د. أبو محمد
26-04-2007, 03:39 AM
الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى
البذرة إذا وضعت في الارض لا تنبت حتى تهتز الأرض حفرة خفيفة تُسجل بجهاز رختر فتفقس البذرة وتنبت ((فاذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت)) ((الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى))
ذكر الدكتور زغلول النجار الدارس للآيات الكونية في إحدى محاضراته ان هناك نجوماً انطلقت من آلاف السنين وهي في سرعة الضوء ولم تصل حتى الان الى الأرض وما بقي الا مواقعها ((فلا أقسم بمواقع النجوم)) ((الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى )) .
ذكر علماء الفلك أن الكون لا يزال يتسع شياً فشيئاً كما تتسع البالونة ((والسماء بنيناها بأيدٍ وإنا لموسعون )).
وذكروا أن الأرض اليابسة تنقص وأن المحيطات تتسع (( أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها )).
(( الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى ))
النملة تدخر قوتها من الصيف الى الشتاء لأنها لا تخرج في الشتاء فإذا خشيت أن تنبت الحبة كسرتها نصفين .لكن بذرة الكسبرة/الكزبرة تنبت اذا اصبحت فلقتين فتقم النملة فتجعلها اربع فلقات!!
والحية في الصحراء اذا لم تجد طعاماً نصبت نفسها كالعود فيقع عليها الطائر فتأكله .
(( الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى ))
في الرأس أربعة سوائل عذب في الفم يسوغ به الطعام والشراب ولزج في الأنف ليمنع الغبار ومالح في العينين يمنعها من اليبس ومُر في الأذنين يحميها من الحشرات .
(( وفي أنفسكم أفلا تبصرون)).
صناعة الحياة هي أن يكون لك موقع في هذا العالم، فتكون رقماً له قيمة لا صفراً على شمال العدد، ومعنى ذلك أن تسهم في البناء والعطاء بما تستطيع، لا أن تكون حملاً ثقيلاً على الأمة، إن النحلة الميتة ترمى خارج الخلية لأنه لا قيمة لها، وإن الشجرة اليابسة تزال من الحديقة لأنه لا نفع من ورائها. فما هو جزاء إنسان سميع بصير لا يعطي ولا ينتج ولا يعمل، الطالب الذي ترك الدراسة بلا عذر وجلس مع أمه في البيت ما جزاؤه إلا سوط لاذع حتى يهب مذعوراً إلى مدرسته، العامل الذي فضل النوم على العمل ما حقه إلا الزجر والحرمان حتى يتوب من إعراضه، والعالم الذي اشتغل بنفسه فحسب وترك نفع الناس يسقط من سجل الخالدين.. أهمل التضــــحيات والمثــــل، فيا من أراد الخير لنفــــسه ولأمته لا تـــكن نســـياً منسـياً ومتاعاً ساقطاً.
وما للمرء خير في حياة إذا ما عُد من سقط المتاع
أرخص موجود
إن أرخص موجود هو ذاك الإنسان الآكل الشارب النائم الذي جفت منابع نفعه ونضبت أودية خيره وحق له أن يسقط من عيون النبلاء، لأنه محا اسمه من دفتر الحياة وشطب على رقمه من لوحة العطاء والتضحية فهو في عالم الأموات ولكنه يأكل ويشرب، وفي دنيا المقابر غير أنه يضحك وينام، ومثله يسهم في غلاء الأسعار لكثرة ما يأكل، ويشارك في شح الماء لكثرة ما يشرب، الناس متجهون إلى الأمام، يبنون وينتجون وهو متجه إلى الخلف لأنه عكس النماء والبناء، وضد النفع والعطاء وعدو النجاح والتفوق.
إن قافلة الحياة لا تنتظر الخاملين فهي معدة لركوب صناع الحياة، والمقاعد محجوزة والوقت لا ينتظر أحداً وليس في حافلة النجاح مقعد واحد للتافهين.
دروس مشهودة
من أعظم الدروس المشهودة في عالم النجاح النملة، وكيف أنها تعيد محاولتها مرات ومرات حتى تصل إلى غايتها فهي تتسلق الشجرة فتسقط ثم تعاود الصعود فتسقط، وهكذا حتى تنجح في الصعود والحصول على المطلوب من دون كلل ولا ملل، وإذا أغلقت عليها طريقها أخذت ذات اليمن وذات الشمال، وإذا صعب عليها الصعود تأخرت ثم عادت أقوى مما كانت وربما تبتعد عن طريقها الأول لبعض العوارض لكنها تعود في نفس الاتجاه حتى تصل، ولها قوة عجيبة في الإصرار على المطلوب وعدم اليأس حتى ضرب بها المثل وذكروا أن أعرابياً سافر لقضاء حاجة فلما تعب من السفر جلس يفكر في عودته من سفره فرأى نملة تصعد صخرة فتسقط ثم تصعد فتسقط مرات كثيرة ثم صعدت.. حتى علت الصخرة فقال: أنا أحق بالصبر والمثابرة من هذه النمــــلة فواصــل سـفره وأدرك مطلوبه وقال:
اطلب ولا تضجر من مطلب
فآفة الطالب أن يضجرا
أما تر ى الحبل بطول المدى
على صليب الصخر قد أثرا
إن في حياة النملة عبرة لقوم يعقلون، كفاح وصبر وإصرار ومثابرة ومواصلة، ثم إن النملة لها من الاحتيال لنيل مطلوبها ما يفوق الوصف، فقد ذكر من ألف عن النملة أنها تدخر قوتها من الصيف إلى الشتاء لأنها لا تخرج في الشتاء كثيراً فتخزن قوت الشتاء ولا تأكله إلا في حينه، وخوفاً من أن ينبت الحب المخزون، تقوم بإذن الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى بكسر الحبة من وسطها لئلا تنبت، وإذا مرت في طريقها بخليج ماء صغير لا تستطيع عبوره تشكل مع النمل جسراً فوق الماء، حيث تتشابك النمل فوق معبر الماء كالجسر فإذا مرت جميع النمل من فوق هذا الجسر انسحب جسر النمل إلى الطرف الآخر فسبحان الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى!
وإذا وجدت نملة قطعة لحم أو رجل جرادة ولم تستطع حملها أو جرها ذهبت إلى بيت النمل فأحضرت أخواتها من النمل فحملوها معها، والنمل فيه من الإصرار والمثابرة ما فيه عبرة لمن أراد النجاح حتى أنك لو وضعت في طريق النمل حجراً لوقفت النملة غير راجعة إلى الوراء، بل منتظرة أو محاولة صعود الحجر أو الإتيان عن يمينه ويساره أو اختيار طريق آخر إلى نفس الاتجاه دون رجوع
سنريهم اياتنا فى الافاق!!!
________________________________________
تلـك الطبيعـةُ قـِفْ بنـا يا سـاري حتى أُريك بديعَ صنعِ الباري
الأرضُ حولـَكَ والسمـاء اهتـزَّتـا لروائـع الآيـاتِ والآثــارِ
ولقـد تمرُّ علـى الغـديـر تخالُـه والنبتُ مـرآةٌ زهـَتْ بإطـارِ
حلـوُ التسلسـل موجُـه وخـريـرُه كأنامـلٍ مـرّت علـى أوتـارِ
ينسـابُ فــي مُخْضَلـَّةٍ مُبْتَلـّــَةٍ منسـوجةٍ من سـندس ونضَارِ
وترى السماء ضحى وفي جنح الدّجى منشـقـة عـن أنهـرٍ وبحـار
فـي كـل ،ـاحيـةٍ سَلَكْتَ ومـذهبٍ جبـلانِ من صخرٍ وماءٍ جاري
سبحان من خلـق الوجـودَ مصـوِّرًا تلـك الدّمـى ومقـدّرِ الأقـْدارِ
من هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، هل يستطيع أحد في العالم، هل يستطيع كيان، أو منظمة، أو مؤسسة، أو هيئة علمية، أن تدعي وتزعم أنها هي التي أعطت كل شيء خلقه ثم هدَت ؟. لا، وألف لا، إن الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى هو الله.
ردّ بهذا الرد موسى كليم الله على فرعون عدو الله، لما سأله فرعون: من ربكما، ما تعريفه، ما ترجمته، ما آثاره، ما هي الدلائل القائمة على وحدانيته، ما هي البراهين الساطعة على ألوهيته.
فقال موسى: ربُّنا الذي أَعْطى كلَّ شيء خَلْقه ثم هدى [طه:50].
وهذه الآية تشمل عالم النبات، وعالم الحيوان، وعالم الإنسان، وعالم البر، وعالم البحر، وعالم الجو، فالله يتجلى في عصر العلم، كلما مرَّ يوم، وكلما اكتشف اكتشاف، دلنا على الله وعلى قدرته ووحدانيته.
وفي كل شيء له آيةٌ تدلُّ على أنه واحدُ
سنريهِم آياتِنا في الآفاق وفي أنْفُسِهم حتى يتبيَّن لهم أنه الحقُّ [فصلت:53].
كان السلف يعرفون من قوله تعالى: فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزَّت ورَبَتْ وأنبتَتْ من كل زوجٍ بهيج [الحج:5]. أن الأرض تخضر وتُثْمِر وتُزهِر إذا نزل عليها الماء، ثم تقدم العلم، واكتشف أهل علم النبات؛ أن الإنسان إذا وضع الحب اليابس في الأرض اليابسة لا ينبت الزرع، حتى تهتز الأرض درجة واحدة من درجات جهاز (رختر) فتنصدع قشرة الحبة، فتنبت بإذن الله، والله يقرر ذلك قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وقبل أن تهتز لا تنبت ولا تثمر.
أحد الشعراء كان مسرفًا على نفسه في الخطايا، أبو نواس، وعندما توفي، رآه أحد علماء أهل السنة في المنام في هيئة حسنة، عليه ثياب بيض، جالس في بستان، قال: يا أبا نواس كيف حالك؟ قال: لقد أتيت إلى الكريم فغفر لي، قال: بماذا؟ قال: بقصيدتي في وردة النرجس:
تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليكُ
عيون من لُجَين شـاخصـات بأحداقٍ هي الذهبُ السبيكُ
على كُثُبِ الزَّبَرْجَد شاهـداتٌ بأن الله ليس له شريكُ
النخل.. الرمان.. الريحان.. كل نبت.. كل زهر، يشهد أن لا إله إلا الله.
إنها معالم الوحدانية، ودلائل الألوهية، وآيات الربوبية.
وعرف السلف قوله تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم [الواقعة:75]. قالوا: إن ذلك إشارة إلى أماكنها، وتطور الإعجاز العلمي، فاكتشف علماء الفلك، أن هناك نجومًا ذهبت من أماكنها، أرسلها الله، سرعتها كسرعة الضوء أو أكثر، ولم ترتطم بالأرض إلى اليوم، وبقيت مواقعها هناك، فقال الله: فلا أقسمُ بمواقعِ النجوم. ولم يقل: فلا أقسم بالنجوم تعظيمًا لمواقعها.
والله يقول: والسماء بنيناها بأيْدٍ وإنّا لموسعون [الذاريات:47]. يقول العلماء: إن الله، عزّ وجلّ، أوسع الكون، وجعله فسيحًا، بصحاريه، وفيافيه، وبحاره، ومحيطاته، ثم تطور علم الإنسان إلى أن وصل إلى قضية مذهلة؛ وهي أن الكون يتسع كل يوم كما يتسع البالون إذا مُلئ بالهواء تماماً , يوسع الله الكون، نعم هذه قدرته وهذا سلطانه، ليهْلِكَ من هلك عن بينة ويحيى من حىَّ عن بينه [الأنفال:22].
ويقول جلّ ذكره: وأرسلنا الرياح لواقح [الحجر:22].
مَن ما يدري معنى لواقح، وكيف تلقح الرياح، وما فائدة تلقيح الرياح، وما المادة التي تلقحها الرياح بإذن الله.
يقول العلماء: يُحمِّل الله المعصرات من السحب بماء البحر، بعد أن يتبخّر، ثم يسوقه بالريح، فيأتي الملك يهتف ويقول: اسق بلد كذا وكذا، فيذهب السحاب ولكنه لا يسقط منه قطرة، حتى يرسل الله الرياح مُحمّلة بذرات الغبار فتصطدم بالسحاب تلقّحه، فيهبط الغيث بإذن الله.
وهناك فرق بين الرياح والريح، أما الريح فمهلكة دبور مُمرضة، وأما الرياح فنافعة مفيدة مثمرة لا تأتي إلا بخير، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا هبّت الرياح قال: ((اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً))[1].
كان النبي عليه الصلاة والسلام، يقوم في وسط الليل ليصلي، ثم ينظر إلى السماء ويقول: إن في خلقِ السماواتِ والأرضِ واختلافِ الليلِ والنهارِ لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلقِ السماواتِ والأرضِ ربَّنا ما خلقتَ هذا باطلاً سبحانك فقنا عذابَ النار[2] [آل عمران:190-191].
وفي التنزيل والجبال أرساها [النازعات:32].
أين أرساها؟ ولماذا أرساها؟ وكيف أرساها؟ أرساها في الأرض، قال أهل العلم: طول الجبل في باطن الأرض ضعف طوله فوق سطح الأرض، فكل جبل من الجبال، لم يخرج منه على سطح الأرض إلا الثلث، وبقي الثلثان في بطن الأرض، أوتد الله الأرض بالجبال، ثم وزّعها على القارات والجزر، حتى لا تهتزّ الأرض، ولو جمعها في منطقة واحدة لاضطرب حال الأرض، ولتقلّبت، ولانتهت كل الكائنات الحية الموجودة على سطحها، هذا خَلْقُ الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلالٍ مبين [لقمان:11].
أروني استعدادات البشر، أروني صنع البشر، أروني خلق البشر يا أيها الناس ضُرب مثلٌ فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يَستنقِذوه منه ضَعُف الطالبُ والمطلوبُ [الحج:73].
وخلق الله عالم الحيوان، والحديث عنه طويل، قال علماء الحيوان: جعل الله في خياشيم الكلب مادة شامّة، يَعرف بها من بعيد صديقه من عدوه، ولا يصيب الكلب عرق، فإذا أراد أن يتنفس من المسام، لهث في الليل والنهار كمَثَل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركْهُ يلهث [الأعراف:176].
فمن الذي خلق.. ومن الذي صوّر.. ومن الذي أبدع.
يُرسل الإنسان الحمام الزاجل، يحمل الرسائل من مكان إلى مكان، ويعود إلى صاحبه، فلا يَضِل، ولا يضيع، ولا يضطرب، من الذي علّمه، من الذي بَصَّره بالطريق، من الذي هداه؟ إنه الله الواحد الواحد الأحد، الذي أعطى كلَّ شيء خلقه ثم هدى [طه:50].
خلق الله العنكبوت، منها صنف وفصيلة تعيش في البحر، فإذا أرادت أن تبيض، بَنَت عُشّها تحت سطح البحر، ثم عمِلَت عُشّاً كالبالون لا يخترقه الماء، وعبّأته بالهواء، وأَسْرَجَتْه بإذن الله بمادة في أنفها، ثم جعلت تبيض في العش فمن الذي أعطى كل شيء خلقَه ثمَّ هدى.
خلق الله النملة، تذهب لرِزقِها في الصباح وتأتي في المساء، تَعلَم بقدوم فصل الشتاء حيث الأمطار والبرد، فتدخِّر قوتها، من الصيف في مخازن تحت الأرض، حتى إذا جاء فصل الشتاء، كان عندها ما تعيش عليه، وإذا خافت أن تنبت الحبةُ التي خزنتها، قسمتها نصفين لئلا تنبت، فمن علّمها؟ ومن بصّرها؟ إنه الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
أيها الاخوة:
إن قضية الخلق والهداية لهي من أهم القضايا التي عالجها الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتقدَّمَ العلم، وتطورت الأبحاث، وكلما تطور العلم، كلما اهتدى الإنسان، وعلم أنَّ لهذا الكون إلهاً لا إله إلا هو.
أما رأيتم لأولئك الذين كانوا في المستعمرة السوفيتية وراء السور الحديدي، خرج كثير منهم يقول لا إله إلا الله، دلَّهم العلم على الواحد الأحد إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر:28].
فالعلماء كلما تجرَّدوا من العصبية، وأخلصوا في اكتشاف الحقائق، عرفوا الله، واكتشفوا بعض أسرار الكون، وآمنوا به ووحدوه سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيَّن لهم أنه الحق [فصلت:53].
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم، ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
فإنّ قدرة الله، عزّ وجلّ، تحقق بكلمة واحدة "كن".
إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون [يس:82].
والله، عزّ وجلّ، أخبر في كتابه أنه سوف يُنطق أعضاء الإنسان، لتشهد عليه، لأنها جند من جنوده تبارك وتعالى: يوم تشهدُ عليهم ألسِنَتُهم وأيديهم وأرجلُهم بما كانوا يعملون [النور:24].
يوم يقول الكافر لجلْده: كيف تتكلَّم؟ كيف تشهد عليَّ، من أنطقك، فيجيب: أنطقنا الله الذي أنطق كلَّ شيء [فصلت:21].
وفي السنة والسيرة أحاديث كثيرة، أظهر الله فيها قدرته على ألسنة الحيوانات، حيث تكلّمت بألسنة عربية فصيحة، أنطقها الواحد الأحد، ليبيّن أنه على كلّ شيء قدير.
ففي صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إني لأعرف حجراً في مكة كان يسلِّم عليَّ قبل أن أُبعث))[1]، هكذا في الصحيح، حجر، جماد، كان إذا مر به النبي عليه الصلاة والسلام، يقول له بصوت وبحروف، وبنطق: السلام عليك يا رسول الله.
خرج سليمان عليه السلام يستسقي بقومه وقد علَّمه الله منطق الطير، فوجد نملة رفعت أيديها وأرجلها تدعو الله، تشدو بذكره، تهتف باسم الواحد الأحد، تحتاج إلى الماء، فلا تجد إلا من بيده خزائن السماوات والأرض فتدعوه.
رفعت أيديها وأرجلها تبتهل إلى الله وتدعو بنزول القطر، فرآها نبي الله سليمان وتبسم، وقال لقومه من بني إسرائيل: عودوا فقد سُقيتم بدعاء غيركم، قال تعالى: وما من دابَّةٍ في الأرض إلا على الله رزقُها ويعلمُ مستقرَّها ومستودَعَها كلٌّ في كتاب مبين [هود:6].
خرج رجل في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، إلى ضاحية من ضواحي المدينة يرعى الغنم، فأخذ الذئب من غنمه شاة، فطارده الرجل حتى أخذ منه شاته، فقال الذئب بلسان فصيح: أتأخذ رزقاً رزقنيه الله، فدُهش الرجل وقال: يا عجباً ذئب يُكلّمني.. قال الذئب: أين الراعي يوم لا راعي لها إلا أنا. يقول: أنت تحميها الآن، ولكن سوف يأتي زمن قبل الدجال لا راعي إلا الذئب، وفي هذا اليوم لن تمنعها أنت ولن تحميها؛ لأني أنا الذي سأحميها.
ثم قال الذئب للرجل لما تعجّب من تكليمه إياه: أعجب من ذلك رجل بين الحرتين، يوحى إليه صباح مساء[2].
يقول: أعجب من تكليمي لك، رجل وهو النبي عليه الصلاة والسلام، يأتيه الوحي من السماء، لا يقرأ، ولا يكتب، وما تعلّم، وما درس، ومع ذلك أتى بشريعة ربانية، وبوَحيٍ سماوي، وبمنهج خالد.
وفي الصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: ((أتى رجل من بني إسرائيل فركب بقرة، كما يُركب الحمار، فالتفتت إليه البقرة وقالت: ما خُلقنا لهذا، إنما خُلنا للحرث))[3]، تكلّمت البقرة، فمن أنطقها؟ أنطقها الذي أعطى كلَّ شيء خلقه ثمّ هدى.
ومن الأحاديث الإسرائيلية، أن عيسى عليه السلام، مرَّ ببقرة وقد اعترض ابنها في بطنها وهي في الولادة، صعُبَت عليها الولادة، فجعلت تتلفّّتُ إلى السماء، لأنها تعلم أن الذي يُجيب السائلين، ويُفرِّج كرب المكروبين، ويزيل هموم المهمومين إنما هو الله.
التفتت ثم قالت لعيسى عليه السلام: يا روح الله، أدعو الله أن يُسهِّل عليَّ، فدعا عيسى عليه السلام، فسهَّل الله عليها. فسبحان الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، وسبحان الذي يسجد له من في السماوات ومن في الأرض طوعاً وكَرهاً، وسبحان الذي خلق كل شيء، وأبدع كل شيء، وكلُّ شيء عنده بمقدار.
أيها الاخوة:
ما هي العبرة من هذا العرض، وما فائدة هذا السرد، وعلى أيّ شيء يدل هذا القَصص؟ .
إن الغرض من هذا العرض ومن هذا القصص مسالة واحدة، وهي أن العاقبة لهذا الدين، وأن المستقبل لهذا الدين؛ لأنه الدين الصحيح الذي يُخاطب القلوب والضمائر.
إن آيات الله في الكون سوف تترى؛ لتدل على قدرة الله تعالى، وهيمنته على هذا الكون.
إن النظريات الغربية والشيوعية الملحدة، التي قررت أن الطبيعة هي التي أحدثت وأبدعت وصورت هذا الكون، قد أعلنت إفلاسها، وثبت فشلها، وذهبت إلى غير رجعة.
فلا خالق، ولا رازق، ولا مصور، ولا مُبدع إلا الله الواحد الأحد، سنُريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنه الحق أولم يكفِ بربك انه على كل شيء شهيد [فصلت:53].
وصلوا وسلِّموا على نبيِّكم محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
البذرة إذا وضعت في الارض لا تنبت حتى تهتز الأرض حفرة خفيفة تُسجل بجهاز رختر فتفقس البذرة وتنبت ((فاذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت)) ((الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى))
ذكر الدكتور زغلول النجار الدارس للآيات الكونية في إحدى محاضراته ان هناك نجوماً انطلقت من آلاف السنين وهي في سرعة الضوء ولم تصل حتى الان الى الأرض وما بقي الا مواقعها ((فلا أقسم بمواقع النجوم)) ((الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى )) .
ذكر علماء الفلك أن الكون لا يزال يتسع شياً فشيئاً كما تتسع البالونة ((والسماء بنيناها بأيدٍ وإنا لموسعون )).
وذكروا أن الأرض اليابسة تنقص وأن المحيطات تتسع (( أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها )).
(( الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى ))
النملة تدخر قوتها من الصيف الى الشتاء لأنها لا تخرج في الشتاء فإذا خشيت أن تنبت الحبة كسرتها نصفين .لكن بذرة الكسبرة/الكزبرة تنبت اذا اصبحت فلقتين فتقم النملة فتجعلها اربع فلقات!!
والحية في الصحراء اذا لم تجد طعاماً نصبت نفسها كالعود فيقع عليها الطائر فتأكله .
(( الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى ))
في الرأس أربعة سوائل عذب في الفم يسوغ به الطعام والشراب ولزج في الأنف ليمنع الغبار ومالح في العينين يمنعها من اليبس ومُر في الأذنين يحميها من الحشرات .
(( وفي أنفسكم أفلا تبصرون)).
صناعة الحياة هي أن يكون لك موقع في هذا العالم، فتكون رقماً له قيمة لا صفراً على شمال العدد، ومعنى ذلك أن تسهم في البناء والعطاء بما تستطيع، لا أن تكون حملاً ثقيلاً على الأمة، إن النحلة الميتة ترمى خارج الخلية لأنه لا قيمة لها، وإن الشجرة اليابسة تزال من الحديقة لأنه لا نفع من ورائها. فما هو جزاء إنسان سميع بصير لا يعطي ولا ينتج ولا يعمل، الطالب الذي ترك الدراسة بلا عذر وجلس مع أمه في البيت ما جزاؤه إلا سوط لاذع حتى يهب مذعوراً إلى مدرسته، العامل الذي فضل النوم على العمل ما حقه إلا الزجر والحرمان حتى يتوب من إعراضه، والعالم الذي اشتغل بنفسه فحسب وترك نفع الناس يسقط من سجل الخالدين.. أهمل التضــــحيات والمثــــل، فيا من أراد الخير لنفــــسه ولأمته لا تـــكن نســـياً منسـياً ومتاعاً ساقطاً.
وما للمرء خير في حياة إذا ما عُد من سقط المتاع
أرخص موجود
إن أرخص موجود هو ذاك الإنسان الآكل الشارب النائم الذي جفت منابع نفعه ونضبت أودية خيره وحق له أن يسقط من عيون النبلاء، لأنه محا اسمه من دفتر الحياة وشطب على رقمه من لوحة العطاء والتضحية فهو في عالم الأموات ولكنه يأكل ويشرب، وفي دنيا المقابر غير أنه يضحك وينام، ومثله يسهم في غلاء الأسعار لكثرة ما يأكل، ويشارك في شح الماء لكثرة ما يشرب، الناس متجهون إلى الأمام، يبنون وينتجون وهو متجه إلى الخلف لأنه عكس النماء والبناء، وضد النفع والعطاء وعدو النجاح والتفوق.
إن قافلة الحياة لا تنتظر الخاملين فهي معدة لركوب صناع الحياة، والمقاعد محجوزة والوقت لا ينتظر أحداً وليس في حافلة النجاح مقعد واحد للتافهين.
دروس مشهودة
من أعظم الدروس المشهودة في عالم النجاح النملة، وكيف أنها تعيد محاولتها مرات ومرات حتى تصل إلى غايتها فهي تتسلق الشجرة فتسقط ثم تعاود الصعود فتسقط، وهكذا حتى تنجح في الصعود والحصول على المطلوب من دون كلل ولا ملل، وإذا أغلقت عليها طريقها أخذت ذات اليمن وذات الشمال، وإذا صعب عليها الصعود تأخرت ثم عادت أقوى مما كانت وربما تبتعد عن طريقها الأول لبعض العوارض لكنها تعود في نفس الاتجاه حتى تصل، ولها قوة عجيبة في الإصرار على المطلوب وعدم اليأس حتى ضرب بها المثل وذكروا أن أعرابياً سافر لقضاء حاجة فلما تعب من السفر جلس يفكر في عودته من سفره فرأى نملة تصعد صخرة فتسقط ثم تصعد فتسقط مرات كثيرة ثم صعدت.. حتى علت الصخرة فقال: أنا أحق بالصبر والمثابرة من هذه النمــــلة فواصــل سـفره وأدرك مطلوبه وقال:
اطلب ولا تضجر من مطلب
فآفة الطالب أن يضجرا
أما تر ى الحبل بطول المدى
على صليب الصخر قد أثرا
إن في حياة النملة عبرة لقوم يعقلون، كفاح وصبر وإصرار ومثابرة ومواصلة، ثم إن النملة لها من الاحتيال لنيل مطلوبها ما يفوق الوصف، فقد ذكر من ألف عن النملة أنها تدخر قوتها من الصيف إلى الشتاء لأنها لا تخرج في الشتاء كثيراً فتخزن قوت الشتاء ولا تأكله إلا في حينه، وخوفاً من أن ينبت الحب المخزون، تقوم بإذن الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى بكسر الحبة من وسطها لئلا تنبت، وإذا مرت في طريقها بخليج ماء صغير لا تستطيع عبوره تشكل مع النمل جسراً فوق الماء، حيث تتشابك النمل فوق معبر الماء كالجسر فإذا مرت جميع النمل من فوق هذا الجسر انسحب جسر النمل إلى الطرف الآخر فسبحان الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى!
وإذا وجدت نملة قطعة لحم أو رجل جرادة ولم تستطع حملها أو جرها ذهبت إلى بيت النمل فأحضرت أخواتها من النمل فحملوها معها، والنمل فيه من الإصرار والمثابرة ما فيه عبرة لمن أراد النجاح حتى أنك لو وضعت في طريق النمل حجراً لوقفت النملة غير راجعة إلى الوراء، بل منتظرة أو محاولة صعود الحجر أو الإتيان عن يمينه ويساره أو اختيار طريق آخر إلى نفس الاتجاه دون رجوع
سنريهم اياتنا فى الافاق!!!
________________________________________
تلـك الطبيعـةُ قـِفْ بنـا يا سـاري حتى أُريك بديعَ صنعِ الباري
الأرضُ حولـَكَ والسمـاء اهتـزَّتـا لروائـع الآيـاتِ والآثــارِ
ولقـد تمرُّ علـى الغـديـر تخالُـه والنبتُ مـرآةٌ زهـَتْ بإطـارِ
حلـوُ التسلسـل موجُـه وخـريـرُه كأنامـلٍ مـرّت علـى أوتـارِ
ينسـابُ فــي مُخْضَلـَّةٍ مُبْتَلـّــَةٍ منسـوجةٍ من سـندس ونضَارِ
وترى السماء ضحى وفي جنح الدّجى منشـقـة عـن أنهـرٍ وبحـار
فـي كـل ،ـاحيـةٍ سَلَكْتَ ومـذهبٍ جبـلانِ من صخرٍ وماءٍ جاري
سبحان من خلـق الوجـودَ مصـوِّرًا تلـك الدّمـى ومقـدّرِ الأقـْدارِ
من هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، هل يستطيع أحد في العالم، هل يستطيع كيان، أو منظمة، أو مؤسسة، أو هيئة علمية، أن تدعي وتزعم أنها هي التي أعطت كل شيء خلقه ثم هدَت ؟. لا، وألف لا، إن الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى هو الله.
ردّ بهذا الرد موسى كليم الله على فرعون عدو الله، لما سأله فرعون: من ربكما، ما تعريفه، ما ترجمته، ما آثاره، ما هي الدلائل القائمة على وحدانيته، ما هي البراهين الساطعة على ألوهيته.
فقال موسى: ربُّنا الذي أَعْطى كلَّ شيء خَلْقه ثم هدى [طه:50].
وهذه الآية تشمل عالم النبات، وعالم الحيوان، وعالم الإنسان، وعالم البر، وعالم البحر، وعالم الجو، فالله يتجلى في عصر العلم، كلما مرَّ يوم، وكلما اكتشف اكتشاف، دلنا على الله وعلى قدرته ووحدانيته.
وفي كل شيء له آيةٌ تدلُّ على أنه واحدُ
سنريهِم آياتِنا في الآفاق وفي أنْفُسِهم حتى يتبيَّن لهم أنه الحقُّ [فصلت:53].
كان السلف يعرفون من قوله تعالى: فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزَّت ورَبَتْ وأنبتَتْ من كل زوجٍ بهيج [الحج:5]. أن الأرض تخضر وتُثْمِر وتُزهِر إذا نزل عليها الماء، ثم تقدم العلم، واكتشف أهل علم النبات؛ أن الإنسان إذا وضع الحب اليابس في الأرض اليابسة لا ينبت الزرع، حتى تهتز الأرض درجة واحدة من درجات جهاز (رختر) فتنصدع قشرة الحبة، فتنبت بإذن الله، والله يقرر ذلك قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وقبل أن تهتز لا تنبت ولا تثمر.
أحد الشعراء كان مسرفًا على نفسه في الخطايا، أبو نواس، وعندما توفي، رآه أحد علماء أهل السنة في المنام في هيئة حسنة، عليه ثياب بيض، جالس في بستان، قال: يا أبا نواس كيف حالك؟ قال: لقد أتيت إلى الكريم فغفر لي، قال: بماذا؟ قال: بقصيدتي في وردة النرجس:
تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليكُ
عيون من لُجَين شـاخصـات بأحداقٍ هي الذهبُ السبيكُ
على كُثُبِ الزَّبَرْجَد شاهـداتٌ بأن الله ليس له شريكُ
النخل.. الرمان.. الريحان.. كل نبت.. كل زهر، يشهد أن لا إله إلا الله.
إنها معالم الوحدانية، ودلائل الألوهية، وآيات الربوبية.
وعرف السلف قوله تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم [الواقعة:75]. قالوا: إن ذلك إشارة إلى أماكنها، وتطور الإعجاز العلمي، فاكتشف علماء الفلك، أن هناك نجومًا ذهبت من أماكنها، أرسلها الله، سرعتها كسرعة الضوء أو أكثر، ولم ترتطم بالأرض إلى اليوم، وبقيت مواقعها هناك، فقال الله: فلا أقسمُ بمواقعِ النجوم. ولم يقل: فلا أقسم بالنجوم تعظيمًا لمواقعها.
والله يقول: والسماء بنيناها بأيْدٍ وإنّا لموسعون [الذاريات:47]. يقول العلماء: إن الله، عزّ وجلّ، أوسع الكون، وجعله فسيحًا، بصحاريه، وفيافيه، وبحاره، ومحيطاته، ثم تطور علم الإنسان إلى أن وصل إلى قضية مذهلة؛ وهي أن الكون يتسع كل يوم كما يتسع البالون إذا مُلئ بالهواء تماماً , يوسع الله الكون، نعم هذه قدرته وهذا سلطانه، ليهْلِكَ من هلك عن بينة ويحيى من حىَّ عن بينه [الأنفال:22].
ويقول جلّ ذكره: وأرسلنا الرياح لواقح [الحجر:22].
مَن ما يدري معنى لواقح، وكيف تلقح الرياح، وما فائدة تلقيح الرياح، وما المادة التي تلقحها الرياح بإذن الله.
يقول العلماء: يُحمِّل الله المعصرات من السحب بماء البحر، بعد أن يتبخّر، ثم يسوقه بالريح، فيأتي الملك يهتف ويقول: اسق بلد كذا وكذا، فيذهب السحاب ولكنه لا يسقط منه قطرة، حتى يرسل الله الرياح مُحمّلة بذرات الغبار فتصطدم بالسحاب تلقّحه، فيهبط الغيث بإذن الله.
وهناك فرق بين الرياح والريح، أما الريح فمهلكة دبور مُمرضة، وأما الرياح فنافعة مفيدة مثمرة لا تأتي إلا بخير، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا هبّت الرياح قال: ((اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً))[1].
كان النبي عليه الصلاة والسلام، يقوم في وسط الليل ليصلي، ثم ينظر إلى السماء ويقول: إن في خلقِ السماواتِ والأرضِ واختلافِ الليلِ والنهارِ لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلقِ السماواتِ والأرضِ ربَّنا ما خلقتَ هذا باطلاً سبحانك فقنا عذابَ النار[2] [آل عمران:190-191].
وفي التنزيل والجبال أرساها [النازعات:32].
أين أرساها؟ ولماذا أرساها؟ وكيف أرساها؟ أرساها في الأرض، قال أهل العلم: طول الجبل في باطن الأرض ضعف طوله فوق سطح الأرض، فكل جبل من الجبال، لم يخرج منه على سطح الأرض إلا الثلث، وبقي الثلثان في بطن الأرض، أوتد الله الأرض بالجبال، ثم وزّعها على القارات والجزر، حتى لا تهتزّ الأرض، ولو جمعها في منطقة واحدة لاضطرب حال الأرض، ولتقلّبت، ولانتهت كل الكائنات الحية الموجودة على سطحها، هذا خَلْقُ الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلالٍ مبين [لقمان:11].
أروني استعدادات البشر، أروني صنع البشر، أروني خلق البشر يا أيها الناس ضُرب مثلٌ فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يَستنقِذوه منه ضَعُف الطالبُ والمطلوبُ [الحج:73].
وخلق الله عالم الحيوان، والحديث عنه طويل، قال علماء الحيوان: جعل الله في خياشيم الكلب مادة شامّة، يَعرف بها من بعيد صديقه من عدوه، ولا يصيب الكلب عرق، فإذا أراد أن يتنفس من المسام، لهث في الليل والنهار كمَثَل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركْهُ يلهث [الأعراف:176].
فمن الذي خلق.. ومن الذي صوّر.. ومن الذي أبدع.
يُرسل الإنسان الحمام الزاجل، يحمل الرسائل من مكان إلى مكان، ويعود إلى صاحبه، فلا يَضِل، ولا يضيع، ولا يضطرب، من الذي علّمه، من الذي بَصَّره بالطريق، من الذي هداه؟ إنه الله الواحد الواحد الأحد، الذي أعطى كلَّ شيء خلقه ثم هدى [طه:50].
خلق الله العنكبوت، منها صنف وفصيلة تعيش في البحر، فإذا أرادت أن تبيض، بَنَت عُشّها تحت سطح البحر، ثم عمِلَت عُشّاً كالبالون لا يخترقه الماء، وعبّأته بالهواء، وأَسْرَجَتْه بإذن الله بمادة في أنفها، ثم جعلت تبيض في العش فمن الذي أعطى كل شيء خلقَه ثمَّ هدى.
خلق الله النملة، تذهب لرِزقِها في الصباح وتأتي في المساء، تَعلَم بقدوم فصل الشتاء حيث الأمطار والبرد، فتدخِّر قوتها، من الصيف في مخازن تحت الأرض، حتى إذا جاء فصل الشتاء، كان عندها ما تعيش عليه، وإذا خافت أن تنبت الحبةُ التي خزنتها، قسمتها نصفين لئلا تنبت، فمن علّمها؟ ومن بصّرها؟ إنه الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
أيها الاخوة:
إن قضية الخلق والهداية لهي من أهم القضايا التي عالجها الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتقدَّمَ العلم، وتطورت الأبحاث، وكلما تطور العلم، كلما اهتدى الإنسان، وعلم أنَّ لهذا الكون إلهاً لا إله إلا هو.
أما رأيتم لأولئك الذين كانوا في المستعمرة السوفيتية وراء السور الحديدي، خرج كثير منهم يقول لا إله إلا الله، دلَّهم العلم على الواحد الأحد إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر:28].
فالعلماء كلما تجرَّدوا من العصبية، وأخلصوا في اكتشاف الحقائق، عرفوا الله، واكتشفوا بعض أسرار الكون، وآمنوا به ووحدوه سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيَّن لهم أنه الحق [فصلت:53].
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم، ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
فإنّ قدرة الله، عزّ وجلّ، تحقق بكلمة واحدة "كن".
إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون [يس:82].
والله، عزّ وجلّ، أخبر في كتابه أنه سوف يُنطق أعضاء الإنسان، لتشهد عليه، لأنها جند من جنوده تبارك وتعالى: يوم تشهدُ عليهم ألسِنَتُهم وأيديهم وأرجلُهم بما كانوا يعملون [النور:24].
يوم يقول الكافر لجلْده: كيف تتكلَّم؟ كيف تشهد عليَّ، من أنطقك، فيجيب: أنطقنا الله الذي أنطق كلَّ شيء [فصلت:21].
وفي السنة والسيرة أحاديث كثيرة، أظهر الله فيها قدرته على ألسنة الحيوانات، حيث تكلّمت بألسنة عربية فصيحة، أنطقها الواحد الأحد، ليبيّن أنه على كلّ شيء قدير.
ففي صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إني لأعرف حجراً في مكة كان يسلِّم عليَّ قبل أن أُبعث))[1]، هكذا في الصحيح، حجر، جماد، كان إذا مر به النبي عليه الصلاة والسلام، يقول له بصوت وبحروف، وبنطق: السلام عليك يا رسول الله.
خرج سليمان عليه السلام يستسقي بقومه وقد علَّمه الله منطق الطير، فوجد نملة رفعت أيديها وأرجلها تدعو الله، تشدو بذكره، تهتف باسم الواحد الأحد، تحتاج إلى الماء، فلا تجد إلا من بيده خزائن السماوات والأرض فتدعوه.
رفعت أيديها وأرجلها تبتهل إلى الله وتدعو بنزول القطر، فرآها نبي الله سليمان وتبسم، وقال لقومه من بني إسرائيل: عودوا فقد سُقيتم بدعاء غيركم، قال تعالى: وما من دابَّةٍ في الأرض إلا على الله رزقُها ويعلمُ مستقرَّها ومستودَعَها كلٌّ في كتاب مبين [هود:6].
خرج رجل في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، إلى ضاحية من ضواحي المدينة يرعى الغنم، فأخذ الذئب من غنمه شاة، فطارده الرجل حتى أخذ منه شاته، فقال الذئب بلسان فصيح: أتأخذ رزقاً رزقنيه الله، فدُهش الرجل وقال: يا عجباً ذئب يُكلّمني.. قال الذئب: أين الراعي يوم لا راعي لها إلا أنا. يقول: أنت تحميها الآن، ولكن سوف يأتي زمن قبل الدجال لا راعي إلا الذئب، وفي هذا اليوم لن تمنعها أنت ولن تحميها؛ لأني أنا الذي سأحميها.
ثم قال الذئب للرجل لما تعجّب من تكليمه إياه: أعجب من ذلك رجل بين الحرتين، يوحى إليه صباح مساء[2].
يقول: أعجب من تكليمي لك، رجل وهو النبي عليه الصلاة والسلام، يأتيه الوحي من السماء، لا يقرأ، ولا يكتب، وما تعلّم، وما درس، ومع ذلك أتى بشريعة ربانية، وبوَحيٍ سماوي، وبمنهج خالد.
وفي الصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: ((أتى رجل من بني إسرائيل فركب بقرة، كما يُركب الحمار، فالتفتت إليه البقرة وقالت: ما خُلقنا لهذا، إنما خُلنا للحرث))[3]، تكلّمت البقرة، فمن أنطقها؟ أنطقها الذي أعطى كلَّ شيء خلقه ثمّ هدى.
ومن الأحاديث الإسرائيلية، أن عيسى عليه السلام، مرَّ ببقرة وقد اعترض ابنها في بطنها وهي في الولادة، صعُبَت عليها الولادة، فجعلت تتلفّّتُ إلى السماء، لأنها تعلم أن الذي يُجيب السائلين، ويُفرِّج كرب المكروبين، ويزيل هموم المهمومين إنما هو الله.
التفتت ثم قالت لعيسى عليه السلام: يا روح الله، أدعو الله أن يُسهِّل عليَّ، فدعا عيسى عليه السلام، فسهَّل الله عليها. فسبحان الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، وسبحان الذي يسجد له من في السماوات ومن في الأرض طوعاً وكَرهاً، وسبحان الذي خلق كل شيء، وأبدع كل شيء، وكلُّ شيء عنده بمقدار.
أيها الاخوة:
ما هي العبرة من هذا العرض، وما فائدة هذا السرد، وعلى أيّ شيء يدل هذا القَصص؟ .
إن الغرض من هذا العرض ومن هذا القصص مسالة واحدة، وهي أن العاقبة لهذا الدين، وأن المستقبل لهذا الدين؛ لأنه الدين الصحيح الذي يُخاطب القلوب والضمائر.
إن آيات الله في الكون سوف تترى؛ لتدل على قدرة الله تعالى، وهيمنته على هذا الكون.
إن النظريات الغربية والشيوعية الملحدة، التي قررت أن الطبيعة هي التي أحدثت وأبدعت وصورت هذا الكون، قد أعلنت إفلاسها، وثبت فشلها، وذهبت إلى غير رجعة.
فلا خالق، ولا رازق، ولا مصور، ولا مُبدع إلا الله الواحد الأحد، سنُريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنه الحق أولم يكفِ بربك انه على كل شيء شهيد [فصلت:53].
وصلوا وسلِّموا على نبيِّكم محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.