د. أبو محمد
18-04-2007, 04:23 PM
مقدمة مفيدة تذكر في أول التفسير قبل الفاتحة
قال أبو بكر بن الأنباري: نزل في المدينة من القرآن (البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، وبراءة، والرعد، والنحل، والحج، والنور، والأحزاب، ومحمد، والفتح، والحجرات، والرحمن، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، وعشر من التحريم، وإذا زلزلت، وإذا جاء نصر اللّه) هؤلاء السور نزلت في المدينة وسائر السور بمكة.
فأما عدد آيات القرآن العظيم فستة آلاف آية، ثم اختلف فيما زاد على ذلك.
وأما التحزيب والتجزئة فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما في الربعات بالمدارس وغيرها.
فصل:
واختلف في معنى السورة مما هي مشتقة؟ فقيل: من الارتفاع (قال النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب)
فكأن القارئ ينتقل بها من منزلة إلى منزلة، وقيل: لشرفها وارتفاعها كسور البلد لإحاطته بمنازله ودوره، وقيل: سميت سورة لكونها قطعة من القرآن وجزءاً منه.
وأول الآية: فأصل معناها العلامة، سميت بذلك لانقطاع الكلام الذي قبلها عن الذي بعدها وانفصالها، أي هي بائنة عن أختها ومنفردة قال تعالى: {إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت}.
وقيل: سميت آية لأنها عجب يعجز البشر عن التكلم بمثلها.
وأما الكلمة: فهي اللفظة الواحدة، وقد تكون على حرفين مثل "ما" و"لا" ونحو ذلك وقد تكون أكثر، وأكثر ما تكون عشرة أحرف مثل {أنلزمكموها} و{فأسقيناكموه} وقد تكون الكلمة الواحدة آية مثل {والضحى} ومثل {والفجر}
فصل:
قال القرطبي: أجمعوا على أنه ليس في القرآن شيء من التراكيب الأعجمية، وأجمعوا أن فيه أعلاماً من الأعجمية ك (ابراهيم) و (نوح) و (لوط) واختلفوا: هل فيه شيء من غير ذلك بالأعجمية؟ فأنكر ذلك الباقلاني والطبري وقالا: ما وقع فيه مما يوافق الأعجمية فهو من باب ما توافقت فيه اللغات فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة وغيرهم (انظر التحقيق الذي ذكرناه في كتابنا "التبيان في علوم القرآن" صفحة /225/ تحت عنوان (هل في القرآن الكريم ألفاظ غير عربية) ؟.
وجدت في: الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي،
القول في البسملة:
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
روي عن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال: البسملة تيجان السور.
قلت: وهذا يدل على أنها ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها. وقد اختلف العلماء في هذا المعنى على ثلاثة أقوال: (الأول) ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها، وهو قول مالك. (الثاني) أنها آية من كل سورة، وهو قول عبد الله بن المبارك. (الثالث) قال الشافعي: هي آية في الفاتحة، وتردد قوله في سائر السور، فمرة قال: هي آية من كل سورة، ومرة قال: ليست بآية إلا في الفاتحة وحدها. ولا خلاف بينهم في أنها آية من القرآن في سورة النمل..
واحتج الشافعي بما رواه الدارقطني من حديث أبي بكر الحنفي عن عبد الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي بلال عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم أحد آياتها). رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر، وعبد الحميد هذا وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد ويحيى بن معين، وأبو حاتم يقول فيه: محله الصدق، وكان سفيان الثوري يضعفه ويحمل عليه. ونوح بن أبي بلال ثقة مشهور.
وحجة ابن المبارك وأحد قولي الشافعي ما رواه مسلم عن أنس رضى الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال : نزلت علي آنفا سورة) فقرأ: ] "بسم الله الرحمن الرحيم: إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر. إن شانئك هو الأبتر" [الكوثر: الآية. وذكر الحديث.
الصحيح من هذه الأقوال قول مالك، لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه. قال ابن العربي: "ويكفيك أنها ليست من القرآن اختلاف الناس فيها، والقرآن لا يختلف فيه". والأخبار الصحاح التي لا مطعن فيها دالة على أن البسملة ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها إلا في النمل وحدها. روى مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد "الحمد لله رب العالمين" قال الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال العبد "الرحمن الرحيم" قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال العبد "مالك يوم الدين" قال مجدني عبدي - وقال مرة فوض إلي عبدي - فإذا قال "إياك نعبد وإياك نستعين" قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال "اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل). فقوله سبحانه: (قسمت الصلاة يريد (الفاتحة)، وسماها صلاة لأن الصلاة لا تصح إلا بها، فجعل الثلاث الآيات الأول لنفسه، واختص بها تبارك اسمه، ولم يختلف المسلمون فيها. ثم الآية الرابعة جعلها بينه وبين عبده، لأنها تضمنت تذلل العبد وطلب الاستعانة منه، وذلك يتضمن تعظيم الله تعالى، ثم ثلاث آيات تتمة سبع آيات. ومما يدل على أنها ثلاث قوله: )هؤلاء لعبدي ( أخرجه مالك، ولم يقل: هاتان، فهذا يدل على أن "أنعمت عليهم" آية. قال ابن بكير: قال مالك ": أنعمت عليهم" آية، ثم الآية السابعة إلى آخرها. فثبت بهذه القسمة التي قسمها الله تعالى وبقوله عليه السلام لأُبي رضى الله عنه :كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأت “الحمد لله رب العالمين” حتى أتيت على آخرها –
ان البسملة ليست بآية منها، وكذا عد أهل المدينة وأهل الشام وأهل البصرة، وأكثر القراء عدوا "أنعمت عليهم" آية، وكذا روى قتادة عن أبي نضرة عن أبي هريرة قال: الآية السادسة "أنعمت عليهم". وأما أهل الكوفة من القراء والفقهاء فإنهم عدوا فيها "بسم الله الرحمن الرحيم" ولم يعدوا "أنعمت عليهم".
فإن قيل: فإنها ثبتت في المصحف وهي مكتوبة بخطه ونقلت نقله، كما نقلت في النمل، وذلك متواتر عنهم. قلنا: ما ذكرتموه صحيح، ولكن لكونها قرآناً أو لكونها فاصلة بين السور - كما روي عن الصحابة: كنا لا نعرف انقضاء السورة حتى تنزل "بسم الله الرحمن الرحيم" أخرجه أبو داود - أو تبركا بها، كما قد اتفقت الأمة على كتبها في أوائل الكتب والرسائل؟ كل ذلك محتمل. وقد قال الجزيري: سئل الحسن عن “بسم الله الرحمن الرحيم” قال: في صدور الرسائل. وقال الحسن أيضا: لم تنزل “بسم الله الرحمن الرحيم” في شيء من القرآن إلا في “طس” “إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم” [النمل: 30]. والفيصل أن القرآن لا يثبن بالنظر والاستدلال، وإنما يثبت بالنقل المتواتر القطعي الاضطراري. ثم قد اضطرب قول الشافعي فيها في أول كل سورة فدل على أنها ليست بآية من كل سورة؛ والحمد لله .
فإن قيل: فقد روى جماعة قرآنيتها، وقد تولى الدارقطني جمع ذلك في جزء صححه. قلنا: لسنا ننكر الرواية بذلك وقد أشرنا إليها، ولنا أخبار ثابتة في مقابلتها، رواها الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات. روت عائشة رضى الله عنها في صحيح مسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين، الحديث. وسيأتي بكماله. وروى مسلم أيضا عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضى الله عنهما، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين؛ لا يذكرون "بسم الله الرحمن الرحيم" لا في أول قراءة ولا في آخرها. ثم إن مذهبنا يترجح في ذلك بوجه عظيم، وهو المعقول؛ وذلك أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة انقضت عليه العصور، ومرت عليه الأزمنة والدهور، من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمان مالك، ولم يقرأ أحد فيه قط "بسم الله الرحمن الرحيم" اتباعا للسنة؛ وهذا يرد أحاديثكم. بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل وعليه تحمل الآثار الواردة في قراءتها أو على السعة في ذلك. قال مالك: ولا بأس أن يقرأ بها في النافلة ومن يعرض القرآن عرضاً.
وجملة مذهب مالك وأصحابه: أنها ليست عندهم آية من فاتحة الكتاب ولا غيرها، ولا يقرأ بها المصلي في المكتوبة ولا في غيرها سراً ولا جهراً؛ ويجوز أن يقرأها في النوافل. هذا هو المشهور من مذهبه عند أصحابه. وعنه رواية أخرى أنها تقرأ أول السورة في النوافل، ولا تقرأ أول أم القرآن. وروى عنه ابن نافع ابتداء القراءة بها في الصلاة الفرض والنفل ولا تترك بحال. ومن أهل المدينة من يقول: إنه لابد فيها من “بسم الله الرحمن الرحيم” منهم ابن عمر رضى الله عنهما، وابن شهاب؛ وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد. وهذا يدل على أن المسألة مسألة اجتهادية لا قطعية، كما ظنه بعض الجهال من المتفقهة الذي يلزم على قوله تكفير المسلمين؛ وليس كما ظن لوجود الاختلاف المذكور؛ والحمد لله.
قال أبو بكر بن الأنباري: نزل في المدينة من القرآن (البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، وبراءة، والرعد، والنحل، والحج، والنور، والأحزاب، ومحمد، والفتح، والحجرات، والرحمن، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، وعشر من التحريم، وإذا زلزلت، وإذا جاء نصر اللّه) هؤلاء السور نزلت في المدينة وسائر السور بمكة.
فأما عدد آيات القرآن العظيم فستة آلاف آية، ثم اختلف فيما زاد على ذلك.
وأما التحزيب والتجزئة فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما في الربعات بالمدارس وغيرها.
فصل:
واختلف في معنى السورة مما هي مشتقة؟ فقيل: من الارتفاع (قال النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب)
فكأن القارئ ينتقل بها من منزلة إلى منزلة، وقيل: لشرفها وارتفاعها كسور البلد لإحاطته بمنازله ودوره، وقيل: سميت سورة لكونها قطعة من القرآن وجزءاً منه.
وأول الآية: فأصل معناها العلامة، سميت بذلك لانقطاع الكلام الذي قبلها عن الذي بعدها وانفصالها، أي هي بائنة عن أختها ومنفردة قال تعالى: {إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت}.
وقيل: سميت آية لأنها عجب يعجز البشر عن التكلم بمثلها.
وأما الكلمة: فهي اللفظة الواحدة، وقد تكون على حرفين مثل "ما" و"لا" ونحو ذلك وقد تكون أكثر، وأكثر ما تكون عشرة أحرف مثل {أنلزمكموها} و{فأسقيناكموه} وقد تكون الكلمة الواحدة آية مثل {والضحى} ومثل {والفجر}
فصل:
قال القرطبي: أجمعوا على أنه ليس في القرآن شيء من التراكيب الأعجمية، وأجمعوا أن فيه أعلاماً من الأعجمية ك (ابراهيم) و (نوح) و (لوط) واختلفوا: هل فيه شيء من غير ذلك بالأعجمية؟ فأنكر ذلك الباقلاني والطبري وقالا: ما وقع فيه مما يوافق الأعجمية فهو من باب ما توافقت فيه اللغات فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة وغيرهم (انظر التحقيق الذي ذكرناه في كتابنا "التبيان في علوم القرآن" صفحة /225/ تحت عنوان (هل في القرآن الكريم ألفاظ غير عربية) ؟.
وجدت في: الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي،
القول في البسملة:
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
روي عن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال: البسملة تيجان السور.
قلت: وهذا يدل على أنها ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها. وقد اختلف العلماء في هذا المعنى على ثلاثة أقوال: (الأول) ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها، وهو قول مالك. (الثاني) أنها آية من كل سورة، وهو قول عبد الله بن المبارك. (الثالث) قال الشافعي: هي آية في الفاتحة، وتردد قوله في سائر السور، فمرة قال: هي آية من كل سورة، ومرة قال: ليست بآية إلا في الفاتحة وحدها. ولا خلاف بينهم في أنها آية من القرآن في سورة النمل..
واحتج الشافعي بما رواه الدارقطني من حديث أبي بكر الحنفي عن عبد الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي بلال عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم أحد آياتها). رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر، وعبد الحميد هذا وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد ويحيى بن معين، وأبو حاتم يقول فيه: محله الصدق، وكان سفيان الثوري يضعفه ويحمل عليه. ونوح بن أبي بلال ثقة مشهور.
وحجة ابن المبارك وأحد قولي الشافعي ما رواه مسلم عن أنس رضى الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال : نزلت علي آنفا سورة) فقرأ: ] "بسم الله الرحمن الرحيم: إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر. إن شانئك هو الأبتر" [الكوثر: الآية. وذكر الحديث.
الصحيح من هذه الأقوال قول مالك، لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه. قال ابن العربي: "ويكفيك أنها ليست من القرآن اختلاف الناس فيها، والقرآن لا يختلف فيه". والأخبار الصحاح التي لا مطعن فيها دالة على أن البسملة ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها إلا في النمل وحدها. روى مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد "الحمد لله رب العالمين" قال الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال العبد "الرحمن الرحيم" قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال العبد "مالك يوم الدين" قال مجدني عبدي - وقال مرة فوض إلي عبدي - فإذا قال "إياك نعبد وإياك نستعين" قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال "اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل). فقوله سبحانه: (قسمت الصلاة يريد (الفاتحة)، وسماها صلاة لأن الصلاة لا تصح إلا بها، فجعل الثلاث الآيات الأول لنفسه، واختص بها تبارك اسمه، ولم يختلف المسلمون فيها. ثم الآية الرابعة جعلها بينه وبين عبده، لأنها تضمنت تذلل العبد وطلب الاستعانة منه، وذلك يتضمن تعظيم الله تعالى، ثم ثلاث آيات تتمة سبع آيات. ومما يدل على أنها ثلاث قوله: )هؤلاء لعبدي ( أخرجه مالك، ولم يقل: هاتان، فهذا يدل على أن "أنعمت عليهم" آية. قال ابن بكير: قال مالك ": أنعمت عليهم" آية، ثم الآية السابعة إلى آخرها. فثبت بهذه القسمة التي قسمها الله تعالى وبقوله عليه السلام لأُبي رضى الله عنه :كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأت “الحمد لله رب العالمين” حتى أتيت على آخرها –
ان البسملة ليست بآية منها، وكذا عد أهل المدينة وأهل الشام وأهل البصرة، وأكثر القراء عدوا "أنعمت عليهم" آية، وكذا روى قتادة عن أبي نضرة عن أبي هريرة قال: الآية السادسة "أنعمت عليهم". وأما أهل الكوفة من القراء والفقهاء فإنهم عدوا فيها "بسم الله الرحمن الرحيم" ولم يعدوا "أنعمت عليهم".
فإن قيل: فإنها ثبتت في المصحف وهي مكتوبة بخطه ونقلت نقله، كما نقلت في النمل، وذلك متواتر عنهم. قلنا: ما ذكرتموه صحيح، ولكن لكونها قرآناً أو لكونها فاصلة بين السور - كما روي عن الصحابة: كنا لا نعرف انقضاء السورة حتى تنزل "بسم الله الرحمن الرحيم" أخرجه أبو داود - أو تبركا بها، كما قد اتفقت الأمة على كتبها في أوائل الكتب والرسائل؟ كل ذلك محتمل. وقد قال الجزيري: سئل الحسن عن “بسم الله الرحمن الرحيم” قال: في صدور الرسائل. وقال الحسن أيضا: لم تنزل “بسم الله الرحمن الرحيم” في شيء من القرآن إلا في “طس” “إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم” [النمل: 30]. والفيصل أن القرآن لا يثبن بالنظر والاستدلال، وإنما يثبت بالنقل المتواتر القطعي الاضطراري. ثم قد اضطرب قول الشافعي فيها في أول كل سورة فدل على أنها ليست بآية من كل سورة؛ والحمد لله .
فإن قيل: فقد روى جماعة قرآنيتها، وقد تولى الدارقطني جمع ذلك في جزء صححه. قلنا: لسنا ننكر الرواية بذلك وقد أشرنا إليها، ولنا أخبار ثابتة في مقابلتها، رواها الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات. روت عائشة رضى الله عنها في صحيح مسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين، الحديث. وسيأتي بكماله. وروى مسلم أيضا عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضى الله عنهما، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين؛ لا يذكرون "بسم الله الرحمن الرحيم" لا في أول قراءة ولا في آخرها. ثم إن مذهبنا يترجح في ذلك بوجه عظيم، وهو المعقول؛ وذلك أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة انقضت عليه العصور، ومرت عليه الأزمنة والدهور، من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمان مالك، ولم يقرأ أحد فيه قط "بسم الله الرحمن الرحيم" اتباعا للسنة؛ وهذا يرد أحاديثكم. بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل وعليه تحمل الآثار الواردة في قراءتها أو على السعة في ذلك. قال مالك: ولا بأس أن يقرأ بها في النافلة ومن يعرض القرآن عرضاً.
وجملة مذهب مالك وأصحابه: أنها ليست عندهم آية من فاتحة الكتاب ولا غيرها، ولا يقرأ بها المصلي في المكتوبة ولا في غيرها سراً ولا جهراً؛ ويجوز أن يقرأها في النوافل. هذا هو المشهور من مذهبه عند أصحابه. وعنه رواية أخرى أنها تقرأ أول السورة في النوافل، ولا تقرأ أول أم القرآن. وروى عنه ابن نافع ابتداء القراءة بها في الصلاة الفرض والنفل ولا تترك بحال. ومن أهل المدينة من يقول: إنه لابد فيها من “بسم الله الرحمن الرحيم” منهم ابن عمر رضى الله عنهما، وابن شهاب؛ وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد. وهذا يدل على أن المسألة مسألة اجتهادية لا قطعية، كما ظنه بعض الجهال من المتفقهة الذي يلزم على قوله تكفير المسلمين؛ وليس كما ظن لوجود الاختلاف المذكور؛ والحمد لله.