د. أبو محمد
18-04-2007, 04:19 PM
بَيَان الأسرَار القُدْسِيّة في فاتِحَة الكِتاب العَزيز
لا شك أن من تدبَّر الفاتحة الكريمة رأى من غزارة المعاني وجمالها، وروعة التناسب وجلاله ما يأخذ بلبه، ويضيء جوانب قلبه، فهو يبتدئ ذاكراً تالياً متيمناً باسم الله، الموصوف بالرحمة التي تظهر آثارها رحمته متجددة في كل شيء، فإِذا استشعر هذا المعنى ووقر في نفسه انطلق لسانه بحمد هذا الإِله {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وذكّره الحمد بعظيم نعمه وكريم فضله، وجميل آلائه البادية في تربيته للعوالم جميعاً، فأجال بصيرته في هذا المحيط الذي لا ساحل له، ثمّ تذكر من جديد أن هذه النعم الجزيلة والتربية الجليلة، ليست عن رغبةٍ ولا رهبة، ولكنها عن تفضل ورحمة، فنطق لسانه مرة ثانية بـ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ومن كمال هذا الإِله العظيم أن يقرن الرحمن بـ "العدل" ويذكّر بالحساب بعد الفضل فهو مع رحمته السابغة المتجددة سيُدين عباده ويحاسب خلقه يوم الدين {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}.
فتربيته لخلقه قائمة على الترغيب بالرحمة، والترهيب بالعدالة والحساب {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} وإِذا كان الأمر كذلك فقد أصبح العبد مكلفاً بتحري الخير،والبحث عن وسائل النجاة، وهو في هذا أشد ما يكون حاجة إِلى من يهديه سواء السبيل، ويرشده إِلى الصراط المستقيم، وليس أولى به في ذلك من خالقه ومولاه فليلجأ إِليه وليعتمد عليه وليخاطبه بقوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.
وليسأله الهداية من فضله إِلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم بمعرفة الحق واتباعه، غير المغضوب عليهم بالسلب بعد العطاء، والنكوص بعد الاهتداء، وغير الضالين التائهين، الذين يضلون عن الحق أو يريدون الوصول إِليه فلا يوفقون للعثور عليه، آمين. ولا جرم أن "آمين" براعة مقطع في غاية الجمال والحسن، وأي شيء أولى بهذه البراعة من فاتحة الكتاب، والتوجه إِلى الله بالدعاء؟ فهل رأيت تناسقاً أدق، أو ارتباطاً أوثق، مما تراه بين معاني هذه الآية الكريمة؟
وتَذَكَّر وأنت تهيم في أودية هذا الجمال ما يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه في الحديث القدسي : (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ..) الحديث وأدم هذا التدبير والإِنعام، واجتهد أن تقرأ في الصلاة وغيرها على مكث وتمهّل، وخشوع وتذلَل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتعطي التلاوة حقها من التجويد أو النغمات، من غير تكلف ولا تطريب، واشتغال بالألفاظ عن المعاني، فإِن ذلك يعين على الفهم، ويثير ما غاض من شآبيب الدمع، وما نفع القلب شيء أفضلُ من تلاوة في تدبرٍ وخشوعٍ"
ـ حَدّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، حدثنا الرّبِيَعُ بنُ مُسْلِم، حدثنا محمدُ بنُ زِيادٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لاَ يَشْكُرِ النّاسَ لاَ يَشْكُرِ الله".
قالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
وجدت الكلمات في الحديث رقم: 9096- من لا يشكر الناس لا يشكر الله
التخريج (مفصلا): الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه
تصحيح السيوطي: حسن
روى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) قال الخطابي: هذا الكلام يتأول على معنيين أحدهما - أن من كان من طبعه كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله عز وجل وترك الشكر له. والوجه الآخر - أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر.
وجدت الكلمات في الحديث رقم:
3398 - التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، الجماعة بركة والفرقة عذاب
وجدت الكلمات في الحديث رقم:
8621- عن محمد بن مسلمة قال: كنا يوما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لحسان بن ثابت: يا حسان أنشدني قصيدة من شعر الجاهلية، فإن الله قد وضع عنك آثامها في شعرها وروايتها - وفي لفظ: أنشدنا من شعر الجاهلية، ما عفا الله لنا فيه، فأنشده قصيدة الأعشى هجا بها علقمة بن علاثة:
علقم ما أنت إلى عامر * الناقض الأوتار والواتر
في هجاء كثير هجا به علقمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا حسان لا تعد تنشدني هذه القصيدة بعد مجلسي هذا - وفي لفظ: لا تنشدني مثل هذا بعد اليوم، قال: يا رسول الله تنهاني عن رجل مشرك مقيم عند قيصر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: يا حسان أشكر الناس للناس أشكرهم لله، وإن قيصر سأل أبا سفيان بن حرب عني، فتناول مني، وسأل هذا فأحسن القول فشكره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وفي لفظ فقال: يا حسان إني ذكرت عند قيصر، وعنده أبو سفيان بن حرب وعلقمة بن علاثة، فأما أبو سفيان فلم يترك في، وأما علقمة فحسن القول، وإنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس.
قال الشيخ الحافظ (عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير) رحمه اللّه تعالى:
الحمد لله الذي افتتح كتابه بالحمد فقال: {الحمد لله رب العالمين} وافتتح خلقه بالحمد فقال: {الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور} واختتمه بالحمد فقال بعد ذكر مآل أهل الجنة وأهل النار: {وقضي بينهم بالحق، وقيل الحمد لله رب العالمين} فله الحمد في الأولى والآخرة، أي في جميع ما خلق وما هو خالق، هو المحمود في ذلك كله، ولهذا يُلهمُ أهل الجنة تسبيحه وتحميده كما يُلهمون النَّفَس {دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}.
والحمد لله الذي أرسل رسله {مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وختمهم بالنبي الأُمي، العربي المكي، الهادي لأوضح السبل، أرسله لجميع خلقه من الإنس والجن، من لدنْ بعثته إلى قيام الساعة كما قال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} وقال تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : "بعثتُ إلى الأحمر والأسود" فهو صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس، والجن، مبلغاً لهم عن اللّه عزّ وجلّ ما أوحاه إليه من الكتاب العزيز {الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزل من حكيم حميد}.
فالواجب على العلماء الكشفُ عن معاني كلام اللّه، وتفسير ذلك وطلبُه من مظانه، وتعلُّم ذلك وتعليمُه كما قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا، فبئس ما يشترون} فذمّ اللّه أهل الكتاب بإعراضهم عن كتاب اللّه، وإقبالهم على الدنيا وجمعها.
فعلينا أن ننتهي عمّا ذمهم اللّه تعالى به، وأن نأتمر بما أمرنا به، من تعلّم كتاب اللّه المُنزل إلينا وتعليمه، وتفهمه وتفهيمه قال تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق}؟ الآية.
ففي ذكره تعالى لهذه الآية تنبيهٌ على أنه تعالى كما يحيي الأرضَ بعد موتها كذلك يُحيي القلوبَ بالإيمان، ويلينها بعد قسوتها من الذنوب والمعاصي، واللّه المؤمل المسئول أن يفعل بنا هذا، إنه جواد كريم.
فإن قال قائل: فما أحسنُ طرق التفسير؟
فالجواب: أنَّ أصح الطرق في ذلك أن يفسَّر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في مكانٍ فإنه قد فُسّر في موضع آخر فإن أعياك ذلك فعليك بالسنّة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له قال تعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبيّن لهم الذي اختلفوا فيه، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}.
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا إني أوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه" يعني السنّة المطهرة.
والغرض أنك تطلب تفسير القرآن من القرآن، فإن لم تجده فمن السنّة، وإذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة رضى الله عنهم، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيّما علماؤهم وكبراؤهم كالخلفاء الراشدين رضى الله عنهم، والأئمة المهتدين المهديين رضى الله عنهم، وعبد اللّه بن مسعود رضى الله عنه، فقد قال ابن مسعود: "والذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب اللّه إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب اللّه مني تناله المطايا لأتيته" (رواه ابن جرير الطبري عن مسروق عن عبد اللّه بن مسعود رضى الله عنه).
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: "حدَّثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا تعلّموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا"
ومنهم (عبد اللّه بن عباس رضى الله عنهما) الحبرُ البحرُ، ابن عم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وترجُمانُ القرآن ببركة دعاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم له حيث قال: " اللهمَّ فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل".
وقد قال عبد اللّه بن مسعود رضى الله عنه: "نعم ترجمان القرآن ابنُ عباس" رضى الله عنهما.
وقد مات ابن مسعود رضي اللّه عنه في سنة اثنتين وثلاثين على الصحيح، وعُمِّر بعده ابن عباس ستاً وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟
ولهذا غالب ما يرويه (السُّدي) الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين (ابن مسعود) و (ابن عباس) ولكنْ في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب، التي أباحها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حيث قال "بلّغوا عنّي ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (رواه البخاري عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما).
ولكنَّ هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للإعتضاد، وهي على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح
والثاني: ما علمنا كذبه مّما عندنا مما يخالفه فذاك مردود.
والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمرٍ ديني.
(فصل) : إذا لم تجد التفسير في القرآن، ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة إلى أقوال التابعين ك (مجاهد بن جبر) فإنه كان آية في التفسير فقد قال: "عرضتُ المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها".
ولهذا قال (سفيان الثوري) : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبُك به ...وك (سعيد بن جبير) و (عكرمة مولى ابن عباس) و (عطاء بن أبي رباح) و (الحسن البصري) و (مسروق بن الأجدع) و (سعيد بن المسيّب) و (قتادة) و (الضحاك) وغيرهم من التابعين ومن بعدهم، فتذكر أقوالهم في الآية فيقع في عبارتهم تباينُ في الألفاظ، يحسبها من لا علم عنده اختلافا فيحكيها أقوالاً، وليس كذلك فليتفطن اللبيب لذلك واللّه الهادي.
فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قال في القرآن برأيه، أو بما لا يعلم، فليتبوأ مقعده من النار" (رواه ابن جرير بسنده عن ابن عباس رضى الله عنهما وأخرجه الترمذي والنسائي) ولقوله صلى الله عليه وسلم : "من قال في كتاب اللّه برأيه فأصاب فقد أخطأ (رواه أبو داود والترمذي والنسائي) " أي لأنه قد تكلّف ما لا علم له به، وسلك غير ما أُمر به، لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار، ولهذا تحرّج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، فقد روي عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه أنه قال: "أيُّ سماء تظلني، وأيُّ أرضٍ تقلّني، إذا أنا قلت في كتاب اللّه ما لا أعلم".
وروى أنس رضى الله عنه عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قرأ على المنبر {وفاكهة وأبَّا} فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبَّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر.
وروى ابن جرير بسنده عن عبيد الله بن عمر رضى الله عنه قال: لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون القول في التفسير، وعن هشام بن عروة قال: ما سمعتُ أبي يؤول آية من كتاب اللّه قطُّ، وسأل محمدُ بن سيرين (عبيدة السلماني) عن آية من القرآن فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيمن أُنزل القرآن، فاتق اللّه وعليك بالسداد.
فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه، فأما من تكلّم بما يعلم من ذلك لغة وشرعاً فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عمّا لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه لقوله تعالى: {لتبيننه للناس ولا تكتمونه} ولما جاء في الحديث الشريف "من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار" (أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضى الله عنه)
لا شك أن من تدبَّر الفاتحة الكريمة رأى من غزارة المعاني وجمالها، وروعة التناسب وجلاله ما يأخذ بلبه، ويضيء جوانب قلبه، فهو يبتدئ ذاكراً تالياً متيمناً باسم الله، الموصوف بالرحمة التي تظهر آثارها رحمته متجددة في كل شيء، فإِذا استشعر هذا المعنى ووقر في نفسه انطلق لسانه بحمد هذا الإِله {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وذكّره الحمد بعظيم نعمه وكريم فضله، وجميل آلائه البادية في تربيته للعوالم جميعاً، فأجال بصيرته في هذا المحيط الذي لا ساحل له، ثمّ تذكر من جديد أن هذه النعم الجزيلة والتربية الجليلة، ليست عن رغبةٍ ولا رهبة، ولكنها عن تفضل ورحمة، فنطق لسانه مرة ثانية بـ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ومن كمال هذا الإِله العظيم أن يقرن الرحمن بـ "العدل" ويذكّر بالحساب بعد الفضل فهو مع رحمته السابغة المتجددة سيُدين عباده ويحاسب خلقه يوم الدين {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}.
فتربيته لخلقه قائمة على الترغيب بالرحمة، والترهيب بالعدالة والحساب {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} وإِذا كان الأمر كذلك فقد أصبح العبد مكلفاً بتحري الخير،والبحث عن وسائل النجاة، وهو في هذا أشد ما يكون حاجة إِلى من يهديه سواء السبيل، ويرشده إِلى الصراط المستقيم، وليس أولى به في ذلك من خالقه ومولاه فليلجأ إِليه وليعتمد عليه وليخاطبه بقوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.
وليسأله الهداية من فضله إِلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم بمعرفة الحق واتباعه، غير المغضوب عليهم بالسلب بعد العطاء، والنكوص بعد الاهتداء، وغير الضالين التائهين، الذين يضلون عن الحق أو يريدون الوصول إِليه فلا يوفقون للعثور عليه، آمين. ولا جرم أن "آمين" براعة مقطع في غاية الجمال والحسن، وأي شيء أولى بهذه البراعة من فاتحة الكتاب، والتوجه إِلى الله بالدعاء؟ فهل رأيت تناسقاً أدق، أو ارتباطاً أوثق، مما تراه بين معاني هذه الآية الكريمة؟
وتَذَكَّر وأنت تهيم في أودية هذا الجمال ما يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه في الحديث القدسي : (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ..) الحديث وأدم هذا التدبير والإِنعام، واجتهد أن تقرأ في الصلاة وغيرها على مكث وتمهّل، وخشوع وتذلَل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتعطي التلاوة حقها من التجويد أو النغمات، من غير تكلف ولا تطريب، واشتغال بالألفاظ عن المعاني، فإِن ذلك يعين على الفهم، ويثير ما غاض من شآبيب الدمع، وما نفع القلب شيء أفضلُ من تلاوة في تدبرٍ وخشوعٍ"
ـ حَدّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، حدثنا الرّبِيَعُ بنُ مُسْلِم، حدثنا محمدُ بنُ زِيادٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لاَ يَشْكُرِ النّاسَ لاَ يَشْكُرِ الله".
قالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
وجدت الكلمات في الحديث رقم: 9096- من لا يشكر الناس لا يشكر الله
التخريج (مفصلا): الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه
تصحيح السيوطي: حسن
روى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) قال الخطابي: هذا الكلام يتأول على معنيين أحدهما - أن من كان من طبعه كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله عز وجل وترك الشكر له. والوجه الآخر - أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر.
وجدت الكلمات في الحديث رقم:
3398 - التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، الجماعة بركة والفرقة عذاب
وجدت الكلمات في الحديث رقم:
8621- عن محمد بن مسلمة قال: كنا يوما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لحسان بن ثابت: يا حسان أنشدني قصيدة من شعر الجاهلية، فإن الله قد وضع عنك آثامها في شعرها وروايتها - وفي لفظ: أنشدنا من شعر الجاهلية، ما عفا الله لنا فيه، فأنشده قصيدة الأعشى هجا بها علقمة بن علاثة:
علقم ما أنت إلى عامر * الناقض الأوتار والواتر
في هجاء كثير هجا به علقمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا حسان لا تعد تنشدني هذه القصيدة بعد مجلسي هذا - وفي لفظ: لا تنشدني مثل هذا بعد اليوم، قال: يا رسول الله تنهاني عن رجل مشرك مقيم عند قيصر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: يا حسان أشكر الناس للناس أشكرهم لله، وإن قيصر سأل أبا سفيان بن حرب عني، فتناول مني، وسأل هذا فأحسن القول فشكره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وفي لفظ فقال: يا حسان إني ذكرت عند قيصر، وعنده أبو سفيان بن حرب وعلقمة بن علاثة، فأما أبو سفيان فلم يترك في، وأما علقمة فحسن القول، وإنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس.
قال الشيخ الحافظ (عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير) رحمه اللّه تعالى:
الحمد لله الذي افتتح كتابه بالحمد فقال: {الحمد لله رب العالمين} وافتتح خلقه بالحمد فقال: {الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور} واختتمه بالحمد فقال بعد ذكر مآل أهل الجنة وأهل النار: {وقضي بينهم بالحق، وقيل الحمد لله رب العالمين} فله الحمد في الأولى والآخرة، أي في جميع ما خلق وما هو خالق، هو المحمود في ذلك كله، ولهذا يُلهمُ أهل الجنة تسبيحه وتحميده كما يُلهمون النَّفَس {دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}.
والحمد لله الذي أرسل رسله {مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وختمهم بالنبي الأُمي، العربي المكي، الهادي لأوضح السبل، أرسله لجميع خلقه من الإنس والجن، من لدنْ بعثته إلى قيام الساعة كما قال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} وقال تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : "بعثتُ إلى الأحمر والأسود" فهو صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس، والجن، مبلغاً لهم عن اللّه عزّ وجلّ ما أوحاه إليه من الكتاب العزيز {الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزل من حكيم حميد}.
فالواجب على العلماء الكشفُ عن معاني كلام اللّه، وتفسير ذلك وطلبُه من مظانه، وتعلُّم ذلك وتعليمُه كما قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا، فبئس ما يشترون} فذمّ اللّه أهل الكتاب بإعراضهم عن كتاب اللّه، وإقبالهم على الدنيا وجمعها.
فعلينا أن ننتهي عمّا ذمهم اللّه تعالى به، وأن نأتمر بما أمرنا به، من تعلّم كتاب اللّه المُنزل إلينا وتعليمه، وتفهمه وتفهيمه قال تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق}؟ الآية.
ففي ذكره تعالى لهذه الآية تنبيهٌ على أنه تعالى كما يحيي الأرضَ بعد موتها كذلك يُحيي القلوبَ بالإيمان، ويلينها بعد قسوتها من الذنوب والمعاصي، واللّه المؤمل المسئول أن يفعل بنا هذا، إنه جواد كريم.
فإن قال قائل: فما أحسنُ طرق التفسير؟
فالجواب: أنَّ أصح الطرق في ذلك أن يفسَّر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في مكانٍ فإنه قد فُسّر في موضع آخر فإن أعياك ذلك فعليك بالسنّة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له قال تعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبيّن لهم الذي اختلفوا فيه، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}.
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا إني أوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه" يعني السنّة المطهرة.
والغرض أنك تطلب تفسير القرآن من القرآن، فإن لم تجده فمن السنّة، وإذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة رضى الله عنهم، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيّما علماؤهم وكبراؤهم كالخلفاء الراشدين رضى الله عنهم، والأئمة المهتدين المهديين رضى الله عنهم، وعبد اللّه بن مسعود رضى الله عنه، فقد قال ابن مسعود: "والذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب اللّه إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب اللّه مني تناله المطايا لأتيته" (رواه ابن جرير الطبري عن مسروق عن عبد اللّه بن مسعود رضى الله عنه).
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: "حدَّثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا تعلّموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا"
ومنهم (عبد اللّه بن عباس رضى الله عنهما) الحبرُ البحرُ، ابن عم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وترجُمانُ القرآن ببركة دعاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم له حيث قال: " اللهمَّ فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل".
وقد قال عبد اللّه بن مسعود رضى الله عنه: "نعم ترجمان القرآن ابنُ عباس" رضى الله عنهما.
وقد مات ابن مسعود رضي اللّه عنه في سنة اثنتين وثلاثين على الصحيح، وعُمِّر بعده ابن عباس ستاً وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟
ولهذا غالب ما يرويه (السُّدي) الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين (ابن مسعود) و (ابن عباس) ولكنْ في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب، التي أباحها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حيث قال "بلّغوا عنّي ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (رواه البخاري عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما).
ولكنَّ هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للإعتضاد، وهي على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح
والثاني: ما علمنا كذبه مّما عندنا مما يخالفه فذاك مردود.
والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمرٍ ديني.
(فصل) : إذا لم تجد التفسير في القرآن، ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة إلى أقوال التابعين ك (مجاهد بن جبر) فإنه كان آية في التفسير فقد قال: "عرضتُ المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها".
ولهذا قال (سفيان الثوري) : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبُك به ...وك (سعيد بن جبير) و (عكرمة مولى ابن عباس) و (عطاء بن أبي رباح) و (الحسن البصري) و (مسروق بن الأجدع) و (سعيد بن المسيّب) و (قتادة) و (الضحاك) وغيرهم من التابعين ومن بعدهم، فتذكر أقوالهم في الآية فيقع في عبارتهم تباينُ في الألفاظ، يحسبها من لا علم عنده اختلافا فيحكيها أقوالاً، وليس كذلك فليتفطن اللبيب لذلك واللّه الهادي.
فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قال في القرآن برأيه، أو بما لا يعلم، فليتبوأ مقعده من النار" (رواه ابن جرير بسنده عن ابن عباس رضى الله عنهما وأخرجه الترمذي والنسائي) ولقوله صلى الله عليه وسلم : "من قال في كتاب اللّه برأيه فأصاب فقد أخطأ (رواه أبو داود والترمذي والنسائي) " أي لأنه قد تكلّف ما لا علم له به، وسلك غير ما أُمر به، لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار، ولهذا تحرّج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، فقد روي عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه أنه قال: "أيُّ سماء تظلني، وأيُّ أرضٍ تقلّني، إذا أنا قلت في كتاب اللّه ما لا أعلم".
وروى أنس رضى الله عنه عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قرأ على المنبر {وفاكهة وأبَّا} فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبَّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر.
وروى ابن جرير بسنده عن عبيد الله بن عمر رضى الله عنه قال: لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون القول في التفسير، وعن هشام بن عروة قال: ما سمعتُ أبي يؤول آية من كتاب اللّه قطُّ، وسأل محمدُ بن سيرين (عبيدة السلماني) عن آية من القرآن فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيمن أُنزل القرآن، فاتق اللّه وعليك بالسداد.
فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه، فأما من تكلّم بما يعلم من ذلك لغة وشرعاً فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عمّا لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه لقوله تعالى: {لتبيننه للناس ولا تكتمونه} ولما جاء في الحديث الشريف "من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار" (أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضى الله عنه)