المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ســـــــــــــــــــــــورة الأعـــــــــــــــــــراف (1) مقدمة لا بد منها


د. أبو محمد
22-04-2007, 04:42 PM
مقدمة لا بد منها


{كتابٌ أنزلناه إليكَ مُبارَكٌ ليَدّبرّوا آياتهِ وَليتَذكّر َأولو الألباب}
إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستهديه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, واشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اين نحن من كتاب الله؟
القرآن كلام الله الميسّر بلسان رسول الله  الى الناس كافة، مؤمنهم وكافرهم, عالمهم وجاهلهم، غنيَهم وفقيرهم، المبصر والأعمى, ليقيم الله بهذا الكتاب الحجة على كل من بلغه، ولا تكون حجة ما لم تكن بينة معقولة، حتى يفقهها كل من سمعها {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون}الدخان, والخطاب لكل من سمع كما أسلفنا، {ولقد ضربنا "للناس" في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون، قرآنا عربيا غير ذي عوج}الزمر، والقرآن والناس، رسالة ومرسل إليه, الأصل ألا يحجب بينهما حاجب سوى رسول يحمل هذا لهذا.
فالأصل في كل سامع منا أن يُقبل على هذا الكتاب مباشرة, على ما اعتبرنا من بيانه وتيسيره، ثم إذا أشكل علينا شيء, رجعنا إلى ما يعين من قول أهل العلم والنظر، غير غافلين أن قول البشر –دون محمد عليه الصلاة والسلام- يجوز فيه الصواب ويجوز فيه الخطأ, "فكل يؤخذ من فمه ويرد عليه, إلا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم"، واختلاف أهل التفسير أظهر دليل على أنه اجتهاد بالدرجة الاولى والأخيرة، ولنا أن نرى أنفسنا حاضرين بين الناس, يوم جمع عثمان رضي الله عنه المصحف، فلم يكن يومها تفسير لابن كثير أو للطبري أو غيرهم من المرتضين الأعلام, جزاهم الله عن الأمة كل خير بما أسلفوا.
فأهل التفسير لا يأخذون بما شذ من القراءات من القرآن، فكيف نتمسك بما شذ من كلام المفسرين, وما لم يكن له إسناد؟!.
فكل ما في التفاسير من قصص أو تعليق, لا ينتهي سنده الصحيح الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما هو قول معلّق، لنا أن نأخذ ولنا ألا نأخذ، ما اتبعنا الهدى ووقفنا عند الثوابت. وليس في هذا استثناء, بعد قول الصحابة فيما أجمعوا عليه, ليس في هذا استثناء لأحد بلغ ما بلغ, "تركت فيكم ما أن تمسكتم به فلن تضلوا, كتاب الله وسنتي"، فالاستمساك لا يكون إلا بالكتاب أو بحديث محمد صلى الله عليه سلم، وما سواهما فلا استمساك به.
ولا يفهم من كلامنا أننا ننفي أو نتجاوز فقه الأئمة الأكابر وجهدهم ونظرهم, فلا يقول بهذا مؤمن, ولا حاجة لإثبات رسوخهم وسبقهم وشرفهم, فجلّ ديننا وفقهنا وصلنا بجهدهم ومدادهم, فهم الناقلون المبلغون المبينون, وعامة الصواب مما وصلنا منهم, ولكننا نبحث وندرس فيما لم يقطعوا فيه, ولم يُجمعوا عليه جواباً, فلا يزال لهذا الدين خلف يحمله بأمر الله وتسديده, لا يحلون حراماً ولا يحرمون حلالاً, ولا يقطعون إجماعاً معلوماً مكتوباً بغير بينة ولا برهان, فكل يؤخذ من فمه ويرد عليه, وفوق كل ذي علم عليم.
النبي أولى بالاتباع..
وأما أن علينا أن نلتزم فهم السلف الصالح، فهذا صحيح, فيما لا يجوز تجاوزه ولا الخلاف فيه, كالعقائد وما سمعوه نصاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما سوى ذلك فالأصل النظر والتدبر والسؤال, فلا نلغي عقولنا وأفهامنا, فلو كان التزام فهم السلف حجة وديناً, لما خالف ابن عباس من سلفه, ولما خالف الشافعي مالكاً رضي الله عنهم جميعا, ولم يزل الناس ينظرون ويعيدون ويصححون, فهذا الدين شجرة طيبة تؤتي اُكلها كل حين بإذن ربها. وهذه الأمة بوصف نبيها المعصوم عليه الصلاة والسلام كالغيث, لا يعرف أوله خير أم آخره.
والقرآن لهذه الأمة ولهذا الزمان كما هو "للسلف", عليها أن تقوم به وتحمله وتنثره في الناس نثراً, وأن تعكف عليه, وتنظر فيه, خالصاً سائغاً كما نزل على الأمين محمد عليه الصلاة والسلام, فنسمع مثل ما سمع الكرام الاولون, "فليبلغه كما سمعه", ونعقل من أصل ما يعقلون, غير جاحدين جهدهم ولا منكرين علمهم, فلا ينبغي لنا أن نعقد فهمنا لكلام ربنا بوكالة أحد من الناس, كائناً من كان, غير رسول الله عليه الصلاة والسلام, وما أجمع عليه أصحابه وحواريوه الأمناء النجباء. {قل أي شيء أكبر شهادة, قل الله شهيد بيني وبينكم, وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ}.الانعام
مراجعة للأسماء
والحق أن ما نقرأه من مثل: "لم يُروَ هذا عن أحد من السلف", و"لم يقل به أحد من السلف"!, لمزلق خطير, يرفع مصطلح "السلف" إلى منزلة التشريع من دون الله ورسوله, ويُلبّس على الناس, والصواب أن نلتزم ما كان عليه المؤمنون في العهد الأول, من مثل: "قال رسول الله", "أمر رسول الله", "نهى رسول الله", فقولنا: "النبوة", خير وأصوب وأخلص من قولنا: "السلف", وليس لنا مرجع ولا حجة غير رسول الله, ثم صحابته ما اتبعوه وقلدوه, إذ الواحد منهم ليس نبياً ولا رسولاً, إلا أن يُجمعوا على أمر يصلنا عنهم بالبرهان المسند. وشاهِدنا في هذا قول إمام الناس والنبيين محمد عليه الصلاة والسلام: "والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً, ما وسعه إلا أن يتبعني".
وأحسن ما بشرنا به رسول الله, عودة الناس في آخر الزمان إلى عهد خير من عهد التابعين جميعاً, إلى "منهاج النبوة" الذي سبق عهد التابعين بالخيرية والفضل. لقول النبي الإمام عليه الصلاة والسلام: "خير اُمتي القرن الذي بعثت فيهم, ثم الذين يلونهم".
وإن كان يراد ب"السلف" رسول الله والذين معه, فليقل من يقول بها: "رسول الله والذين معه", دون تلبيس على المؤمنين, وتحوير للأسماء والأصول. فننسى رسول الله, ونذكر "السلف", ونقتتل على الأسماء ونتسمى بها, ونتفرق عليها وننتصر لها, وهل الأصنام إلا أسماء؟, {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم}.النجم
وكذلك كان الناس في الجاهلية الأولى, يكون فيهم الصالح, فلا يلبث أن يصير صنماً ووثناً يتسمَون باسمه, فيُنصر ويطاع من دون الله, {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله}.التوبة {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}الأحزاب, فهو أُسوتنا وأُسوة الصحابة من قبلنا..
{ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون},آل عمران فهذا أمر الله للمؤمنين, واختياره لأسمائهم وصفاتهم, ليكونوا "ربانيين" باهتدائهم واقتدائهم بالكتاب. فأنعم بها صفة وأنعم به إسماً وأنعم بالله واصفاً ومسمياً, وليأت من شاء أن يأتي بأرجى من أن يكون المسلم المؤمن "ربانياً" على شرط الله في الآية السابقة. ولا حاجة إلى ترادف الألفاظ وتكاثرها فيختلط المعنى على العوام وتشتبه عليهم السبل وتكثر فيهم الفِرق, ألا ترونهم يقتتلون على طوائفهم وعلى أسمائها؟, {هو سماكم المسلمين من قبل}!.الحج
فالأسماء في ذاتها, وفي هذا الحد الذي نراه من المشادة والمحادة بين أمة القِبلة الواحدة, قد تكون من "البدعة" التي لم تردنا عن "السلف"!, وهل كان "للسلف" اسم إلا المسلمون؟!.
وأين أصحاب الفِرق والمستمسكين بالأسماء من حديث النبي الرحمة عليه الصلاة والسلام: "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله, فلا تخفُروا الله في ذمته"!, أين الذين يضيقون على المسلمين ما وسع الله ورسوله, وأين الذين أبوا لأنفسهم ما رضي الله لنفسه؟!.
فالاستمساك بجوامع كلم النبي وتسمياته أهدى وأولى, وحتى يكون كلام رسول الله خالصاً سائغاً للسامعين, لا يعترضه فهم عبد من الناس, مثلما كان الناس أيام النبوة الأولى, لا يسمعون لأحد ولا يتبعون أحداً غير رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام, القائل: "تركت فيكم أمرين؛ لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي"!. فمن أين جاءت الأسماء والفرق والطوائف؟!.
اللهم كما جمعتنا على كتاب واحد ونبي واحد, فاجمعنا على قلب واحد, اللهم آمين!.
وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية", و"نضر الله امرأ سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه, فرب مبلغ أوعى من سامع", فهذا الحديث عمدة راسخة لهذا الفهم، إذ هو هكذا: "كما سمعه" لا كما فهمه، والأصل بلاغ الآية والحديث كما تليا, كائناً من كان صاحب ذلك الفهم، على علو شأنهم وقوة فهمهم وحاجتنا إليه, دون أن نخلطه بكلام المعصوم ذي الوحي محمد عليه الصلاة والسلام, فكلام الله وكلام رسوله شيء, وكلام الناس –كل الناس- شيء آخر, وَلَبُعْد ما بينهما.
وآية "القصص" حجة لنا فيها, {ولقد وصَّلنا لهم القول لعلهم يتذَكرون}القصص. فحجة الله وعهده أن يصلنا "القول" هكذا مجرداً، إذ لا حجة فيه أصلاً ما لم يكن مفهوماً.
ليس للتدبر شرط..
وأما أنه لا يحق لأحد أن "يتدبر" كتاب الله دون "آلة" أو "أداة"، فهذا خلاف لأمر الله, ولا يقوله منصف، فكلام الله وخلق الله في السموات والأرض سواء, فكيف يجوز للمؤمن والكافر أن يتدبر في آيات الله في السموات والأرض، وما له آلة سوى سمعه وبصره وفؤاده، وليس له أن يسمع كلام الله كما أنزله, مقبلاً عليه غير ملحد فيه؟!، {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره, حتى يسمع كلام الله!}.التوبة
وحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: "من قال بالقرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار"، و"من قال بالقرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار", فهما حديثان ضعيفان, والراسخون في العلم لا يحتجون بالضعيف. وإن صحا فإنما يراد منهما شيء آخر, أسيء فهم الحديث فيه, ويتناقله من يتناقله بفهم مغلوط وبشيء من الهوى، فيكفّرون الناس ويدخلونهم النار بما لم يصح ولم يثبت عن النبي المعصوم عليه الصلاة والسلام.
ثم ما المراد عندهم بهذه: "بغير علم", فهذا إجحاف أن نمتنع أن نقول ما معنى "الإبل" في القرآن, إلا بعد أن نجمع علوم التفسير والحديث ولسان العرب!، فالإبل الإبل، {إنا أنزلناه قرآناً عربيًا لعلكم تعقلون}! يوسف، ونحن -ومعنا كل مؤمن- نُقر أن لا نتكلم بآية إلا ونحن نعلم معناها, إما من ظاهر اللغة, من مثل {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان},الرحمن أو ظاهر القرآن, من مثل {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}المؤمنون, أو مما لا يُعلم إلا بشاهد من أسباب النزول التي صحت نسبتها وصح سندها, من آيات الأحكام والفرائض, فمن حضرها من الصحابة الكرام أعلم بها وأولى بالحديث فيها. وأن نجتنب المتشابه من آيات الغيب وأسماء الله وصفاته. فإذا سكت النبي الموصول بالوحي عن القول في صفات الله وأسمائه, فليس لمتأول ولا لظانّ أن يقول من هذا بشيء, كائناً من كان.
فالأصل ألا تتكلم بآية إلا وأنت تعلمها, غير ملزم بأن تعلم كل علوم القرآن والحديث والفقه واللغة, وحتى تقول للناس ما معنى {لم يلد ولم يولد}!الإخلاص, فيكفي أن تعلمها هي لتبلغها للناس وتعلمهم إياها. ومن ذا الذي يزعم أنه يعلم كل القرآن.
ولمن شاء أن يستزيد, فقد أورد صاحب كتاب "عون المعبود" في الصفحة 61 من الجزء العاشر, كلاماً حسناً وفهما راجحاً يعضد ما ذهبنا إليه.
ثم إن العلم الفهم، أكثر من الحفظ والرواية, مصداقاً لحديث النبي عليه الصلاة والسلام "فرب حامل فقه ليس بفقيه", وليس العلم بحال "شهادة" الناس ولا "مَلبس" العلماء، ولكن العلم مقالة الحق, قاله من قاله!.
وكنا نرى الرجل من المسلمين يحمل الآية والآيتين, والحديث والحديثين عن رسول الله لا يعرف غيرها, فيعلمها ويبلغها من يلقى من الناس.
وأما من قال بالقرآن برأيه، فظاهر الحديث، أن يقول بهواه ما يخالف ظاهر القرآن ونص رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما لا تحتمله لغة العرب, وما ليس عنده فيه بينة ولا برهان، مستخفاً ابتداء بالكتاب ملحداً فيه، فهذا لا جرم يتبؤ مقعده من النار، فالصواب هدى، فمن أين له بعد إلحاده بالهدى والصواب؟. هذا إن صح الحديث أصلاً.
وحديث اُبي بن كعب حجة لنا، يوم سأله المعصوم صلى الله عليه وسلم: "أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟، فقال أبي " الله لا إله إلا هو الحي القيوم", فقال عليه الصلاة والسلام: "ليهنك العلم أبا المنذر", فهذا قول اُبي في أمر من عظيم القرآن "برأيه" بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينهه ولم يزجره، فهو وإن قال برأيه, فلم يقل بهواه, ولم يخالف ظاهراً من القرآن ولا الحديث ولا لسان "الكتاب"، فوافق "برأيه" هدي النبي صلى الله عليه وسلم فشكر له, ولو أنه أخطأ، ما ظننا أن رسول الله سيزيد على أن يصوِّبه، ليعلّم سائر المسلمين، ثم لم تكن النار بحال مبوأ ابن كعب رضي الله عنه!.
وقد يقول قائل: أجعلتم أنفسكم كاُبي بن كعب؟, فنقول: إننا اُمرنا أن نتدبر كتاب الله كما اُمر السابقون الأولون, فمن قرأ وتدبر وعقل خير ممن قرأ ولم يعقل, {ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون}البقرة, فالله يسألنا عما نعقله نحن, لا عما يعقله غيرنا, ولو آخذ الله عبداً من العوام بفهم ابن عباس أو الشافعي لأعنته. والله هو المبيِّن, وهو يقول الحق ويهدي السبيل.
ولا يُفهم أبداً أننا ندعو كل من علم ومن لم يعلم للتفسير والتأويل والقول في القرآن, ولكننا ندعوهم إلى ما دعاهم الله إليه من قبل من التدبر والعقل والفقه والتذكر, {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبّروا آياته وليتذكر أولوا الألباب}ص. {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} الإسراء.
وندعو كل من شهد أن هذا القرآن كلام الله, بلّغه عنه رسوله الأمين محمد صلى الله عليه وسلم, أن يعظموا كلام الله وحديث نبيه, فلا يخلطوه بكلام الناس, فيجعلوا كلام المفسرين ككلام الله وكلام رسوله, فيفرضوه على المسلمين بصوابه وخطأه, فيصبح من خالف ابن كثير مثلاً, كمن خالف الله ورسوله, ويصبح المفسرون حجة على الناس, بدلاً من أن تكون الحجة لله ورسوله, فكل مفسرينا وعلمائنا من الصالحين, وليسوا بأنبياء ولا مرسلين!.
وليتق الله الذين باعدوا بين الناس وكلام الله, فخوفوهم منه وصرفوهم عن النظر فيه, وشددوا فيما يسره الله, {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} الدخان.
ويا ليتهم إذ أقعدوا الناس قاموا هم بها, ولكنهم أقعدوهم وقعدوا, فهجروا القرآن وظاهروا على هجره!.
وهذا الفهم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالأخذ، فكل القائلين بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير سند إلى رسول الله يقولون برأيهم، بدليل اختلافهم الظاهر، فمن يقول إن ابن عباس أو ابن جبير من أهل النار، وكلاهما حصل وقال في القرآن برأيه وأخطأ, ورده من جاء بعده؟!.
وأما الحديث الآخر "من قال بالقرآن برأيه فأصاب فقد اخطأ", فحديث ضعيف كسابقيه لا يُحتج به. وإن صح معناه فيحمل على ما حمل سابقاه. فالعهد على من استشهد بحديث ليدخل المؤمنين به النار, وهو يعلم ضعف سنده أو وهو لا يعلم.
أما من قال بالقرآن بما يوافق القرآن, ولا يخالف حديث المعصوم صلى الله عليه وسلم, وتعينه عليه لغة العرب وتحتمله وجوهها, متتبعاً قول الأئمة, متدبراً فيه مُدّكراً له معظماً لكلام الله مقبلاً عليه, فهذا أهل للرحمة أهل للرشاد لا يخزيه الله، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}العنكبوت, وإن لم يقل بقوله أحد ولم يسبق إليه أحد "فربّ مبلغ أوعى من سامع" إلى يوم يبعثون.
والحق يقال – والله لا يستحيي من الحق-, إن ما ذكرته كتب التفسير خلافاً لما سنكتب فيه لا يصلح حجة ولا بينة، فليس فيها إشارة أو أثرة من "الكتاب" أو حديث النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم، فهي جهد مشكور مأجور, ولكن ليس لمثل هذا يدين الناس، ولو كنا في العهد الصالح الأول عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه، ما حاججنا أحد ممن يخالفنا من هذه التفاسير بشيء, ولم يخرجوها لنا أصلاً, وكان الدين يومها متمماً مكملاً، وما لم يكن فيه "نَص" لم يكن فيه حجة، قاله من قاله، ونقله من نقله، خف أو ثقل.
ثم إن من المخالفين والمعترضين من لا حجة عندهم ويغلبهم هواهم، غير أن قالوا: {إنا وجدنا آباءنا على اُمّة وإنا على آثارهم مقتدون} الزخرف، و{لو كان خيراً ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} الاحقاف.
والحق أحق أن يتبع, والمؤمنون تبع للبينة, ولا يحق لمهتد أن يقول: "إنا وجدنا آباءنا على اُمة وإنا على آثارهم مقتدون". بل قولوا: "هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"!.
اللهم إن العلم علمك, والحق من عندك, وهذا مبلغنا من العلم, نرجو به رشدك ونهتدي بهداك, فلا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
اللهم إن أصبنا فبرحمتك, وإن أخطأنا فبجهلنا ونقصنا وضعفنا.
{وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفوراً رحيماً}الأحزاب.
اللهم إن كان الهدى في غير ما نقول فاهدنا وسائر المؤمنين إليه, وإن كان الهدى فيما نقول فاهد الناس إليه وانفعهم به!.
{ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل}الأحزاب.

صلاح الدين إبراهيم أبوعرفة
بيت المقدس

أو أن يحملوها على المبعوث من الأمة "الأمّية"، على قاعدة "القرآن" الراسخة في تقسيم الناس الى أمتين، أمة أمّية لم يؤتها الله كتاباً، ولم يرسل إليها رسولاً، وأمّة "كتابية" أتاها الرسول وجاءها الكتاب، كاليهود والنصارى, بدليل الآية, {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم}، والناس كانوا "أمّة" اختلفت فيما بعد، فأنزل الله إليهم الكتاب {كان الناس أمّة واحدة، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق}، فأصل الناس كما هو ظاهر "أمّيّون" ثم أنزل الله الكتاب.
فقد تكون "كتابياً" وأنت لا تقرأ ولا تكتب..
وقد تكون "أمياً" وأنت تقرأ وتكتب!.

فالأمي عند علمائنا، الذي بعث من "الأميين"، ولكن ظاهر الكتاب للمتدبر على خلاف هذا، ولا يحق لأحد أن يلزم الناس بشيء لم يلزمهم به رسول الله أو صحابته فيما فهموه عنه مجمعين عليه كاتبين له, تقرأه العامة والخاصة.


السؤال الأصل
لم ترد "الأمي" وصفاً لرسول لله في القرآن إلا مرتين، ولم يوصف بها -فيما نعلم- نبياً غير محمد عليه الصلاة والسلام، فوردت مرة في دعوة اليهود والنصارى لوجوب إتباعه على أنه "الرسول النبي الأمّي"، ثم في الآية التي تليها مباشرة من سورة الأعراف 158،{قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض، لا إله إلا هو، يحيي ويميت، فآمنوا بالله "ورسوله النبي الأمّي" الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون}.
فبهذه الصفات الثلاث متتالية يوجب الله على الناس جميعاً -بما فيهم أهل الكتاب– أن يتبعوا هذا "الرسول النبي الأمّي"..


وها هنا أصل السؤال!.

فأن يؤمر الناس جميعاً باتباعه لأنه رسول من الله، أمر معقول واجب, وأن يؤمر الناس جميعاً باتباعه لأنه نبي الله، أمر واجب أيضاً، يستسيغه كل مدعو بهذه الآية, وأما أن يؤمر الناس جميعاً باتباعه، لأنه "لا يقرأ ولا يكتب"، فهمٌ فيه نظر، فلا خلاف أن اتباع "الكتاب" ومن يحمل الكتاب أولى من اتباع ما سواه.


ثم من يضمن لنا ببينة، أنه لم يكن نبي لا يقرأ ولا يكتب غير رسول الله محمد، وأكثر النبيين "أمّيين" على المعنى الثاني في التفسير, حتى الساعة التي يؤتوا فيها صحيفة، أو يؤمروا باتباع كتاب، فلم يعد رسول الله بهذا "أمّيا" بالمعنى الثاني للتفسير, عند أول أية تلقاها.
فوجب أن تكون "الأمّي" كصفة حصريَّة متفردة لهذا الرسول، وجب أن تكون ركناً وشرطاً أساساً في وجوب اتباعه من الناس كافة, كرُكني الرسالة والنبوة، يجد المدعو بهذه الآية نفسه طائعاً مقتنعاً بوجوب اتباعه لأنه "الأمّي" والرسول والنبي!.


إذا ماذا؟.
القرآن أَولى بالتصديق، وظاهرُه أولى بالإتباع، فهو من أوَّلِه كتابٌ عربيٌ مفصَّل مبيَّن.
فـ "الأمّي" أصلها "أُمْ" أضيفت إليها ياءُ النسبة، ك"مكِّي" نسبة لمكة، والأم بلسان القرآن العربي: الأصل والأول، فأم الرجل أصله وأوله ومنشأه، كما في سورة القَصَصْ {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في "أُمِّها" رسولاً}، أي في أصولها وجمعها, وليس هناك مسلم لا يعرف "أم الكتاب" التي في أول القرآن وأصله, وهي السبع المثاني والقرآن العظيم بوصف النبي المعصوم لها، بكونها "أم الكتاب".

وأية آل عمران دليل آخر "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب" بما تحمله الآية من معاني الأصول والجوهر.
فهو بذلك الرسول النبي "الأصل" و"الأول" بكل ما تعنيه الكلمة من معاني"الأصل" في الرسالة والمنشأ, وحتى "أصل" اللغة واللسان!.

فهو كما في صحيح الحديث: "إني عند الله مكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمجندل في طينته", فلم يُبعث نبي ولم يرسل رسول إلا على "لا أله إلا الله محمد رسول الله"، كما تقرره آية آل عمران {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري، قالوا أقررنا، قال فاشهدوا وانا معكم من الشاهدين}.
"وفي الحديث: "لو كان موسى حياً ما حل له إلا أن يتبعني".


تبدو واضحة
فهو بهذا "أم" الرسالة والنبوة، لم يرسل رسول ولا نبي، إلا وأُمر باتباع "الرسول النبي الأمّي", وأن يأمر قومه باتباعه! وهذا ما يشهد له "إمامة" النبي للنبيين في المسجد الأقصى!.
فكان بذلك كل نبي ورسول يرسل الى قومه خاصة وهو يعلم أن محمدا رسول الله، ويأمر بها قومه، حتى إذا أدى كل نبي ما عليه في كل الأمم، بُعث الرسول النبي "الأمّي" عامة لكل الأمم، فكل الرسل والنبيين مقدِّمون "خاصون" للرسالة العامة "الأم" بالرسول النبي "الأمّي".

ثم هي في القراءات القرآنية من غير المتواتر, ولكن لها سند يرفعها, فقد قُرأت "الأَمي", بالألف المفتوحة, كما أوردها ابن جني, وعلق عليها بقوله: هو الذي يأتم به من قبله!. فيما الأصل أن يأتم به من يأتي بعده, ولكن هذه القراءة تؤكد ما ذهبنا إليه, فهو النبي "الإمام" للنبيين الأولين وللناس كافة.

وهذا كله لا ينفي أنه لم يكن يقرأ ويكتب، فهو هكذا بعث وهكذا قُبض ، ولكن "القرآن" يذْكرها على أنها حالة من حالات نبوته كيُتْمِه وفقره، ولم تكن بحال شرطاً للنبوة ولا شرفاً لحاملها، إنما هي حالة كما قلنا تُعين على التبليغ, {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون}، ولو كانت شرفاً وشرطاً للنبوة, لما علم الله عيسى بن مريم الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل قبل مبعثه.


أمية أخرى عظيمة
فهو رسول الله الى الناس جميعاً كونه "الأمّي", نسبة الى منشأ الناس الأول، وقريتهم الأم "أم القرى"، كما في الأثر: "كانت الكعبة خشعة على الماء ثم دحى الله الأرض من حولها"، فكانت مكة أول ما تشكل على ظهر البحر، ثم انبسطت الأرض من حولها، {لتنذر أم القرى ومن حولها} و{إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة}، فمكة "أم القرى" وأصل نشأة الناس وانتشارهم، ليكون بذلك النبي "الأمّي" للناس جميعاً, كونه من "أم قراهم"، ومن "بيت" أبيهم الأول، وإن تباعدت بهم السبل وتفرقت بهم الأرضون، فهذه أرضهم "وبيت" أبيهم آدم من قبل, فهو لهم كافة.


أمية ثالثة كبيرة
ثم هو النبي "الأمّي" الوحيد الذي تكلم بلغة الناس "الأم"، ولعل هذا الفهم الذي نطرحه، ما قد يحل سؤالاً عظيماً, ألا وهو..
ما ورد في سورة أية إبراهيم {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم}، فأرسل نوح بلسان قومه ليبين لهم، وكذا موسى وعيسى، وسائر النبيين، فإذا كان رسول الله محمد رسول الى الناس جميعاً، وكتابه الوحي رسالة الناس جميعاً, وجب أن يكون لسانه لسان الناس جميعاً, وهذا ما لم يكن فيما يظهر لنا ونراه, فكيف يستقيم هذا؟!, وكيف يعقل أن موسى النبي الخاص لبني اسرائيل يبعث بآية يعقلها كل أهل الأرض, ومثله عيسى ابن مريم, ويرسل محمد رسول الله إلى الناس جميعاً بآية لا يعقلها إلا خاصته وقومه؟!, هذا إلا أن يكون أمراً آخر وأعظم مما كان يبدو لنا.

فآية إبراهيم تحل مسألة وتفرض فرضاً، نقرأه بالمفهوم اللازم للنص، أنه إن كان كل رسول يرسل بلسان قومه، فيكون لسان القوم لسان نبيهم, وأرسل محمد عليه الصلاة والسلام الى الناس جميعاً, لزم أن يكون لسان الناس جميعاً, لسان نبي الناس جميعاً, محمد عليه الصلاة والسلام بلسانه العربي "الاُم", الذي أرسل به وأنزل به كلام الرب الذي خلق الناس جميعا!.
فهو بهذا أرسل بلسانهم "الأم" الذي كان عليه الناس أول ما كانوا, ثم تبدلت ألسنتهم واختلفت, فعليهم هم أن يرجعوا إلى لسانهم الأم, لسان نبيهم "الأم" محمد.
وليس بين كل إنسان مهما كانت لغته وعمرها وأمته وحضارتها, ليس بينه وبين لسان النبي "الأم" إلا أم هذا الانسان وأبوه, فإن نشأ الغلام الصيني مثلاً بين العرب تكلم بلسانهم كواحد منهم بلا خلاف, دون أن يكون لخمسة آلاف سنة من حضارة قومه شأن ولا مانع.


وفي القرآن شاهد على ما نقول، فالقرآن لا يُقر إلا "لسانين" إما عربي أو أعجمي، فكل الألسن على اختلافها ما لم تكن عربية فهي أعجمية، والأعجمي هو الذي لا يُبين ولا يُفصّل. "والعربي" لغة: ما أبان وفصّل, وهذا ظاهر نصوص القرآن.

وآية سورة "فصلت" تفصل هذا بوضوح، {ولو جعلناه قرآناً أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته، أأعجمي وعربي}، فالأعجمي بنص الآية غير مفصَّل ولا مفصِّل، إنما هاتان الصفتان للسان" العربي, {ولقد نعلم انهم يقولون إنما يعلمه بشر، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين}، فالأعجمي لا يبين، إنما العربي هو المفصل المبين, {حم، تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون}.


ولعل هذا الفهم أيضاً بخصوص الفرق بين العربي والأعجمي, قد يحل مشكل آية فصلت، {ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته، أأعجمي وعربي}. فكل من ينظر في التفسير يجد خلافاً في التأويل لا يكاد يشفي سائلاً ولا مستفسراً, أما بهذا الفهم فيمكن حل مشكِلها، فالعربي هو المفصل فقط، فلا يكون أعجميا ومفصلاً، لتفهم الآية بعدها هكذا: "ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته, أأعجمي "ومفصل"؟!, فلا يطلب التفصيل في ما أعجم؛ إنما العربي هو المفصل!.


ولسان العرب حجة لما نقول، فيقال: رجل مُعرِب إذا كان فصيحاً مبيناً, وإن كان عجمي النسب, والإعراب هو الإبانة، ولمن أراد الاستزادة أن يرجع للأصول!.


بهذا يصبح "الرسول النبي الأمّي" واجب الأتباع بهذه الأركان الثلاثة, أمّية الرسالة والنبيين وإمامتهم، و"أمّية" الأرض والمنشأ في أم القرى، وأمّية اللسان واللغة، فهو للناس جميعا بلسانهم "الأم" وإن تبدلوا بها أي لغة كانت فهذا لسانهم "الأم" أولى بهم أن يتعلموه وأن يرجعوا له، وهذه أرضهم "الأم" وبيت أبيهم الأول.



بهذه الثلاث يصبح الرسول النبي "الأمّي" ملزم الإتباع واجب القبول.
ولنا اليوم -بهذا الفهم لا بالفهم السابق- أن ندعو أهل الكتاب والناس جميعاً لاتباعه, فهو نبيهم "الأم" بكل ما في الكلمة من معاني.


وقد يسأل سائل، إذا كانت من "أمّية" محمد عليه الصلاة والسلام إمامته للناس وللنبيين، فكيف نفهم أية "النحل", {إن إبراهيم كان أمّة.. ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم}؟.
وأحسن قول المفسرين، أن إبراهيم كان إماماً، بدليل ما ينبني عليها من بعد، بالأمر بالاتباع، فإن كان كذلك، فكيف يكون رسول الله هو الإمام "الأم", ثم يؤمر باتباع إبراهيم الإمام؟.
ويجاب عليها: بأنه يستقيم أن يكون رسول الله متبعاً في حال مخصوص في وقت مخصوص, متبوعاً إماماً في عامة الأحوال على أنه خاتم النبيين، مثله في هذا كمن يتبع إماماً ما، في باب ما، ثم يغدوا بعدها إماماً لإمامه وسائر أقرانه. وهذا ما جرى فعلا, وأكد ما ذهبنا إليه, يوم أم النبي محمد عليه الصلاة والسلام النبيين جميعا وفيهم أبراهيم, فهو بهذا إمام النبيين, وهو بهذا النبي "الأمي"!.

سؤال في محله
ولنا أن نطرح سؤالاً على من أحب أن يشاركنا, فإذا كنا نقرأ {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين}. فهل من الممكن أن تكون "خاتم النبيين" بمعنييّها الضد، أي آخر النبيين وأول النبيين، إذ المختوم هو المغلق من أوله وآخره؟.

ولمن نظر في لسان العرب وجد مُسَوغا لما نقول، فالعرب تقول: "ختم الزرع" إذا سقاه أول سقيه، ومحمد عليه الصلاة والسلام صاحب مثل الزرع في القرآن, {ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه}, فأول سقي الزرع هو الختم، ولم نعلم أن أحدا من النبيين من أولهم الى آخرهم كان خاتماً مختوماً بالنبوة إلا رسول الله محمد عليه وعلى آله الصلاة والسلام.


وبهذا يمكن لنا أن نفهم ما معنى "محمد"!
فالاسم وإن كان من ظاهر الحمد، إلا انه وجب علينا أن نقرأ الاسم مصاحباً للصفات الثلاث "الرسول النبي الأمّي".
فهو محمد الرسول النبي الأمّي، أول الرسالة وآخرها وخاتمها، فكان في كتاب الأولين "أحمد" الممتلئ حمداً، فلما بعث، فصار أحمد حقيقة في الآخرين، جمع له حمد الأولين والآخرين فصار محمداً!.

ألا ترون الله يبدأ الأولى بالحمد ويختم الآخرة بالحمد {وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين},
فالله يجمع بين الأولى والآخرة بالحمد، {وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون}. كأن الحمد عند الله هي تعرفة التمام والاكتمال.

فالحمد في التمام, والتمام في الحمد، فهو محمد الذي أتم الله به الدين وأكمله, ثم بعثه الله ليتمم به محاسن الأخلاق، وآتاه جوامع الكلم, فهذا الذي يجمع له الله الرسالة الأولى والاخرة, ويؤتيه الجوامع, فيتم له ويتم به, إنما هو "محمد".

ولا عجب أن يفتتح الله خمس سور بالحمد, ويذكر محمداً وأحمد في القرآن خمس مرات مثلها, ويتم الاسلام ويكمله بخمس أركان. ثم يعقد له لواء الحمد يوم القيامة.

محمد: المتمِّم المتمَّم، المكمِّل المكمَّل.
{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}.

اللهم إن أصبنا فبرحمتك, وإن أخطأنا فبجهلنا ونقصنا وضعفنا.
{ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل}.

الزهراء
23-04-2007, 11:21 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



جزاك الله خيرا أخي الفاضل أبو محمد


جعل الله ما تقدمه من خير في ميزان حسناتك


لك كل التحية والتقدير

كمال
23-04-2007, 11:58 AM
جزاك الله خيرا