيفة للاجئين، وامتداد المواجهات المسلحة لما عرف بدول المواجهة والتي أدت جميعها لموجة نزوح جديدة وهجرة نحو المنافي البعيدة والتي كان للدول الأوروبية منها نصيب.
شكّل الطلبة الجزء الأساسي من موجات الهجرة الجديدة خاصة إلى بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، مما يفسر ارتفاع نسبة المتعلمين من الفلسطينيين في بعض هذه المجتمعات. بعد ذلك وصل آلاف الفلسطينيين خاصة من مخيمات لبنان بعد اجتياح عام 1982 وحروب المخيمات (1985-1987) إلى الدنمارك وهولندا والنرويج والسويد وألمانيا.
الموجة التالية كانت بعد اندلاع الإنتفاضة الأولى؛ خاصة بعد قرار الحكومة الألمانية قبول طلبات اللجوء من أبناء الضفة والقطاع مما يفسر ارتفاع عدد أبناء قطاع غزة خاصة في مدينة برلين.
آخر موجات الهجرة الجماعية كانت عقب حرب الخليج الثانية حيث التحق العديد من سكان الخليج من الفلسطينيين الميسورين نسبياً بأبنائهم المتواجدين في الشتات خاصة بريطانيا وفرنسا، إضافة لأميركا الشمالية.
توزيع الجاليات وخصائصها
حصْرُ أعداد الفلسطينيين في أوروبا مسألة شاقة ومعقدة لعدة أسباب، أهمها غياب أي حصر رسمي لهم خاصة في ظل القوانين المحلية التي لا تعترف بهم في كثير من الأحيان كجنسية أو فئة أو أقلية منفصلة، بل تضعهم ضمن تقسيمات مثل (من الشرق الأوسط، آخرين) أو تردهم للدول التي قدموا منها كتصنيف حمَلة الوثائق حسب البلدان التي أصدرت تلك الوثائق، أو اعتبارهم دون وطن (Stateless).
يقدر العدد بشكل عام بحوالي مئتي ألف حسب المجلس الأوروبي، موزعين كالتالي: ألمانيا 80 ألفاً - الدنمارك 20 ألفاً - بريطانيا 15 ألفاً – السويد 9 آلاف وفرنسا 3 آلاف، ولكن للأسباب السابقة الذكر فإنه بحكم المؤكد أن العدد الإجمالي أكبر من ذلك بكثير، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن عدد الفلسطينيين في ألمانيا وحدها يتجاوز المئتي ألف وفي بريطانيا حوالي 50 ألفاً، وكذلك الدول الأخرى والتي لم يشملها تقدير المجلس الأوروبي والتي يتواجد فيها عدد لا بأس به من الفلسطينيين كهولندا وإيطاليا والنمسا وإسبانيا وغيرها.
بالرغم من الخصائص المشتركة التي تجمع الفلسطينيين في الشتات، إلا أن هناك اختلافات لا يمكن التغاضي عنها كالوضع الاجتماعي والخلفية الثقافية ودرجة التأقلم مع المجتمعات المضيفة.
أهم الاختلافات وبشكل عام هي أن الهجرات الجماعية الأولى أبرزت طبقة من حملة الشهادات العليا والذين استطاعوا الاندماج في المجتمعات المضيفة بعكس الموجات الجديدة التي تعتبر أقل تعليماً وأقل اندماجاً في المجتمعات مع وجود نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل.
سأحاول هنا تناول بعض خصائص الجاليات الرئيسية في أوروبا حسب ما ورد في عدة بحوث، كان أهمها ما نوقش في ورشة عمل خصصت للاجئين الفلسطينيين في أوروبا أقامتها كلية ((سان أنطوني)) بجامعة أوكسفورد عام 2000، وشارك فيها باحثون من مختلف الدول الأوروبية. وكذلك سنستقي المعلومات من عدة دراسات أخرى.
ألمانيا
ينطبق على ألمانيا ما ينطبق على غيرها من الدول، وأعني هنا صعوبة الإحصاء والخصائص العامة وموجات الهجرة، ويُقدر عدد أفراد الجالية الفلسطينية في ألمانيا بين 80 ألفاً و200 ألف مع تركز عدد كبير منهم في مدينة برلين التي يقدر عدد الفلسطينيين فيها بعشرات الآلاف.
تتشكل غالبية الجالية هناك من مجموعتين أساسيتين: لاجئين من مخيمات لبنان، ومن أبناء قطاع غزة عقب اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987 ومعظمهم من الشباب.
يغلب على أبناء الجالية هناك تدني المستوى التعليمي بشكل عام وصعوبات من ناحية اللغة والتخاطب وانتشار البطالة والعمل في المهن الحرفية، ويعتمد الكثيرون منهم على المعونات الاجتماعية التي تقدمها الدولة، وهذا لا ينفي أن بعض أبناء الجالية حققوا نجاحات ملحوظة خاصة في مجال التجارة.
تعاني فئة السيدات في ألمانيا بشكل خاص من شعور عام بالانطوائية والعزلة حيث تتشكل غالبيتهن من زوجات التحقن بأزواجهن. أيضاً تجد النساء الفلسطينيات في ألمانيا صعوبة في التعامل مع أبنائهن لضعفهن في اللغة الألمانية التي يجيدها الأبناء.
تتميز الجالية في ألمانيا وبشكل عام بانعدام التنسيق بينها وتوجد عدة جاليات رسمية في المدن الرئيسية؛ بل أحياناً أكثر من جالية في المدينة الواحدة دون تنسيق يذكر أو فعل حقيقي.
الدول الاسكندنافية
تشترك الجالية الفلسطينية في الدول الاسكندنافية وبشكل كبير مع ألمانيا في الخصائص، ولكن يضاف إليها أن الكثيرين من أبناء الجالية فيها يعانون من أمراض نفسية تتعلق بتجاربهم المأساوية السابقة وبخاصة Post Traumatic Stress Syndrome وكذلك من البطالة (حوالي 70%) وانعدام الرغبة الحقيقية في التعلّم (أقل من 5% يتجه نحو التعليم العالي).
بشكل عام ينظر أبناء الجالية بعين من الشك والريبة لمحاولات دمجهم في المجتمعات المضيفة وبنظرة سلبية واضحة عبّر عنها أحد اللاجئين في الدنمارك بقوله: ((نحن هنا في حالة تقاعد مبكر، في لبنان كنا نموت ببطء أما هنا فالموت سريع!))، إضافة للتصادم الثقافي والاجتماعي بين المجتمعات الأصلية المحافظة نوعاً والمجتمعات الغربية الأكثر انفتاحاً.
يلاحظ أيضاً ارتفاع نسبة الطلاق بين أبناء الجالية وانعدام التواصل والتباين الجغرافي مع غياب حضور فاعل وحقيقي لجالية منظمة.
متوسط أعمار أبناء الجالية الفلسطينية في الدول الاسكندنافية هو 40 عاماً.
بريطانيا
تختلف الجالية الفلسطينية في بريطانيا عن مثيلاتها في ألمانيا والدول الاسكندنافية، حيث وصلت موجات الهجرة الأولى في الأربعينيات والخمسينات عقب النكبة مباشرة، وتلتها هجرات متعاقبة كان آخرها عقب حرب الخليج الثانية عندما التحق عدد كبير من سكان الخليج الميسورين نسبياً بأبنائهم المقيمين في بريطانيا. وقد شهدت بريطانيا موجة هجرة غير شرعية من فلسطينيي لبنان في أواخر الثمانينات وأواخر التسعينات.
الاتجاه العام هو تعليمي؛ حيث حصل العديد من أبناء الجالية هناك على شهادات عليا ويشغلون مراكز مرموقة خاصة في الجامعات والمستشفيات. كذلك هناك نجاحات على مستوى رجال الأعمال والذين يتركز نشاطهم داخل العاصمة لندن.
رغم نشاط الجالية النسبي إلا أن حجم المشاركة الفعلي في القضايا التي تهم الوطن الأم يبقى محدوداً خاصة من طبقة معينة تحاول الانفصال عن مجريات الأمور في فلسطين والاندماج بشكل أكبر داخل المجتمع البريطاني المتعدد الأعراق، تحديداً في المدن الرئيسية حيث يتركز وجود الجالية بشكل رئيسي.
يوجد أيضاً عدد لا بأس به من طالبي اللجوء من الشباب والعائلات الذين لم ينظر في أمرهم بعد، وهو ما يجعل وضعهم غير مستقر بشكل عام خاصة بعد صدور العديد من القوانين التي تقيّد طلبات اللجوء.
فرنسا
يتشابه وضع الجالية في فرنسا بعمومياته مع وضعها في بريطانيا مع ملاحظة الفروقات التالية:
غياب أي تمثيل رسمي للفلسطينيين في فرنسا، وانعدام وجود المؤسسات الأهلية مع ضعف واضح في التواصل واندماج ملحوظ في المجتمع الفرنسي المبني على نظرية الاستيعاب والاندماج، وهو ما كان له تأثير واضح على الجالية الفلسطينية صغيرة العدد هناك.
يعتمد حوالي 300 طالب فلسطيني دارس في الجامعات الفرنسية على دعم أسرهم من الخارج، عكس الطلبة في ألمانيا الذين يعتمدون في الأساس على المساعدات الحكومية رغم قلة عددهم مقارنة بحجم الجالية هناك (حوالي 3000 طالب).
برغم التنوع والامتداد الجغرافي للفلسطينيين في أوروبا التي تفتقر لأية إحصاءات أو دراسات رغم تواجد أعداد لا بأس بها من أبناء فلسطين فيها، يتضح أن الجاليات الفلسطينية في أوروبا تعيش حالة من التشرذم والتشتت وضياع البوصلة السياسية وفي بعض الأحيان ضعف الرابط مع الوطن الأم وكذلك التباين الكبير في نشاطاتها وإنجازاتها.
تعكس هذه الجاليات الصورة الأصلية للمجتمع الفلسطيني وكأنها مرآة تعكس طبقات وفئات وأفكار الشعب الفلسطيني ككل، ففي هذه الجاليات المتعلم والثري والعاطل عن العمل والمفكر والثورجي والانتهازي والناجح وغيرهم في نسيج غريب من الإيجابيات والسلبيات، لكنها أيضاً تختلف عن المجتمع الفلسطيني الأم بحكم وجودها في مجتمعات تختلف فكرياً واجتماعياً وثقافياً، وفي بعض الأحيان مجتمعات عدائية ومتحيزة ضد حقوق الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يضع تلك الجاليات في موقع المسؤولية ويفرض عليها التزامات وواجبات.
أسباب تراجع وفشل تجربة الجاليات
مع استثناءات بسيطة، كان الفشل هو العنوان الرئيسي المصاحب لهذه الجاليات، لا أعني هنا الفشل على المستوى الفردي؛ ولكن الفشل على مستوى العمل المشترك وتفعيل دور الجاليات والتواصل بينها وبين الوطن الأم والقيام بالدور المنشود في التعريف بقضايانا العادلة وحشد التأييد لها والنهوض بالمستوى الثقافي والحضاري لأبناء الجالية والتأكيد على حق العودة خاصة أن معظم أبناء الجاليات إن لم يكن جميعهم هم بالأساس لاجئون.
أسباب الفشل
يصعب تعميم أسباب الفشل والتراجع لخصوصية الجاليات التي سبق ذكرها ولكن هناك أسباباً عامة تنطبق على الجميع دون استثناء وتشمل:
اجترار الماضي والبكاء على الأطلال: بمعنى رفض الاعتراف باختلاف المجتمعات المضيفة مقارنة بالمجتمعات الأصلية وصعوبة الحياة في بدايتها، حيث قد نجد أن فلسطينياً ناجحاً في بلد الإقامة الأصلية في مجاله وتخصصه يضطر أن يصبح طالباً من جديد، وهو ما لا يسهل ابتلاعه ليبقى ذلك الطبيب في أوهام النجاحات السابقة، وليصبح عدواً لكل ما حوله رافضاً أية مشاركة في فعاليات أو غيرها.
تكرار الأخطاء وعدم الاستفادة من تجارب الآخرين: هناك جاليات أقدم بكثير من الجاليات الفلسطينية عاشت نفس تجاربها وأخطائها وبعضها تجاوزها ومن المهم الاستفادة من تلك التجارب خاصة في عصر السرعة الذي نعيشه.
أيضا هناك تجارب فاشلة متكررة داخل الجالية الواحدة والتي يصر أبناؤها على تكرارها بقصد أو دون قصد.
الإرث التنظيمي لأبناء الجالية الواحدة: وهو ما أصبح واضحاً بعد موجات الهجرة الأخيرة من الداخل المحتل ومن المخيمات؛ حيث احتفظ كل فرد من أبناء الجالية بالولاء لهذا التنظيم أو ذاك مع الاستعداد التام للدخول في مواجهات ومعارك مع الآخرين نصرة لتنظيمه أو إفشال كل عمل يقوم به الآخر لأنه ببساطة سيكون إنجازاً لهذا الآخر!
الجمود القاتل في عقلية من يدعون القيادة: وفي بعض الأحيان الجهل! حيث نجد أن هناك من يتصدر للقيادة دون مؤهلات علمية أو شخصية قيادية، وفي كثير من الأحيان جهل باللغة العربية ولغة الدولة المضيفة مما يؤدي إلى جمود ومقاومة للتغيير وانعدام الاحترام لهذه الجالية.
انعدام روح المبادرة والتطوير: والتقليد الأعمى خاصة من قبل من يدعون قيادة الجاليات.
محاولة ربط الجاليات بالمؤسسة الرسمية: ونعني هنا من يمثل السلطة؛ وتحديداً الرئاسة في سلطة أوسلو، حيث ربطت بعض الجاليات نفسها ومن خلال دساتير قديمة بالمؤسسة الممثلة للسلطة (وعدم التفريق بين دور الجالية ودور السفارة والاتحادات التابعة لها)، وهو ما يُفقد هذه الجاليات الديناميكية المطلوبة وحرية الحركة والعمل، ويقيدها بمواقف كثيراً ما تكون مرفوضة ومستهجنة.
انعدام الاستقلالية في صنع القرار: إما بسبب الربط بالمؤسسة السياسية الرسمية أو الربط المادي مع جهة أو فرد أو بسبب الضغوطات الرسمية وغير الرسمية.
العزوف عن المشاركة: عزوف الكثير من أبناء الجالية عن المشاركة الفاعلة فيها لأسباب منطقية أحياناً وغير منطقية أحياناً أخرى مما له التأثير على تمثيل هذه الجالية.
أخيراً: غياب من لديهم القدرة على القيادة والتوجيه.
التساؤلات والشكوك مستمرة عن مصداقية الجالية وشفافيتها، وهو ما يضعف الثقة فيها وبالتالي الامتناع عن المشاركة في نشاطاتها أو قيادتها.
هذه الأسباب ليست بأي حال شمولية بل هي مفتوحة للتعديل والإضافة والبحث والتمحيص، ولكن حتى ننصف أنفسنا ولا نجلدها وحتى لا يكون النقد لمجرد النقد، لا بد من الإقرار أن هناك بعض النجاحات والإيجابيات وإن كانت متفرقة وتعتمد بالأساس على شخص أو اثنين كتجربة الجالية الفلسطينية بالنرويج حالياً، والتي كان لها تأثير على الحياة السياسية في ذلك البلد وفي مواجهة الهجمة ضد الفلسطينيين، كوقوفها في وجه حملة الباص يوم 18/6/2004. كما أننا يجب أن لا ننسى وصول بعض أبناء الجاليات الفلسطينية إلى مواقع متقدمة نسبياً في الحياة السياسية بالدول المضيفة كوصول فلسطيني عام 2001 من قضاء نابلس للبرلمان الدنماركي على سبيل المثال.
أيضاً لا بد من التذكير بمؤتمرات فلسطينيي أوروبا والذي كان أولها مؤتمر برلين يوم 15/5/2004 تحت إشراف مركز العودة الفلسطيني والذي شارك فيه مندوبون عن 28 جالية فلسطينية في أوروبا، وكان شعاره التمسك بحق العودة، وهو ما يعطي الأمل بإمكانية تجميع الجاليات المبعثرة هنا وهناك. وقد لحق المؤتمر الأول مؤتمران؛ الأول في النمسا سنة 2005، والثاني في السويد سنة 2006، ويتم التحضير الآن للمؤتمر الثالث في هولندا لسنة 2007.
دور الجاليات في أوروبا
يتميز الشعب الفلسطيني بوعي واقتدار ثقافي وفكري استحق على أساسه احترام وتقدير كثير من الشعوب خاصة في الدول الأوروبية.
يقع على الجاليات الفلسطينية في أوروبا مسؤولية ليست بالسهلة وتختلف عن الجاليات في مناطق الشتات لأسباب عديدة منها: القرب الجغرافي النسبي، حرية التحرك والتعبير، سهولة التنقل بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، قدم تواجد بعض هذه الجاليات التي وطدت ذلك التواجد، وأخيراً الإمكانات المادية المجتمعة إن سخر لها أن تجتمع.
بشكل عام يمكن القول أن دور هذه الجاليات يتراوح بين النهوض بمستوى أبناء كل جالية ثقافياً واجتماعياً وعلمياً وسياسياً، والتأكيد على الحقوق الثابتة وعلى رأسها حق العودة والتواصل مع الوطن السليب فلسطين والتفاعل مع الجاليات الأخرى والقضايا العامة التي تهم أبناء الجالية، يضاف إلى ذلك الانخراط في الحياة السياسية للبلدان المضيفة والتحول إلى مجموعة ضغط خدمة لأبناء الجالية وقضاياهم.
لو نظرنا لأحداث العام الحالي لوجدنا أن كل الجاليات تقريباً -مع استثناءات محدودة- لم تقم بالدور المطلوب سواء على الصعيد المحلي الاجتماعي أو على مستوى القضايا الساخنة والحساسة، وسأترك تفاصيل الدور والواجب المطلوبين للجزء الأخير من هذه الدراسة.
عوامل النهوض بالجاليات
السؤال المهم: كيف يمكن إحياء الجاليات الفلسطينية في أوروبا والتي كاد دورها أن ينعدم؟ وكيف يمكن الخروج من حالة التشرذم والتقوقع؟ خاصة أن الأحداث تتسارع وعجلة التطور لا تنتظر ولا وقت لدينا لإضاعته في صراعات هنا وهناك، فقيادة الجالية ليست صراعاً على مناصب أو تنافساً على الألقاب وليست ((تشريفاً إنما تكليف)).
تطوير وإحياء الجاليات يتطلب وجود برنامج علمي ومهني واقعي قابل للتطبيق، ويتطلب أيضاً وقفة لمراجعة ومحاسبة الذات وصولاً إلى مستقبل أفضل ضمن أساسيات تشمل:
- تفادي أخطاء الماضي.
- التنظيم الدقيق والاستفادة من التجارب السابقة.
- استغلال قدرات أبناء الجالية المهنية والشخصية في عملية التطوير.
- الوضوح والانفتاح في العمل.
- نشر ثقافة التقييم والشفافية.
- تنمية الشعور بالانتماء للجالية، هذا الانتماء ليس اختيارياً ولا هو رهين برغبة شخصية فكل فرد في المهجر والشتات عضو في جاليته.
- الاستقلالية والفصل التام بين الجاليات وأي مراكز قوى أخرى سياسية أو مالية وإنهاء الهيمنة المستمرة من قبل المؤسسة الحاكمة الرسمية - من خلال مكاتبها و((سفاراتها))- على الجاليات.
- الابتعاد عن القضايا الخلافية والتركيز على المبادئ المشتركة والمتفق عليها.
- التصدي لمحاولات التسلق والظهور.
- التواصل بين الجاليات في الدول المختلفة.
- تشجيع الشباب خاصة من يملكون مواهب وإمكانات قيادية والتخلص من العقلية المتصلبة للحرس القديم.
- توحيد المفاهيم لدى أبناء الجالية الواحدة.
- التنسيق الميداني في كافة الأصعدة.
- التوعية السياسية لأبناء الجالية.
الخطوات العملية للتغيير
- بداية أي عمل وأهم عوامل نجاحه هو القيادة الصالحة والقادرة من خلال:
- قائد يتسم بشخصية مؤثرة ومهارات لتحقيق الأهداف المرجوة.
- مجموعة من الأفراد اللازمين لتحقيق تلك الأهداف.
- تنمية روح المبادرة.
- الإيمان بمبدأ العمل الجماعي.
- كما وتعتمد أساساً على التفاعل الحقيقي بين أبناء الجالية والمشاركة البناءة في صنع القرار والمساهمة بجدية وصدق في نشاطات الجالية.
- أي برنامج عمل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الخصائص المميزة لكل جالية وبالتالي تعديله وتطويره ليتلاءم مع احتياجات الجاليات المختلفة.
برنامج مقترح للنهوض الفعلي بالجالية
البرنامج التالي هو محاولة متواضعة لوضع تصور قابل للتطبيق لتطوير وإحياء الجاليات الفلسطينية في أوروبا:
التمهيد والإعداد بدراسة عوامل النهوض بالجاليات السابق ذكرها (في الجزء الثاني).
أولاً: التنظيم والإدارة
- حصر أبناء الجالية في كل بلد وتصنيفهم.
- إنشاء قاعدة بيانات متكاملة وتحديثها بشكل مستمر.
- الاستفادة من ثورة المعلومات وإنشاء موقع على شبكة الإنترنت يسهل الاتصال بين أبناء الجالية.
- إصدار نشرة دورية والعمل على إيصالها لكل أبناء الجالية.
- وضع برنامج واضح ومحدد الأهداف والتاريخ للنهوض بالجالية بمشاركة ذوي الخبرة والاختصاص.
- العمل على إنشاء نقابات تخصصية ضمن الجاليات لخدمة أبناء التخصص الواحد.
ثانياً: المجال الاجتماعي والثقافي
وذلك لربط أبناء الجالية بثقافة الوطن والمحافظة على الرصيد الحضاري والتراثي لشعبنا وتداعياته مع احترام المجتمعات المضيفة عبر:
- إقامة معارض عن التراث الفلسطيني.
- نشر ثقافة العودة والاستفادة من المؤسسات الثقافية القائمة التي يتركز نشاطها على الشباب والأطفال والجيل الذي ولد خارج فلسطين لتقدم له معلومات عن فلسطين وعن الثقافة الفلسطينية وعن تجربة شعبنا الفلسطيني وكيفية خروجه من فلسطين، وتجربة اللجوء التي عاشها أبناؤه، وكيف استطاعوا ترجمة هذه المعاناة إلى فعل نضالي يومي يعيش معهم باتجاه حلم العودة وبناء الوطن الكبير الذي نسعى لتحريره كفلسطينيين.
- تنظيم أمسيات شعرية وأدبية فلسطينية خاصة بإبداعات أبناء الجالية.
- إحياء المناسبات الثقافية ذات الدلالات المرتبطة بواقع شعبنا مثل يوم التراث الفلسطيني (6 تشرين أول/أكتوبر) ويوم الأرض (30 آذار/مارس) ويوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني (29 تشرين ثاني/نوفمبر).
- إقامة ندوات فكرية دورية.
- عقد مؤتمرات ومناظرات علمية لأبناء الجالية للاطلاع على مساهماتهم وإبداعاتهم.
- المساهمة والعمل مع جهات الاختصاص لتوثيق التاريخ الفلسطيني سواء على شكل موسوعات أو كتب.
- تشجيع حركة الترجمة لتبادل المعارف.
- إقامة لجان لمعالجة مشاكل أبناء الجالية الاجتماعية (زواج، وفاة، دعم، إسكان....إلخ).
- تفعيل مبدأ التكافل الاجتماعي بين المعسورين والميسورين ضمن برنامج واضح ومن خلال إقامة صندوق للتكافل والتضامن الاجتماعي في كل بلد تعود بالمنفعة على أبناء الجالية.
- الاهتمام بالجيل الجديد من خلال تنظيم نشاطات تحظى باهتمامه كالمخيمات الصيفية والدورات الرياضية وغيرها، إضافة إلى إنشاء مدرسة خاصة للجاليات التي يعاني أبناؤها من ضعف لغتهم العربية.
- تنظيم رحلات متبادلة للأجيال الشابة من وإلى فلسطين.
ثالثاً: الجانب السياسي
رغم تحفظ البعض على أي دور سياسي للجاليات إلا أن طبيعة الصراع والشتات تفرض علينا واجب ومسؤولية لا يمكن التغاضي عنهما وتضع أبناء الجالية في بؤرة الأحداث حتى وإن حاول البعض التنصل والابتعاد بشكل سلبي، وعليه فإن الدور السياسي للجاليات لا يقل أهمية عن أي دور آخر ويمكن تفعيله من خلال:
- إطلاق حملات مختلفة ومتغيرة ذات أهداف محددة.
- إحياء كافة المناسبات ذات الطابع السياسي بشكل جماعي.
- التحرك الفاعل جماهيرياً ورسمياً والاجتماع بالسياسيين وتشكيل مجموعة ضغط في الدول المضيفة.
- متابعة المستجدات والاتصال بالمؤسسات والهيئات الرسمية والأهلية والإعلامية لإبراز قضايا شعبنا والتركيز على النجاحات القانونية والدولية واستثمارها (قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي كمثال).
- المطالبة بتطبيق القرارات والمواثيق الدولية دون تمييز أو مفاضلة.
- التصدي للهجمة الشرسة ضد قضايا شعبنا ومحاولات تشويه صورة النضال الفلسطيني من خلال لجنة متابعة دائمة ترصد التحركات وتعمم الخطوات المطلوبة من أبناء الجالية.
- التأكيد الدائم والمستمر على حق العودة غير القابل للتصرف أو التفاوض والتعاون مع المؤسسات القائمة كمركز العودة الفلسطيني في لندن.
رابعاً: التواصل مع الوطن السليب - فلسطين
- إيفاد بعض الطلبة من أبناء الجالية للجامعات الفلسطينية.
- الاتصال بالجامعات المحلية في الدول الأوروبية للحصول وتوفير منح دراسية ومقاعد لأبناء فلسطين.
- إقامة قناة تواصل بين المؤسسات في فلسطين ونظيراتها لأبناء الجاليات في الدول الأوروبية كالنقابات التخصصية والأجسام الشبابية وغيرها.
- السعي لربط مؤسسات المجتمع المدني في الدول الأوروبية بالمؤسسات المثيلة في فلسطين والمساهمة في حملات الإغاثة والطوارئ.
- الحرص على إطلاق حملات التضامن مع أبناء الشعب في الوطن المحتل وإثارتها إعلامياً.
- المساهمة في بناء الكيان والمجتمع الفلسطيني بشكل مباشرة (العودة) أو غير المباشر من خلال وسائل الاتصال الحديث، وهنا يجب التوقف عند التجارب السابقة في هذا المجال وهي:
1. برنامج نقل المعرفة عبر المغتربين المسمى بـ((TOKTEN)) الذي أسسه البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة UNDP عام 1996، والذي سبق تجربته على مدار 22 عاماً في 30 دولة، ويعتمد بالأساس على المهاجرين المميزين من أصل فلسطيني للعودة والعمل داخل فلسطين برواتب محددة والاستفادة من سهولة تكيفهم مع مجتمعاتهم الأصلية.
2. التجربة الثانية أسستها وزارة التخطيط والتعاون الدولي الفلسطينية تحت اسم ((شبكة العلماء والتكنولوجيين الفلسطينيين في الشتات)) والمعروفة اختصاراً بـ((PALESTA)) عام 1996 على شبكة الإنترنت لربط العلماء والخبراء المغتربين الفلسطينيين مع الداخل، والاستفادة من كفاءات العلماء للتنمية في فلسطين. تضم هذه الشبكة 1300 عضو منهم 17% فقط من أوروبا.
3. المشروع الثالث هو برنامج ((عبر الحدود)) أو ((Across Border)) الذي أطلقته جامعة بيرزيت عام 1999 لإيصال تقنية المعلومات وإدخال الكمبيوتر إلى مخيمات اللاجئين في الضفة والقطاع ولبنان والأردن وسوريا وكذلك الإشراف على الجانب التقني والتعليمي.
خامساً: علاقات عامة
وتشمل العلاقات داخل الدولة الواحدة وبين الدول المختلفة وتنسيق الجهود بين الجاليات:
محلياً:
- الانخراط في العمل السياسي في الدول المضيفة.
- إقامة علاقات شخصية ورسمية مع مراكز صنع القرار والأحزاب المختلفة.
- التعاون مع الجاليات الأخرى والاستفادة من تجاربها والتنسيق المشترك في الفعاليات ذات الاهتمام العام.
- السعي لدى الدول المضيفة لتسهيل حياة أبناء الجالية.
- المشاركة الفاعلة والدائمة في أية ندوات أو برامج حوارية حول فلسطين.
أوروبياً:
- تشكيل هيئة موحدة أو لجنة تنسيق عليا على مستوى أوروبا للتنسيق بين الجاليات ووضع البرامج وتقديم التوصيات والإشراف على الأنشطة المشتركة.
- إنشاء موقع على شبكة الإنترنت بعدة لغات وضمن هيئة تحرير مشتركة يشتمل على معلومات عامة ودليل لأبناء الجاليات ومكتبة ثقافية ورابط للنشاطات ومواعيدها وتوجيهات لتطبيق البرامج المختلفة وإبراز المبدعين من أبناء الجاليات.
- تبادل الخبرات والتجارب والاستفادة من المهارات المختلفة لأبناء الجاليات.
- توسيع قاعدة البيانات لتشمل كل الدول الأوروبية.
- توحيد المفاهيم والتعريفات وكذلك النظم الداخلية إن أمكن.
- عقد اجتماعات دورية لأبناء الجاليات خاصة من ذوي التخصصات الواحدة.
- تشجيع النشاطات الشبابية المشتركة من مخيمات ودورات ومسابقات.
- الاتفاق على القضايا العامة كحق العودة وتشكيل لجنة لمتابعة الأمر كمرجعية لأبناء الجاليات في أوروبا لتفويت الفرصة على محاولات الالتفاف على هذا الحق.
- إقامة ورش عمل مشتركة لإعداد وتأهيل الكفاءات بمشاركة من الجميع.
- توفير المنابر المناسبة (مطبوعة ومرئية ومسموعة) لإبراز دور الجاليات وللإبقاء على التواصل.
عالمياً:
- تسجيل الهيئة المشتركة أو لجنة التنسيق العليا لدى الهيئات المختصة التابعة للأمم المتحدة.
- الاتصال بالجاليات الأخرى خارج أوروبا خاصة في الأمريكتين وأستراليا حيث توجد أعداد كبيرة من الفلسطينيين.
- الاتصال بالحكومات في الدول المختلفة للتأكيد على حقوقنا المشروعة.
- إنشاء مجلس وصندوق عالمي لفلسطينيي الشتات.
- تبادل الزيارات والخبرات بين الجاليات عبر المحيطات.
- تشجيع البحث العلمي خاصة المتعلق بالشتات والمهجر.
أخيراً
ما يمكن أن تفعله جالية قوية ومتماسكة ومتحابة ومتراصة لا حصر له سواءً محلياً أو خارج حدود البلد المتواجدة فيه، وما يمكن تحقيقه يفوق التصور فما بالكم بجاليات مترابطة ومتعاونة تنسق في ما بينها؟ هل ذلك حلم؟ أبداً.. إنه واقع يمكن أن نعيشه.. هو حق يمارس لخصوصية مجتمعات الشتات.. كل ما يتطلبه برنامج العمل هو الإرادة والعزيمة.
ولكن مفتاح كل ذلك هو الإيمان بأهمية ودور الجاليات والاقتناع به والاعتقاد الراسخ بإمكانية تحقيقه وبأن الاستمرار فيما نحن فيه أمر غير وارد. رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة وهذه الخطوة تبدأ بالمسؤولية الفردية على قاعدة:
((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)).
صدق الله العظيم.
بحث وإعداد: د..إبراهيم حمامي
يزداد أبناء الشعب الفلسطيني في اللجوء والشتات عدداً ويزداد الحديث عنهم وعن دورهم، خاصة في ظل ما يحاك لإسقاط حق العودة الذي يمس ويهم كل فلسطيني أينما وجد. هذا الدور شبه مغيب لأسباب سأحاول هنا حصرها واقتراح حلول لها مع برنامج عمل مقترح، وذلك لتفعيل دور الجاليات في الشتات عموماً وفي أوروبا خصوصاً ليستمر التواصل مع وطننا الأم حتى تحقيق الحلم بالتحرير والعودة.
لمحة تاريخية
خاض الشعب الفلسطيني خلال القرن الماضي صراعاً مريراً ومتصلاً في ظل انحياز عالمي كامل ضده وتآمر إقليمي ودولي، أسفر عن ضياع فلسطين على مرحلتين وتشريد مئات الآلاف من أبناء فلسطين وتهجيرهم من وطنهم الأصلي ليتوزعوا على مناطق اللجوء والمهجر، وليبدأوا رحلة عذاب جديدة لإثبات الذات وبناء مجتمعات الشتات والتواصل مع الوطن السليب وإبقاء حلم التحرير والعودة حياً يورثه الآباء لأبنائهم.
لم تكن الدول الأوروبية ملاذاً أساسياً لموجات الهجرة القسرية الأولى عام 1948 التي أجبرت الفلسطينيين على مغادرة الوطن كما هو الحال بالنسبة للدول العربية المجاورة لفلسطين، باستثناء بريطانيا التي هاجر إليها البعض عام 1948 لينشئوا نواة لمجتمع جديد.
تغير هذا الوضع بعد هزيمة عام 1967 والممارسات القمعية للاحتلال والتي حولت أبناء فلسطين إلى لاجئين داخل وطنهم، وكذلك الضغوط والإجراءات المتشددة من قبل الدول المضيفة للاجئين، وامتداد المواجهات المسلحة لما عرف بدول المواجهة والتي أدت جميعها لموجة نزوح جديدة وهجرة نحو المنافي البعيدة والتي كان للدول الأوروبية منها نصيب.
شكّل الطلبة الجزء الأساسي من موجات الهجرة الجديدة خاصة إلى بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، مما يفسر ارتفاع نسبة المتعلمين من الفلسطينيين في بعض هذه المجتمعات. بعد ذلك وصل آلاف الفلسطينيين خاصة من مخيمات لبنان بعد اجتياح عام 1982 وحروب المخيمات (1985-1987) إلى الدنمارك وهولندا والنرويج والسويد وألمانيا.
الموجة التالية كانت بعد اندلاع الإنتفاضة الأولى؛ خاصة بعد قرار الحكومة الألمانية قبول طلبات اللجوء من أبناء الضفة والقطاع مما يفسر ارتفاع عدد أبناء قطاع غزة خاصة في مدينة برلين.
آخر موجات الهجرة الجماعية كانت عقب حرب الخليج الثانية حيث التحق العديد من سكان الخليج من الفلسطينيين الميسورين نسبياً بأبنائهم المتواجدين في الشتات خاصة بريطانيا وفرنسا، إضافة لأميركا الشمالية.
توزيع الجاليات وخصائصها
حصْرُ أعداد الفلسطينيين في أوروبا مسألة شاقة ومعقدة لعدة أسباب، أهمها غياب أي حصر رسمي لهم خاصة في ظل القوانين المحلية التي لا تعترف بهم في كثير من الأحيان كجنسية أو فئة أو أقلية منفصلة، بل تضعهم ضمن تقسيمات مثل (من الشرق الأوسط، آخرين) أو تردهم للدول التي قدموا منها كتصنيف حمَلة الوثائق حسب البلدان التي أصدرت تلك الوثائق، أو اعتبارهم دون وطن (Stateless).
يقدر العدد بشكل عام بحوالي مئتي ألف حسب المجلس الأوروبي، موزعين كالتالي: ألمانيا 80 ألفاً - الدنمارك 20 ألفاً - بريطانيا 15 ألفاً – السويد 9 آلاف وفرنسا 3 آلاف، ولكن للأسباب السابقة الذكر فإنه بحكم المؤكد أن العدد الإجمالي أكبر من ذلك بكثير، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن عدد الفلسطينيين في ألمانيا وحدها يتجاوز المئتي ألف وفي بريطانيا حوالي 50 ألفاً، وكذلك الدول الأخرى والتي لم يشملها تقدير المجلس الأوروبي والتي يتواجد فيها عدد لا بأس به من الفلسطينيين كهولندا وإيطاليا والنمسا وإسبانيا وغيرها.
بالرغم من الخصائص المشتركة التي تجمع الفلسطينيين في الشتات، إلا أن هناك اختلافات لا يمكن التغاضي عنها كالوضع الاجتماعي والخلفية الثقافية ودرجة التأقلم مع المجتمعات المضيفة.
أهم الاختلافات وبشكل عام هي أن الهجرات الجماعية الأولى أبرزت طبقة من حملة الشهادات العليا والذين استطاعوا الاندماج في المجتمعات المضيفة بعكس الموجات الجديدة التي تعتبر أقل تعليماً وأقل اندماجاً في المجتمعات مع وجود نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل.
سأحاول هنا تناول بعض خصائص الجاليات الرئيسية في أوروبا حسب ما ورد في عدة بحوث، كان أهمها ما نوقش في ورشة عمل خصصت للاجئين الفلسطينيين في أوروبا أقامتها كلية ((سان أنطوني)) بجامعة أوكسفورد عام 2000، وشارك فيها باحثون من مختلف الدول الأوروبية. وكذلك سنستقي المعلومات من عدة دراسات أخرى.
ألمانيا
ينطبق على ألمانيا ما ينطبق على غيرها من الدول، وأعني هنا صعوبة الإحصاء والخصائص العامة وموجات الهجرة، ويُقدر عدد أفراد الجالية الفلسطينية في ألمانيا بين 80 ألفاً و200 ألف مع تركز عدد كبير منهم في مدينة برلين التي يقدر عدد الفلسطينيين فيها بعشرات الآلاف.
تتشكل غالبية الجالية هناك من مجموعتين أساسيتين: لاجئين من مخيمات لبنان، ومن أبناء قطاع غزة عقب اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987 ومعظمهم من الشباب.
يغلب على أبناء الجالية هناك تدني المستوى التعليمي بشكل عام وصعوبات من ناحية اللغة والتخاطب وانتشار البطالة والعمل في المهن الحرفية، ويعتمد الكثيرون منهم على المعونات الاجتماعية التي تقدمها الدولة، وهذا لا ينفي أن بعض أبناء الجالية حققوا نجاحات ملحوظة خاصة في مجال التجارة.
تعاني فئة السيدات في ألمانيا بشكل خاص من شعور عام بالانطوائية والعزلة حيث تتشكل غالبيتهن من زوجات التحقن بأزواجهن. أيضاً تجد النساء الفلسطينيات في ألمانيا صعوبة في التعامل مع أبنائهن لضعفهن في اللغة الألمانية التي يجيدها الأبناء.
تتميز الجالية في ألمانيا وبشكل عام بانعدام التنسيق بينها وتوجد عدة جاليات رسمية في المدن الرئيسية؛ بل أحياناً أكثر من جالية في المدينة الواحدة دون تنسيق يذكر أو فعل حقيقي.
الدول الاسكندنافية
تشترك الجالية الفلسطينية في الدول الاسكندنافية وبشكل كبير مع ألمانيا في الخصائص، ولكن يضاف إليها أن الكثيرين من أبناء الجالية فيها يعانون من أمراض نفسية تتعلق بتجاربهم المأساوية السابقة وبخاصة Post Traumatic Stress Syndrome وكذلك من البطالة (حوالي 70%) وانعدام الرغبة الحقيقية في التعلّم (أقل من 5% يتجه نحو التعليم العالي).
بشكل عام ينظر أبناء الجالية بعين من الشك والريبة لمحاولات دمجهم في المجتمعات المضيفة وبنظرة سلبية واضحة عبّر عنها أحد اللاجئين في الدنمارك بقوله: ((نحن هنا في حالة تقاعد مبكر، في لبنان كنا نموت ببطء أما هنا فالموت سريع!))، إضافة للتصادم الثقافي والاجتماعي بين المجتمعات الأصلية المحافظة نوعاً والمجتمعات الغربية الأكثر انفتاحاً.
يلاحظ أيضاً ارتفاع نسبة الطلاق بين أبناء الجالية وانعدام التواصل والتباين الجغرافي مع غياب حضور فاعل وحقيقي لجالية منظمة.
متوسط أعمار أبناء الجالية الفلسطينية في الدول الاسكندنافية هو 40 عاماً.
بريطانيا
تختلف الجالية الفلسطينية في بريطانيا عن مثيلاتها في ألمانيا والدول الاسكندنافية، حيث وصلت موجات الهجرة الأولى في الأربعينيات والخمسينات عقب النكبة مباشرة، وتلتها هجرات متعاقبة كان آخرها عقب حرب الخليج الثانية عندما التحق عدد كبير من سكان الخليج الميسورين نسبياً بأبنائهم المقيمين في بريطانيا. وقد شهدت بريطانيا موجة هجرة غير شرعية من فلسطينيي لبنان في أواخر الثمانينات وأواخر التسعينات.
الاتجاه العام هو تعليمي؛ حيث حصل العديد من أبناء الجالية هناك على شهادات عليا ويشغلون مراكز مرموقة خاصة في الجامعات والمستشفيات. كذلك هناك نجاحات على مستوى رجال الأعمال والذين يتركز نشاطهم داخل العاصمة لندن.
رغم نشاط الجالية النسبي إلا أن حجم المشاركة الفعلي في القضايا التي تهم الوطن الأم يبقى محدوداً خاصة من طبقة معينة تحاول الانفصال عن مجريات الأمور في فلسطين والاندماج بشكل أكبر داخل المجتمع البريطاني المتعدد الأعراق، تحديداً في المدن الرئيسية حيث يتركز وجود الجالية بشكل رئيسي.
يوجد أيضاً عدد لا بأس به من طالبي اللجوء من الشباب والعائلات الذين لم ينظر في أمرهم بعد، وهو ما يجعل وضعهم غير مستقر بشكل عام خاصة بعد صدور العديد من القوانين التي تقيّد طلبات اللجوء.
فرنسا
يتشابه وضع الجالية في فرنسا بعمومياته مع وضعها في بريطانيا مع ملاحظة الفروقات التالية:
غياب أي تمثيل رسمي للفلسطينيين في فرنسا، وانعدام وجود المؤسسات الأهلية مع ضعف واضح في التواصل واندماج ملحوظ في المجتمع الفرنسي المبني على نظرية الاستيعاب والاندماج، وهو ما كان له تأثير واضح على الجالية الفلسطينية صغيرة العدد هناك.
يعتمد حوالي 300 طالب فلسطيني دارس في الجامعات الفرنسية على دعم أسرهم من الخارج، عكس الطلبة في ألمانيا الذين يعتمدون في الأساس على المساعدات الحكومية رغم قلة عددهم مقارنة بحجم الجالية هناك (حوالي 3000 طالب).
برغم التنوع والامتداد الجغرافي للفلسطينيين في أوروبا التي تفتقر لأية إحصاءات أو دراسات رغم تواجد أعداد لا بأس بها من أبناء فلسطين فيها، يتضح أن الجاليات الفلسطينية في أوروبا تعيش حالة من التشرذم والتشتت وضياع البوصلة السياسية وفي بعض الأحيان ضعف الرابط مع الوطن الأم وكذلك التباين الكبير في نشاطاتها وإنجازاتها.
تعكس هذه الجاليات الصورة الأصلية للمجتمع الفلسطيني وكأنها مرآة تعكس طبقات وفئات وأفكار الشعب الفلسطيني ككل، ففي هذه الجاليات المتعلم والثري والعاطل عن العمل والمفكر والثورجي والانتهازي والناجح وغيرهم في نسيج غريب من الإيجابيات والسلبيات، لكنها أيضاً تختلف عن المجتمع الفلسطيني الأم بحكم وجودها في مجتمعات تختلف فكرياً واجتماعياً وثقافياً، وفي بعض الأحيان مجتمعات عدائية ومتحيزة ضد حقوق الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يضع تلك الجاليات في موقع المسؤولية ويفرض عليها التزامات وواجبات.
أسباب تراجع وفشل تجربة الجاليات
مع استثناءات بسيطة، كان الفشل هو العنوان الرئيسي المصاحب لهذه الجاليات، لا أعني هنا الفشل على المستوى الفردي؛ ولكن الفشل على مستوى العمل المشترك وتفعيل دور الجاليات والتواصل بينها وبين الوطن الأم والقيام بالدور المنشود في التعريف بقضايانا العادلة وحشد التأييد لها والنهوض بالمستوى الثقافي والحضاري لأبناء الجالية والتأكيد على حق العودة خاصة أن معظم أبناء الجاليات إن لم يكن جميعهم هم بالأساس لاجئون.
أسباب الفشل
يصعب تعميم أسباب الفشل والتراجع لخصوصية الجاليات التي سبق ذكرها ولكن هناك أسباباً عامة تنطبق على الجميع دون استثناء وتشمل:
اجترار الماضي والبكاء على الأطلال: بمعنى رفض الاعتراف باختلاف المجتمعات المضيفة مقارنة بالمجتمعات الأصلية وصعوبة الحياة في بدايتها، حيث قد نجد أن فلسطينياً ناجحاً في بلد الإقامة الأصلية في مجاله وتخصصه يضطر أن يصبح طالباً من جديد، وهو ما لا يسهل ابتلاعه ليبقى ذلك الطبيب في أوهام النجاحات السابقة، وليصبح عدواً لكل ما حوله رافضاً أية مشاركة في فعاليات أو غيرها.
تكرار الأخطاء وعدم الاستفادة من تجارب الآخرين: هناك جاليات أقدم بكثير من الجاليات الفلسطينية عاشت نفس تجاربها وأخطائها وبعضها تجاوزها ومن المهم الاستفادة من تلك التجارب خاصة في عصر السرعة الذي نعيشه.
أيضا هناك تجارب فاشلة متكررة داخل الجالية الواحدة والتي يصر أبناؤها على تكرارها بقصد أو دون قصد.
الإرث التنظيمي لأبناء الجالية الواحدة: وهو ما أصبح واضحاً بعد موجات الهجرة الأخيرة من الداخل المحتل ومن المخيمات؛ حيث احتفظ كل فرد من أبناء الجالية بالولاء لهذا التنظيم أو ذاك مع الاستعداد التام للدخول في مواجهات ومعارك مع الآخرين نصرة لتنظيمه أو إفشال كل عمل يقوم به الآخر لأنه ببساطة سيكون إنجازاً لهذا الآخر!
الجمود القاتل في عقلية من يدعون القيادة: وفي بعض الأحيان الجهل! حيث نجد أن هناك من يتصدر للقيادة دون مؤهلات علمية أو شخصية قيادية، وفي كثير من الأحيان جهل باللغة العربية ولغة الدولة المضيفة مما يؤدي إلى جمود ومقاومة للتغيير وانعدام الاحترام لهذه الجالية.
انعدام روح المبادرة والتطوير: والتقليد الأعمى خاصة من قبل من يدعون قيادة الجاليات.
محاولة ربط الجاليات بالمؤسسة الرسمية: ونعني هنا من يمثل السلطة؛ وتحديداً الرئاسة في سلطة أوسلو، حيث ربطت بعض الجاليات نفسها ومن خلال دساتير قديمة بالمؤسسة الممثلة للسلطة (وعدم التفريق بين دور الجالية ودور السفارة والاتحادات التابعة لها)، وهو ما يُفقد هذه الجاليات الديناميكية المطلوبة وحرية الحركة والعمل، ويقيدها بمواقف كثيراً ما تكون مرفوضة ومستهجنة.
انعدام الاستقلالية في صنع القرار: إما بسبب الربط بالمؤسسة السياسية الرسمية أو الربط المادي مع جهة أو فرد أو بسبب الضغوطات الرسمية وغير الرسمية.
العزوف عن المشاركة: عزوف الكثير من أبناء الجالية عن المشاركة الفاعلة فيها لأسباب منطقية أحياناً وغير منطقية أحياناً أخرى مما له التأثير على تمثيل هذه الجالية.
أخيراً: غياب من لديهم القدرة على القيادة والتوجيه.
التساؤلات والشكوك مستمرة عن مصداقية الجالية وشفافيتها، وهو ما يضعف الثقة فيها وبالتالي الامتناع عن المشاركة في نشاطاتها أو قيادتها.
هذه الأسباب ليست بأي حال شمولية بل هي مفتوحة للتعديل والإضافة والبحث والتمحيص، ولكن حتى ننصف أنفسنا ولا نجلدها وحتى لا يكون النقد لمجرد النقد، لا بد من الإقرار أن هناك بعض النجاحات والإيجابيات وإن كانت متفرقة وتعتمد بالأساس على شخص أو اثنين كتجربة الجالية الفلسطينية بالنرويج حالياً، والتي كان لها تأثير على الحياة السياسية في ذلك البلد وفي مواجهة الهجمة ضد الفلسطينيين، كوقوفها في وجه حملة الباص يوم 18/6/2004. كما أننا يجب أن لا ننسى وصول بعض أبناء الجاليات الفلسطينية إلى مواقع متقدمة نسبياً في الحياة السياسية بالدول المضيفة كوصول فلسطيني عام 2001 من قضاء نابلس للبرلمان الدنماركي على سبيل المثال.
أيضاً لا بد من التذكير بمؤتمرات فلسطينيي أوروبا والذي كان أولها مؤتمر برلين يوم 15/5/2004 تحت إشراف مركز العودة الفلسطيني والذي شارك فيه مندوبون عن 28 جالية فلسطينية في أوروبا، وكان شعاره التمسك بحق العودة، وهو ما يعطي الأمل بإمكانية تجميع الجاليات المبعثرة هنا وهناك. وقد لحق المؤتمر الأول مؤتمران؛ الأول في النمسا سنة 2005، والثاني في السويد سنة 2006، ويتم التحضير الآن للمؤتمر الثالث في هولندا لسنة 2007.
دور الجاليات في أوروبا
يتميز الشعب الفلسطيني بوعي واقتدار ثقافي وفكري استحق على أساسه احترام وتقدير كثير من الشعوب خاصة في الدول الأوروبية.
يقع على الجاليات الفلسطينية في أوروبا مسؤولية ليست بالسهلة وتختلف عن الجاليات في مناطق الشتات لأسباب عديدة منها: القرب الجغرافي النسبي، حرية التحرك والتعبير، سهولة التنقل بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، قدم تواجد بعض هذه الجاليات التي وطدت ذلك التواجد، وأخيراً الإمكانات المادية المجتمعة إن سخر لها أن تجتمع.
بشكل عام يمكن القول أن دور هذه الجاليات يتراوح بين النهوض بمستوى أبناء كل جالية ثقافياً واجتماعياً وعلمياً وسياسياً، والتأكيد على الحقوق الثابتة وعلى رأسها حق العودة والتواصل مع الوطن السليب فلسطين والتفاعل مع الجاليات الأخرى والقضايا العامة التي تهم أبناء الجالية، يضاف إلى ذلك الانخراط في الحياة السياسية للبلدان المضيفة والتحول إلى مجموعة ضغط خدمة لأبناء الجالية وقضاياهم.
لو نظرنا لأحداث العام الحالي لوجدنا أن كل الجاليات تقريباً -مع استثناءات محدودة- لم تقم بالدور المطلوب سواء على الصعيد المحلي الاجتماعي أو على مستوى القضايا الساخنة والحساسة، وسأترك تفاصيل الدور والواجب المطلوبين للجزء الأخير من هذه الدراسة.
عوامل النهوض بالجاليات
السؤال المهم: كيف يمكن إحياء الجاليات الفلسطينية في أوروبا والتي كاد دورها أن ينعدم؟ وكيف يمكن الخروج من حالة التشرذم والتقوقع؟ خاصة أن الأحداث تتسارع وعجلة التطور لا تنتظر ولا وقت لدينا لإضاعته في صراعات هنا وهناك، فقيادة الجالية ليست صراعاً على مناصب أو تنافساً على الألقاب وليست ((تشريفاً إنما تكليف)).
تطوير وإحياء الجاليات يتطلب وجود برنامج علمي ومهني واقعي قابل للتطبيق، ويتطلب أيضاً وقفة لمراجعة ومحاسبة الذات وصولاً إلى مستقبل أفضل ضمن أساسيات تشمل:
- تفادي أخطاء الماضي.
- التنظيم الدقيق والاستفادة من التجارب السابقة.
- استغلال قدرات أبناء الجالية المهنية والشخصية في عملية التطوير.
- الوضوح والانفتاح في العمل.
- نشر ثقافة التقييم والشفافية.
- تنمية الشعور بالانتماء للجالية، هذا الانتماء ليس اختيارياً ولا هو رهين برغبة شخصية فكل فرد في المهجر والشتات عضو في جاليته.
- الاستقلالية والفصل التام بين الجاليات وأي مراكز قوى أخرى سياسية أو مالية وإنهاء الهيمنة المستمرة من قبل المؤسسة الحاكمة الرسمية - من خلال مكاتبها و((سفاراتها))- على الجاليات.
- الابتعاد عن القضايا الخلافية والتركيز على المبادئ المشتركة والمتفق عليها.
- التصدي لمحاولات التسلق والظهور.
- التواصل بين الجاليات في الدول المختلفة.
- تشجيع الشباب خاصة من يملكون مواهب وإمكانات قيادية والتخلص من العقلية المتصلبة للحرس القديم.
- توحيد المفاهيم لدى أبناء الجالية الواحدة.
- التنسيق الميداني في كافة الأصعدة.
- التوعية السياسية لأبناء الجالية.
الخطوات العملية للتغيير
- بداية أي عمل وأهم عوامل نجاحه هو القيادة الصالحة والقادرة من خلال:
- قائد يتسم بشخصية مؤثرة ومهارات لتحقيق الأهداف المرجوة.
- مجموعة من الأفراد اللازمين لتحقيق تلك الأهداف.
- تنمية روح المبادرة.
- الإيمان بمبدأ العمل الجماعي.
- كما وتعتمد أساساً على التفاعل الحقيقي بين أبناء الجالية والمشاركة البناءة في صنع القرار والمساهمة بجدية وصدق في نشاطات الجالية.
- أي برنامج عمل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الخصائص المميزة لكل جالية وبالتالي تعديله وتطويره ليتلاءم مع احتياجات الجاليات المختلفة.
برنامج مقترح للنهوض الفعلي بالجالية
البرنامج التالي هو محاولة متواضعة لوضع تصور قابل للتطبيق لتطوير وإحياء الجاليات الفلسطينية في أوروبا:
التمهيد والإعداد بدراسة عوامل النهوض بالجاليات السابق ذكرها (في الجزء الثاني).
أولاً: التنظيم والإدارة
- حصر أبناء الجالية في كل بلد وتصنيفهم.
- إنشاء قاعدة بيانات متكاملة وتحديثها بشكل مستمر.
- الاستفادة من ثورة المعلومات وإنشاء موقع على شبكة الإنترنت يسهل الاتصال بين أبناء الجالية.
- إصدار نشرة دورية والعمل على إيصالها لكل أبناء الجالية.
- وضع برنامج واضح ومحدد الأهداف والتاريخ للنهوض بالجالية بمشاركة ذوي الخبرة والاختصاص.
- العمل على إنشاء نقابات تخصصية ضمن الجاليات لخدمة أبناء التخصص الواحد.
ثانياً: المجال الاجتماعي والثقافي
وذلك لربط أبناء الجالية بثقافة الوطن والمحافظة على الرصيد الحضاري والتراثي لشعبنا وتداعياته مع احترام المجتمعات المضيفة عبر:
- إقامة معارض عن التراث الفلسطيني.
- نشر ثقافة العودة والاستفادة من المؤسسات الثقافية القائمة التي يتركز نشاطها على الشباب والأطفال والجيل الذي ولد خارج فلسطين لتقدم له معلومات عن فلسطين وعن الثقافة الفلسطينية وعن تجربة شعبنا الفلسطيني وكيفية خروجه من فلسطين، وتجربة اللجوء التي عاشها أبناؤه، وكيف استطاعوا ترجمة هذه المعاناة إلى فعل نضالي يومي يعيش معهم باتجاه حلم العودة وبناء الوطن الكبير الذي نسعى لتحريره كفلسطينيين.
- تنظيم أمسيات شعرية وأدبية فلسطينية خاصة بإبداعات أبناء الجالية.
- إحياء المناسبات الثقافية ذات الدلالات المرتبطة بواقع شعبنا مثل يوم التراث الفلسطيني (6 تشرين أول/أكتوبر) ويوم الأرض (30 آذار/مارس) ويوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني (29 تشرين ثاني/نوفمبر).
- إقامة ندوات فكرية دورية.
- عقد مؤتمرات ومناظرات علمية لأبناء الجالية للاطلاع على مساهماتهم وإبداعاتهم.
- المساهمة والعمل مع جهات الاختصاص لتوثيق التاريخ الفلسطيني سواء على شكل موسوعات أو كتب.
- تشجيع حركة الترجمة لتبادل المعارف.
- إقامة لجان لمعالجة مشاكل أبناء الجالية الاجتماعية (زواج، وفاة، دعم، إسكان....إلخ).
- تفعيل مبدأ التكافل الاجتماعي بين المعسورين والميسورين ضمن برنامج واضح ومن خلال إقامة صندوق للتكافل والتضامن الاجتماعي في كل بلد تعود بالمنفعة على أبناء الجالية.
- الاهتمام بالجيل الجديد من خلال تنظيم نشاطات تحظى باهتمامه كالمخيمات الصيفية والدورات الرياضية وغيرها، إضافة إلى إنشاء مدرسة خاصة للجاليات التي يعاني أبناؤها من ضعف لغتهم العربية.
- تنظيم رحلات متبادلة للأجيال الشابة من وإلى فلسطين.
ثالثاً: الجانب السياسي
رغم تحفظ البعض على أي دور سياسي للجاليات إلا أن طبيعة الصراع والشتات تفرض علينا واجب ومسؤولية لا يمكن التغاضي عنهما وتضع أبناء الجالية في بؤرة الأحداث حتى وإن حاول البعض التنصل والابتعاد بشكل سلبي، وعليه فإن الدور السياسي للجاليات لا يقل أهمية عن أي دور آخر ويمكن تفعيله من خلال:
- إطلاق حملات مختلفة ومتغيرة ذات أهداف محددة.
- إحياء كافة المناسبات ذات الطابع السياسي بشكل جماعي.
- التحرك الفاعل جماهيرياً ورسمياً والاجتماع بالسياسيين وتشكيل مجموعة ضغط في الدول المضيفة.
- متابعة المستجدات والاتصال بالمؤسسات والهيئات الرسمية والأهلية والإعلامية لإبراز قضايا شعبنا والتركيز على النجاحات القانونية والدولية واستثمارها (قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي كمثال).
- المطالبة بتطبيق القرارات والمواثيق الدولية دون تمييز أو مفاضلة.
- التصدي للهجمة الشرسة ضد قضايا شعبنا ومحاولات تشويه صورة النضال الفلسطيني من خلال لجنة متابعة دائمة ترصد التحركات وتعمم الخطوات المطلوبة من أبناء الجالية.
- التأكيد الدائم والمستمر على حق العودة غير القابل للتصرف أو التفاوض والتعاون مع المؤسسات القائمة كمركز العودة الفلسطيني في لندن.
رابعاً: التواصل مع الوطن السليب - فلسطين
- إيفاد بعض الطلبة من أبناء الجالية للجامعات الفلسطينية.
- الاتصال بالجامعات المحلية في الدول الأوروبية للحصول وتوفير منح دراسية ومقاعد لأبناء فلسطين.
- إقامة قناة تواصل بين المؤسسات في فلسطين ونظيراتها لأبناء الجاليات في الدول الأوروبية كالنقابات التخصصية والأجسام الشبابية وغيرها.
- السعي لربط مؤسسات المجتمع المدني في الدول الأوروبية بالمؤسسات المثيلة في فلسطين والمساهمة في حملات الإغاثة والطوارئ.
- الحرص على إطلاق حملات التضامن مع أبناء الشعب في الوطن المحتل وإثارتها إعلامياً.
- المساهمة في بناء الكيان والمجتمع الفلسطيني بشكل مباشرة (العودة) أو غير المباشر من خلال وسائل الاتصال الحديث، وهنا يجب التوقف عند التجارب السابقة في هذا المجال وهي:
1. برنامج نقل المعرفة عبر المغتربين المسمى بـ((TOKTEN)) الذي أسسه البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة UNDP عام 1996، والذي سبق تجربته على مدار 22 عاماً في 30 دولة، ويعتمد بالأساس على المهاجرين المميزين من أصل فلسطيني للعودة والعمل داخل فلسطين برواتب محددة والاستفادة من سهولة تكيفهم مع مجتمعاتهم الأصلية.
2. التجربة الثانية أسستها وزارة التخطيط والتعاون الدولي الفلسطينية تحت اسم ((شبكة العلماء والتكنولوجيين الفلسطينيين في الشتات)) والمعروفة اختصاراً بـ((PALESTA)) عام 1996 على شبكة الإنترنت لربط العلماء والخبراء المغتربين الفلسطينيين مع الداخل، والاستفادة من كفاءات العلماء للتنمية في فلسطين. تضم هذه الشبكة 1300 عضو منهم 17% فقط من أوروبا.
3. المشروع الثالث هو برنامج ((عبر الحدود)) أو ((Across Border)) الذي أطلقته جامعة بيرزيت عام 1999 لإيصال تقنية المعلومات وإدخال الكمبيوتر إلى مخيمات اللاجئين في الضفة والقطاع ولبنان والأردن وسوريا وكذلك الإشراف على الجانب التقني والتعليمي.
خامساً: علاقات عامة
وتشمل العلاقات داخل الدولة الواحدة وبين الدول المختلفة وتنسيق الجهود بين الجاليات:
محلياً:
- الانخراط في العمل السياسي في الدول المضيفة.
- إقامة علاقات شخصية ورسمية مع مراكز صنع القرار والأحزاب المختلفة.
- التعاون مع الجاليات الأخرى والاستفادة من تجاربها والتنسيق المشترك في الفعاليات ذات الاهتمام العام.
- السعي لدى الدول المضيفة لتسهيل حياة أبناء الجالية.
- المشاركة الفاعلة والدائمة في أية ندوات أو برامج حوارية حول فلسطين.
أوروبياً:
- تشكيل هيئة موحدة أو لجنة تنسيق عليا على مستوى أوروبا للتنسيق بين الجاليات ووضع البرامج وتقديم التوصيات والإشراف على الأنشطة المشتركة.
- إنشاء موقع على شبكة الإنترنت بعدة لغات وضمن هيئة تحرير مشتركة يشتمل على معلومات عامة ودليل لأبناء الجاليات ومكتبة ثقافية ورابط للنشاطات ومواعيدها وتوجيهات لتطبيق البرامج المختلفة وإبراز المبدعين من أبناء الجاليات.
- تبادل الخبرات والتجارب والاستفادة من المهارات المختلفة لأبناء الجاليات.
- توسيع قاعدة البيانات لتشمل كل الدول الأوروبية.
- توحيد المفاهيم والتعريفات وكذلك النظم الداخلية إن أمكن.
- عقد اجتماعات دورية لأبناء الجاليات خاصة من ذوي التخصصات الواحدة.
- تشجيع النشاطات الشبابية المشتركة من مخيمات ودورات ومسابقات.
- الاتفاق على القضايا العامة كحق العودة وتشكيل لجنة لمتابعة الأمر كمرجعية لأبناء الجاليات في أوروبا لتفويت الفرصة على محاولات الالتفاف على هذا الحق.
- إقامة ورش عمل مشتركة لإعداد وتأهيل الكفاءات بمشاركة من الجميع.
- توفير المنابر المناسبة (مطبوعة ومرئية ومسموعة) لإبراز دور الجاليات وللإبقاء على التواصل.
عالمياً:
- تسجيل الهيئة المشتركة أو لجنة التنسيق العليا لدى الهيئات المختصة التابعة للأمم المتحدة.
- الاتصال بالجاليات الأخرى خارج أوروبا خاصة في الأمريكتين وأستراليا حيث توجد أعداد كبيرة من الفلسطينيين.
- الاتصال بالحكومات في الدول المختلفة للتأكيد على حقوقنا المشروعة.
- إنشاء مجلس وصندوق عالمي لفلسطينيي الشتات.
- تبادل الزيارات والخبرات بين الجاليات عبر المحيطات.
- تشجيع البحث العلمي خاصة المتعلق بالشتات والمهجر.
أخيراً
ما يمكن أن تفعله جالية قوية ومتماسكة ومتحابة ومتراصة لا حصر له سواءً محلياً أو خارج حدود البلد المتواجدة فيه، وما يمكن تحقيقه يفوق التصور فما بالكم بجاليات مترابطة ومتعاونة تنسق في ما بينها؟ هل ذلك حلم؟ أبداً.. إنه واقع يمكن أن نعيشه.. هو حق يمارس لخصوصية مجتمعات الشتات.. كل ما يتطلبه برنامج العمل هو الإرادة والعزيمة.
ولكن مفتاح كل ذلك هو الإيمان بأهمية ودور الجاليات والاقتناع به والاعتقاد الراسخ بإمكانية تحقيقه وبأن الاستمرار فيما نحن فيه أمر غير وارد. رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة وهذه الخطوة تبدأ بالمسؤولية الفردية على قاعدة:
((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)).
صدق الله العظيم.