المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بَابُ الصُّلْحِ


الشاعر الصغير
03-05-2007, 10:40 AM
بَابُ الصُّلْحِ ( وَسُئِلَ ) رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي رَجُلَيْنِ تَصَالَحَا عَلَى إنْكَارٍ ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَ الصُّلْحِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ وَأَبْرَأهُ فَهَلْ يَنْفُذُ الْإِقْرَارُ وَالْإِبْرَاءُ مُطْلَقًا أَمْ فِيهِ تَفْصِيلٌ بَيِّنُوا ذَلِكَ مَعَ بَسْطِ الْجَوَابِ فِيهِ فَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا ؟ ( فَأَجَابَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِبَارَةُ الْأُمِّ لِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي الصُّلْح عَلَى الْإِنْكَارِ وَإِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرًا فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ وَهُمَا عَلَى أَصْلِ حَقِّهِمَا وَيَرْجِعُ الْمُدَّعِي إلَى دَعْوَاهُ وَالْمُعْطَى بِمَا أُعْطِي وَسَوَاءٌ إذَا أَلْغَيْنَا الصُّلْحَ قَالَ الْمُدَّعِي قَدْ أَبْرَأْتُك مِمَّا ادَّعَيْت عَلَيْك أَوْ لَمْ يَقُلْهُ مِنْ قَبْلُ إنَّمَا أَبْرَأَهُ عَلَى أَنَّهُ يُتِمُّ لَهُ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ وَلَيْسَ هَذَا بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَبِيعَهُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ فَإِذَا لَمْ يُتِمَّ لَهُ لِلْفَسَادِ رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَصْلِ مِلْكِهِ كَمَا كَانَا قَبْلَ أَنْ يَتَبَايَعَا . ا هـ . وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِقَوْلِ الْمُدَّعِي بَعْدَ الصُّلْحِ الْفَاسِدِ قَدْ أَبْرَأْتُك لِمَا عُلِّلَ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا أَبْرَأَهُ عَلَى أَنْ يُتِمَّ لَهُ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ أَيْ وَلَمْ يُتِمَّ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَمْلِكُ مَا أَخَذَهُ بِالصُّلْحِ الْفَاسِدِ بَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . وَهُوَ أَنَّمَا أَبْرَأَ عَلَى ظَنِّ سَلَامَةِ مَا أَقْبِضُهُ لَهُ وَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبْرِئْهُ فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ بَانَ فَسَادُ إبْرَائِهِ فَيَبْقَى دَيْنُهُ بِحَالِهِ وَجَرَى عَلَى هَذَا الَّذِي فُهِمَ مِنْ هَذَا النَّصِّ الْمَاوَرْدِيُّ فَقَالَ إذَا صَالَحَ مَعَ الْإِنْكَارِ مِنْ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ وَأَبْرَأَهُ مِنْ الْبَاقِي لَمْ يَبْرَأْ وَلَزِمَهُ فِي الْحُكْمِ رَدُّ مَا قَبَضَ حَتَّى لَوْ أَقَامَ بِالْأَلْفِ بَيِّنَةً عَادِلَةً كَانَ لَهُ اسْتِيفَاءُ جَمِيعِهَا ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ كَانَ مَقْرُونًا بِمِلْكِ مَا صَالَحَ بِهِ فَلَمَّا لَزِمَهُ رَدُّهُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ بَطَلَ إبْرَاؤُهُ لِعَدَمِ صِفَتِهِ كَمَنْ بَاعَ عَبْدًا بَيْعًا فَاسِدًا فَأَذِنَ لِمُشْتَرِيهِ فِي عِتْقِهِ فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِهِ لَمْ يَعْتِقْ ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ كَانَ بِمِلْكِ الْعِوَضِ فَلَمَّا لَمْ يَمْلِكْهُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ لَمْ يُعْتِقْ عَلَيْهِ . ا هـ . وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ الْمُتَوَلِّي أَيْضًا مَعَ زِيَادَةٍ فَقَالَ لَوْ قَالَ بَعْدَ الصُّلْحِ بَرِئْت مِنْ الْحَقِّ أَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَيْنًا فَقَالَ قَدْ مَلَّكْتُكهَا فَلَهُ الْعَوْدُ إلَى الدَّعْوَى ؛ لِأَنَّ اعْتِرَافَهُ عَلَى تَقْدِيرِ سَلَامَةِ الْعِوَضِ لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ لِمَكَاتِبِهِ بَعْدَ قَبْضِ النُّجُومِ أَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً يُرَدُّ إلَى الرِّقِّ عَلَى النَّصِّ ؛ لِأَنَّ اعْتِرَافَهُ عَلَى تَقْدِيرِ سَلَامَةِ الْعِوَضِ لَهُ وَلَمْ يَسْلَمْ فَإِنْ قَالَ بَعْدَ الصُّلْح أَبْرَأْتُك فَإِنْ كَانَ يَعْتَقِد صِحَّة الصُّلْحِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمٌ كَمَسْأَلَةِ الْكِتَابَة وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ الْفَسَادَ صَحَّ الْإِبْرَاءُ وَكَذَا لَوْ قَالَ بَعْدَ الصُّلْحِ وَهَبْتهَا مِنْك وَكَانَ الْمُدَّعِي عَيْنًا وَقَالَ قَبِلْت فَإِنْ اعْتَقَدَ فَسَادَ الصُّلْحِ صَحَّتْ الْهِبَةُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَا لِلْإِبْرَاءِ حُكْمٌ . ا هـ . وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ تَارَةً يَأْتِي بَعْد الصُّلْحِ بِمَا يَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْشَاءَ كَقَوْلِهِ بَرِئَتْ مِنْ الْحَقِّ وَمَلَكْت الْعَيْنَ فَلَا تَحْصُلُ الْبَرَاءَةُ وَلَا الْمِلْك قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابَةِ السَّابِقَةِ وَتَارَةً يَأْتِي بِمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْإِبْرَاءِ وَالْمِلْكِ كَأَبْرَأْتُكَ وَمَلَّكْتُك فَإِنْ عَلِمَ فَسَاد الصُّلْحِ صَحَّا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِمَا عَلَى ظَنِّ شَيْءٍ وَإِنْ جَهِلَ فَسَادَهُ فَسَدَا ؛ لِأَنَّهُ أُتِيَ بِهِمَا عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ يَسْلَمُ لَهُ مَا صَالَحَ بِهِ فَلَمَّا لَمْ يَسْلَمْ لَهُ بَانَ عَدَمُ صِحَّتِهِمَا ثُمَّ تَفْصِيلُهُ الْمَذْكُورُ فِي أَبْرَأْتُك وَمَلَّكْتُك إنَّمَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوْل شَيْخِهِ الْقَاضِي وَصَاحِبِهِ الْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِمَا فِي الرَّهْنِ . وَنَظَائِرِهِ عَلَى ظَنِّ الْوُجُوبِ أَنَّهُ فَاسِدٌ وَاعْتَمَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ أَمَّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ الَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّهْنِ تَبَعًا لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَوَلَدِهِ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ مِنْ الصِّحَّةِ قَالَ الْإِمَامُ وَقَوْلُ الْقَاضِي بِالْفَسَادِ غَلَطٌ فَالْقِيَاسُ صِحَّةُ الْإِبْرَاءِ وَالتَّمْلِيكِ فِي أَبْرَأْتُك وَمَلَّكْتُك مُطْلَقًا وَهُوَ الْوَجْهُ . وَأَمَّا مَا مَرَّ عَنْ الْمُتَوَلِّي فِي بَرِئْت فَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبْرَأْتُك أَنَّ بَرِئْت وَأَنْتَ حُرٌّ كُلٌّ مِنْهُمَا مُحْتَمِلٌ لِلْإِقْرَارِ وَالْإِنْشَاءِ بَلْ بَرِئْت صَرِيحٌ أَوْ كَالصَّرِيحِ فِي الْإِقْرَارِ لَكِنَّ الْقَرِينَةَ الظَّاهِرَةَ صَرَفَتْ ذَيْنك عَنْ الْإِنْشَاءِ وَمَحَّضْتُهُمَا لِلْإِقْرَارِ عَلَى أَنَّ ظَنَّ أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ فَإِذَا بَانَ بَقَاءُ حَقِّهِ بَانَ أَنَّ إقْرَارَهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا وَأَمَّا أَبْرَأْتُك وَمَلَّكْتُك فَهُمَا صَرِيحَانِ فِي الْإِنْشَاءِ وَالْقَرِينَةِ وَإِنْ قَوِيَتْ لَا قُوَّةَ لَهَا عَلَى صَرْفِ اللَّفْظِ الصَّرِيحِ فِي مَعْنَى إلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَعَمِلَا بِمَا فِي مَعْنَاهُمَا مِنْ إفَادَةِ الْإِبْرَاءِ وَالْمِلْك سَوَاءٌ ظَنَّ صِحَّةَ الصُّلْحِ أَمْ لَا وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَا مَرَّ عَنْ النَّصِّ وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى كَلَامِ الْقَاضِي الضَّعِيفِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْبُلْقِينِيُّ أَيَّدَ كَلَامَ الْقَاضِي بِذَلِكَ النَّصِّ وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِقَوْلِهِ كَمَنْ بَاعَ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ وَأَنَّ الْقِيَاسَ الْعِتْقُ لِصِحَّةِ الْإِذْنِ وَمُصَادَفَةِ الْإِعْتَاقِ الْمِلْكَ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ السَّابِقَةِ أَمَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ الْإِبْرَاءُ صَرِيحًا بَلْ ضِمْنًا كَأَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ صَالَحْتُك مِنْ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ فِي الظَّاهِرِ وَكَذَا الْبَاطِنِ إنْ اشْتَرَطْنَا الْقَبُولَ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَلْفِ إذَا بَانَ بَعْدَ ذَلِكَ ثُبُوتُهَا بِإِقْرَارٍ وَبَيِّنَةٍ ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ هُنَا إنَّمَا كَانَ فِي ضِمْنِ الصُّلْحِ فَإِذَا فَسَدَ فَسَدَ الْإِبْرَاءُ تَبَعًا لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ صَالَحْتُك مِنْ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ وَأَبْرَأْتُك مِنْ الْخَمْسِمِائَةِ الْأُخْرَى فَالْإِبْرَاءُ هُنَا وُجِدَ مُسْتَقِلًّا فَيَكُونُ صَحِيحًا وَلَا نَظَرَ لِتَبَعِيَّتِهِ لِلصُّلْحِ ؛ لِأَنَّ شَأْنَ التَّابِعِ أَنْ لَا يُمْكِنَ اسْتِقْلَالُهُ بِنَفْسِهِ مَعَ وَصْفِ التَّبَعِيَّةِ وَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ تَابِعًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُمْكِنُ اسْتِقْلَالُهُ بِنَفْسِهِ فَأَثَّرَ فِي مَدْلُولِهِ وَإِنْ فَسَدَ مَا سَبَقَهُ مِنْ الصُّلْحِ هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَّجِهُ فِيمَا قَرَّرْته تَبَعًا لِلسُّبْكِيِّ وَإِنْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي الْكِتَابَةِ وَالصُّلْحِ وَغَيْرِهِمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَانِي الْأَمْرِ فِي نَحْوِ ذَلِكَ عَلَى مَا اعْتَقَدَهُ مُخَالِفًا لِمَا فِي الْبَاطِنِ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ . ا هـ . وَوَجْهُ رَدِّهِ أَنَّ هَذَا الْبَانِيَ تَارَةً بِعُذْرٍ فِي بِنَائِهِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةٍ لِلْقَرِينَةِ دَخْلٌ فِي تَخْصِيصِهَا فَلَا يُؤَاخَذُ وَتَارَةً لَا يُعْذَرُ بِأَنْ يَأْتِي بِمَا لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الْقَرِينَةُ فَيُؤَاخَذُ كَمَا سَبَقَ إيضَاحُهُ وَقَدْ جَرَى فِي الْأَنْوَارِ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَرِئْت وَأَبْرَأْتُك فَقَالَ لَوْ صَالَحَ مِنْ الْإِنْكَارِ ثُمَّ قَالَ بَرِئْت مِنْ الْحَقِّ أَوْ أَبْرَأْتُك عَنْهُ أَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَيْنًا فَقَالَ مَلَّكْتهَا فَلَهُ الْعَوْدُ إلَى الدَّعْوَى وَلَا مُؤَاخَذَةَ بِالْإِقْرَارِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلَى مَا جَرَى . ا هـ . وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ صَحِيحٌ إلَّا مَا ذَكَرَهُ فِي أَبْرَأْتُك لِمَا مَرَّ مِنْ صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ حَيْثُ وُجِدَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ مُطْلَقًا وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَ الْأَذْرَعِيِّ إذَا لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ فَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَرْجِعُ إلَى الْعِوَضِ الَّذِي دَفَعَهُ وَلَا يَبْرَأُ بِذَلِكَ أَيْ بِإِبْرَاءِ الْمُدَّعَى لَهُ سَوَاءٌ صَرَّحَ بِالْإِبْرَاءِ أَوْ لَمْ يُصَرِّحْ فَإِنَّهُ وَإِنْ صَرَّحَ فَإِنَّهُ إنَّمَا أَبْرَأَهُ لِيَسْلَمَ لَهُ الْعِوَضُ وَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ فَبَطَلَ الْإِبْرَاءُ هَكَذَا رَأَيْته مَجْزُومًا بِهِ فِي طَرِيقَةِ الْعِرَاقِيِّينَ وَأَوْرَدَهُ فِي الذَّخَائِرِ عَنْ الْمُذْهَبِ . ا هـ . وَوَجْهُ عَدَمِ مُنَافَاتِهِ لِمَا قُلْنَاهُ حَمْلُ قَوْلِهِ سَوَاءٌ أَصَرَّحَ بِالْبَرَاءِ عَلَى مَا إذَا صَرَّحَ بِهِ بِلَفْظِ بَرِئْت لَا بِلَفْظِ أَبْرَأْتُك لِمَا مَرَّ وَكَذَا يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْحِلْيَةِ وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَى مَالٍ ادَّعَاهُ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ وَيَرْجِعُ بِمَا دَفَعَ مِنْ الْعِوَضِ سَوَاءٌ أَصَرَّحَ بِإِبْرَائِهِ أَوْ لَمْ يُصَرِّحْ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ إذَا صَرَّحَ بِإِبْرَائِهِ بَعْدَ الصُّلْحِ سَقَطَ حَقُّهُ وَإِنْ قَالَ أَسْقَطْت عَنْك الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ صُلْحٍ فَفِي الْحَاوِي فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَسْقُطُ كَأَبْرَأْتُكَ ا هـ . وَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي أَسْقَطْت هُوَ الَّذِي يَتَّجِهُ تَرْجِيحُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ صَرَّحَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّلَفُّظِ بَعْدَ الصُّلْحِ بِالْإِبْرَاءِ وَعَدَمِهِ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ بِلَفْظِ بَرِئْت دُونَ أَبْرَأْتُك فَكَلَامُهُ صَحِيحٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَكَلَامُهُ ضَعِيفٌ وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ مَا نَقَلَهُ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ مِنْ صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ إذَا كَانَ بِلَفْظِ أَبْرَأْتُك مُطْلَقًا وَمَرَّ مَا يُصَرِّحُ بِهِ وَيُؤَيِّدُهُ إطْلَاقُ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ أَبْرَأَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ يُنْكِرُ وَقُلْنَا لَا يَفْتَقِر الْإِبْرَاءُ إلَى الْقَبُولِ صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصُّورَةَ حَيْثُ لَمْ تَجْرِ مُصَالَحَةٌ وَيُحْتَمَلُ التَّعْمِيمُ كَمَا هُوَ الْوَجْهُ الْآخَرُ . ا هـ . وَالتَّعْمِيمُ هُوَ الْأَوْجَهُ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَتِمَّاتٌ وَمُنَاسِبَاتٌ مِنْهَا أَفْتَى النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَبْرَأَهُ فَإِنْ أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ اسْتِيفَاءٍ لَمْ يَصِحَّ وَالدَّيْنُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ بَرَاءَةِ إسْقَاطٍ سَقَطَ وَأَلْحَقَ الزَّرْكَشِيُّ مَا إذَا أَطْلَقَ بِالِاسْتِيفَاءِ فَلَا يَسْقُطُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَقِيَاسُ مَا مَرَّ إلْحَاقُهُ بِالْإِسْقَاطِ فَيَسْقُطُ وَلِأَنَّ لَفْظَ الْإِبْرَاءِ صَرِيحٌ فِي الْإِسْقَاطِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا بِنِيَّةٍ وَفِي الْأَنْوَارِ لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا فِي الذِّمَّةِ وَقَضَى ثَمَنَهُ مِنْ حَرَامٍ فَإِنْ سَلَّمَهُ الْبَائِعُ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ بِطِيبِ قَلْبِهِ وَأَكَلَهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَدَاءِ الثَّمَنِ حَلَّ أَدَّاهُ مِنْ الْحَرَامِ أَوْ لَمْ يُؤَدِّ أَصْلًا وَالثَّمَنُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ فَإِنْ أَدَّاهُ مِنْ الْحَرَامِ وَأَبْرَأَهُ الْبَائِعُ مَعَ الْعِلْمِ بِحُرْمَتِهِ بَرِئَ وَلَكِنْ أَثِمَ وَإِنْ أَبْرَأَهُ بِظَنِّ الْحِلِّ لَمْ يَبْرَأْ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَقَدَّمْت مَا فِيهِ وَمِنْهَا قَالَ فِي الْبَحْرِ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ أَبْرَأْتُك مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ قَالَ الْأَصْحَابُ تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ فِي الْحُكْمِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنِّي لَمْ أَعْلَمُ ذَلِكَ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بَاطِنًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الدَّيْنَ فَهُوَ مَجْهُولٌ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا اعْتَقَدَتْ قَبْضَ مَهْرِهَا فَقَالَتْ أَبْرَأْتُك عَنْ مَهْرِي ثُمَّ بَانَ بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ أَوْ قَالَ أَبْرَأْتُك مِمَّا أَسْتَحِقُّهُ عَلَيْك مِنْ الشُّفْعَةِ بَاطِنًا وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا أَوْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ مِنْ جَهِلَهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ . ا هـ . مُلَخَّصًا وَمِنْهُ يُؤْخَذُ صِحَّةُ إفْتَاءِ الْأَصْبَحِيِّ فِيمَنْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ بِمَهْرِ مِثْلِهَا فِي ذِمَّة أُمِّهَا فَظَنَّ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ مِنْ الْمَهْرِ فَأَبْرَأَ الْأُمَّ مِمَّا ثَبَتَ لَهُ عَلَيْهَا مِنْ عِوَضِ الْخُلْعِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ مِثْلِهِ الَّذِي لِلزَّوْجَةِ بِذِمَّتِهِ بِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ بَلْ يُحْكَمُ بِصِحَّةِ الْبَرَاءَةِ ظَاهِرًا إنْ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ . ا هـ . وَيُوَافِقُهُ إفْتَاءُ أَبِي مَخْرَمَةَ فِيمَنْ ضَمِنَ فَأَبْرَأَ الْمَضْمُون لَهُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ يَتَحَوَّلُ الْحَقُّ وَلَمْ يُرِدْ سُقُوطَ دَيْنِهِ عَنْهُمَا بِأَنَّهُ يَبْرَأُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ وَالضَّامِنُ عَنْ الدَّيْنِ الْمَذْكُورِ وَلَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ . ا هـ . وَهَذَانِ صَرِيحَانِ فِيمَا قَدَّمْته مِنْ الْإِبْرَاءِ بِقَوْلِهِ أَبْرَأْتُك بَعْدَ الصُّلْحِ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ لَمْ يَنْظُرَا لِلْقَرِينَةِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَكَذَا فِي تِلْكَ نَعَمْ نَقَلَ الْأَزْرَقِيُّ عَنْ الْأَصْبَحِيِّ أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى الْبَرَاءَةِ وَالشَّرْطُ فَوْرِيٌّ فَأَبْرَأْته عَلَى التَّرَاخِي جَوَابًا لِكَلَامِهِ عَلَى ظَنِّ حُصُولِ الطَّلَاقِ لَهَا لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ عَلَى قِيَاسِ نَظَائِرِهَا فِي الصُّلْحِ ا هـ وَفِيهِ مَيْلٌ إلَى مَا مَرَّ مِنْ عَدَمِهِ صِحَّة الْإِبْرَاءِ بَعْدَ الصُّلْحِ الْفَاسِدِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْأَوْجَهَ خِلَافُهُ فَقِيَاسُهُ أَنَّ الزَّوْجَ هُنَا يَبْرَأُ وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْإِبْرَاءَ هُنَا وَقَعَ فِي ضِمْنِ مُعَاوَضَةٍ وَهِيَ الْخُلْعُ فَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ وَيَلْزَمُ مِنْ فَسَادِ الْمُعَاوَضَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْإِبْرَاءِ فَسَادُهُ وَأَمَّا فِي الصُّلْحِ فَلَمْ يَقَع فِي ضِمْنِ مُعَاوَضَةٍ وَإِنَّمَا وَقَعَ عَلَى جِهَةِ التَّبَرُّعِ بِهِ بَعْدَ الصُّلْحِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ فَسَادِ الصُّلْحِ فَسَادُهُ . وَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابَةِ فِيهِ خِلَافٌ حَاصِلُهُ أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ قَالَ لِلْمُكَاتَبِ حِينَ أَدَّى النُّجُومَ اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ فَقَدْ عَتَقْتَ فَاسْتَحَقَّ بَعْضَهَا لَمْ يَعْتِقْ ؛ لِأَنَّهُ بَنَى قَوْلَهُ ذَلِكَ عَلَى الظَّاهِرِ وَهُوَ صِحَّةُ الْأَدَاءِ فَهُوَ كَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا فَاسْتَحَقَّ فَقَالَ مَعَ مُخَاصَمَتِهِ لِلْمُدَّعِي هُوَ مِلْكُ بَائِعِي إلَى أَنْ اشْتَرَيْته مِنْهُ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ فِي رُجُوعِهِ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ فَإِنْ قَالَ الْمُكَاتَبُ أَرَدْت بِذَلِكَ عِتْقِي وَقَالَ السَّيِّد إنَّمَا أَرَدْت أَنَّك حُرٌّ أَوْ عَتَقْت بِمَا أَدَّيْت وَبِأَنَّ فَسَادَ الْأَدَاءِ صُدِّقَ السَّيِّدُ بِيَمِينِهِ لِلْقَرِينَةِ وَهِيَ إطْلَاقُ الْحُرِّيَّةِ عِنْدَ قَبْضِ النُّجُومِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ كَأَنْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ لَا عِنْدَ قَبْضِ شَيْءٍ وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَنْ قِيلَ لَهُ طَلَّقْت امْرَأَتَك فَقَالَ نَعَمْ طَلَّقْتُهَا ثُمَّ قَالَ ظَنَنْت أَنَّ مَا جَرَى طَلَاقٌ وَقَدْ أَفْتَانِي الْفُقَهَاءُ بِخِلَافِهِ وَقَالَتْ الزَّوْجَةُ بَلْ طَلَّقْتنِي فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِقَرِينَةٍ كَأَنْ تَخَاصَمَا فِي لَفْظَة أُطَلِّقُهَا فَقَالَ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ التَّأْوِيلَ فَحِينَئِذٍ يُقْبَلُ وَهَذَا فِي الصُّورَتَيْنِ تَفْصِيلٌ لِلْإِمَامِ نَقَلَهُ عَنْهُ الشَّيْخَانِ وَقَالَ إنَّهُ قَوِيمٌ لَا بَأْسَ بِالْأَخْذِ بِهِ ثُمَّ قَالَ وَتَصْدِيقُهُ بِلَا قَرِينَةٍ عِنْدِي غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ جَرَى بِالصَّرِيحِ فَقَبُولُ قَوْلِهِ فِي دَفْعِهِ مُحَالٌ وَأَطْلَقَ فِي الْوَسِيطِ فِي الْأُولَى تَصْدِيقَ السَّيِّدِ بِيَمِينِهِ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ وَأَطْلَقَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهِمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَمَا فِي الْوَسِيطِ قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ الْمَنْقُولُ فِيهِمَا . ا هـ . وَمَعَ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ فَهُوَ الْوَجْهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ لَوْ أَقَرَّ بِبَيْعٍ ثُمَّ قَالَ كَانَ فَاسِدًا أَوْ أَقْرَرْت لِظَنِّي الصِّحَّةَ لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاق عَلَى الصَّحِيحِ وَلَا يُفَرَّقُ بِأَنَّ مَا هُنَاكَ لَمْ يُعَيِّنْ مُسْتَنَدَ ظَنّه بِخِلَافِهِ هُنَا ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ إذْ الصَّرِيحُ لَا يَرْتَفِعُ بِظَنِّ خِلَافِهِ سَوَاءٌ بَيَّنَ لِظَنِّهِ مُسْتَنَدًا أَمْ لَا ثُمَّ إذَا تَأَمَّلْت مَا تَقَرَّرَ عَلِمْت أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا قَالَ أَنْتَ حُرٌّ أَوْ قَدْ عَتَقْت فَنَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَتنَا أَنْتَ بَرِيءٌ أَوْ قَدْ بَرِئْت فَيُقْبَلُ لِقَرِينَةِ الصُّلْحِ الْفَاسِدِ وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَعْتَقْتُك عَتَقَ حَتَّى عَلَى كَلَامِ الْإِمَامِ وَالشَّيْخَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِيهِ فَنَظِيرُهُ الْإِبْرَاءُ فِي أَبْرَأْتُك مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْقَرِينَةِ فِيهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . http://www.arb-msn.com/up/uploads/37a14c08c7.jpg (http://www.arb-msn.com/up)

صرخات وطن
02-05-2010, 04:09 PM
سلمت1
http://www.islamonaa.com/vb/uploaded/New/jaazakaalah.gif