المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صورتان متضادتان عند أهل السنة والشيعة الإمامية


د. أبو محمد
22-03-2009, 05:49 PM
صورتان متضادتان عند أهل السنة والشيعةالإمامية (1)

تأليف: أبوالحسن علي الحسني الندوي ت : 1420 هـ (http://www.neelwafurat.com/locate.aspx?mode=1&search=author1&entry=أبو%20الحسن%20علي%20الحسني%20الندوي%20ت%20:% 201420%20هـ)
ترجمة، تحقيق:
بالإشتراك مع: 0






·الناشر: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيعوالترجمةتاريخ النشر: 01/01/200







الزبائن الذين اشتروا هذا الكتاباشتروا أيضاً:

فكرالخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة (http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=egb104512-5104147&search=books)، على محمد الصلابي



الحقوالحقيقة بين السنة والشيعة (http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=egb120216-5120651&search=books)، صالح الوردانى



خدعةالتقريب بين السنة والشيعة ونقد فتوى الشيخ شلتوت رحمة الله (http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=egb80593-5080571&search=books)، أبى محمد أشرف بنعبد المقصود



الخطوطالعريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة الإمامية (http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb114968-75128&search=books)، محب الدين الخطيب



السنةوالشيعة (http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb115068-75228&search=books)، إحسان إلهي ظهير



الميزانبين السنة والشيعة/ عرض لمسائل الوفاق والخلاف بين الفريقين المس (http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb129867-89997&search=books)، يوسف عارفالحا
























صورتان متضادتان عند أهل السنة والشيعة الإمامية

تأليف: أبوالحسن علي الحسني الندوي ت : 1420 هـ (http://www.neelwafurat.com/locate.aspx?mode=1&search=author1&entry=أبو%20الحسن%20علي%20الحسني%20الندوي%20ت%20:% 201420%20هـ)
كلمة عن الكتاب:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

وبعد: فإن هذا الكتاب الذي بين يدي القراء ليس كتاب جدلٍ كلامي وعقائدي، أو مناظرة دينية، يثبت مذهباً دينياً خاصاً، وينتصر لمدرسة فكرية معينة، أو ينفي معتقدات فرقة وجماعة ويزيفها، فالذي يقرأ هذا الكتاب من خلال هذه النظرة لا يعود بطائل، فإنَّ موضوع نقد ديانة خاصة والرد عليها تحويه مكتبة واسعة بلغات المسلمين المتعددة -وخاصة بالعربية والفارسية والأردية- زاخرة بمواد ومعلومات، لا يتسنى استعراضها بسهولة، فضلاً عن استيعابها.

أما هذا الكتاب الصغير ففيه صورةٌ لتأثير التعاليم الإسلامية ونتائج المجهودات التربوية والدعوية، التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم في العهد الأول وتاريخ الإسلام النموذجي -وهو عهد الرسالة والصحابة- وبيان للميزة الخاصة التي تميز بها سيد الأنبياء وأشرف المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، عن دعاة العالم ومصلحيه ومربيه، الذين قاموا بدور الإصلاح والتربية في مجالاتهم في عصور مختلفة، وحققوا نجاحاً محدوداً يذكر ويشكر.

هذا الكتاب يعرض وضع المجتمع الإسلامي الأول الذي كان غرْس دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتربيته وحده، في ضوء التاريخ الموثوق به، ويبيِّن النظام الغيبي الإلهي لصيانة الصحيفة التي جاء بها الرسوك الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وهي كتاب الله الأخير والدستور الدائم لحياة الإنسان.

وفي الكتاب محاولة مخلصة لتوضيح الفرق الأساسي بين الموقف الذي يتخذه منشؤو الحكومات ودعاة الانقلاب نحو أسرهم وعائلاتهم، وشأن رسول الإنسانية صلى الله عليه وآله وسلم مع أقاربه وأسرته وأهل بيته، جمع بيان ما اتصف به أهل بيته وأسرته،، من كان ينتمي إليه، من أخلاق وسمات يتميزون بها عن أسر العظماء ومنشئي الحكومات، وقادة الشعوب، والزعماء. وفيه أضواء على أهمية عقيدة (وحدة النبي) و(خاتميته) التي أجمعت عليها الأمة، والإيمان بأنه هو الشارع والمطاع وحده، منذ ظهور الإسلام حتى تقوم الساعة.

ويقابل ذلك كله ما يدين به الشيعة الإمامية في نتائج جهود الرسول الدعوية والتربوية، وفي الجيل المثالي الذي كان، ويجب أن يكون، النموذجَ الدائم لتعاليم الإسلام ومقياس نجاح من بعث بها ودعا إليها، وقد اتخذت هذه الفرقة هذه النظرة السلبية القاتمة شعارَ جماعتها وفرقتها، مؤسَّساً كل ذلك على ما كتبه أئمة الشيعة وعلماؤهم الكبار الثقات عند هذه الفرقة، وما جاء في كتبهم ومؤلفاتهم الموثوق بها- منذ عهد مؤسسها الأول إلى الخميني- كما أنَّ كل ما عزوناه إلى أهل السنة من العقائد ووجهات النظر عُرِفَتْ عنهم بطريق التواتر والإجماع، وما ذكرناه من حقائق علمية وتاريخية عن تاريخ الإسلام وعهد الصحابة والحياة النبوية، يعتمد على كتب التاريخ المحايد، وشهادات المسلمين وغير المسلمين المنصفين المحققين.

وقد تركنا إلى الفطرة السليمة والذوق الصحيح والعقل العام وحده -ولا يخلو منه زمان- الحكمَ في اختيار التصوير والتعبير الذي يليق بشأن نبيٍّ يُعتبر أعظمَ هادٍ ومرب ومصلح في تاريخ الإنسانية، وأنجح نبيِّ بنص القرآن وشهادة التاريخ، وهذا ما تقتضيه بطريق الضرورة والبداهة الخصائص النبوية الفذّة التي اتَّصف بها بين الأنبياء والمرسلين فضلاً عن الدعاة والمربين، وذلك ما تضافرت عليه شهادات المؤرخين المسلمين وغير المسلمين.
وتساءلنا بعد ذلك: هل يتفق التصوير الذي يلحُّ عليه الشيعة الإمامية لجهود النبي صلى الله عليه وسلم وللجيل المثالي الأول وما اتفقت عليه كلمتهم، وما هو كاللازم لما يثبتونه ويقررونه، مع الدين الذي يوجِّه إلى الإنسانية كلها رسالة الهداية والسعادة، والحب والإيثار والتضحية، ويضمن التغيّر الجذري العميق في سلوك الإنسان وأخلاقه إذا أخذ بهذه التعاليم، في كل عهد وجيل، ويتحمل مسؤولية إنقاذه من حضيض البهيمية الأخيرة إلى قمة الإنسانية العالية؟!
وقد وُضع هذا الكتاب أصالة في أردو، ونقله الأستاذ سعيد الأعظمي الندوي رئيس تحرير مجلة (البعث الإسلامي) إلى العربية، وأضاف إليه المؤلف زيادات ذات قيمة بقلمه، وللمترجم شكر المؤلف.


أبو الحسن علي الحسَني النَّدوي


المجمع الإسلامي العلمي لكهنؤ (الهند)


19/ 2/ 1405هـ


14/ 11/ 1984م


أربعة شروط للدين العالمي الخالد:

1- إبراز إنسان جديد، وإظهار جيل رائع في حياة الرسول نفسه.

2- تميز نبي هذا الدين عن الحكام السياسين، والغزاة الفاتحين.

3- حفظ الله سبحانه لكتاب هذا الدين وصيانته له.

4- أن يكون النبي ذاته هو مركز الهداية والقيادة.

أربعة شروط للدين العالمي الخالد، الذي يحمل لواء الإصلاح البشري والثورة العالمية:

تمهيد:

إن حكم العقل السليم، ودراسة الفطرة البشرية، وتاريخ الديانات الموسعة التحليلية، والاطلاع الواسع العميق على نفسية الأمم والملل، وأفراد النوع البشري، وكذلك الاستعراض الصريح الحر لمجهودات التاريخ الإنساني وحركاته الثورية والإصلاحية، ونتائجها التي سجلتها صفحات التاريخ، كل ذلك يثبت أنه لابد من توافر أربع صفات وخصائص للدين الذي يخاطب النوع البشري كله، ويوجه إليه دعوة الالتزام بالعقيدة السليمة والعمل الصالح، والأخلاق الفاضلة والإصلاح الشامل، والثورة الجذرية، ويدعي تنظيم المجتمع الإنساني على أساس من الإيمان والتقوى وصياغة الحضارة صياغة نبوية جديدة، ويصلح لذلك كله أن يكون دين الله الذي أكمل، ورسالته التي ختمت بها الرسالات، وكُتب لها الخلود إلى يوم الدين، والتي تستطيع أن تنهض بمهمة التعليم والتربية، والدعوة والإرشاد على اختلاف الأزمنة والأمكنة، وتنوع البيئات والطبقات.


(الشرط الأول):

أ- إبراز إنسان جديد، من غير اعتماد على الطرق المعروفة السائدة، والوسائل المعلومه الشائعة:

إنَّ ما تقتضيه طبيعة الرسالات السماوية ودراسة تاريخ حمَلتها هو أن تتحقق معجزة صنع الإنسان كما لو كانت ولادته من جديد، ويكون لدعوتهم وصحبتهم من التأثير وقلب طبائع الأشياء، ما لو ذكر بإزائه تأثير (حجر الفلاسفة) الأسطوري (والكيمياء)، لدلَّ على الجهل بالحقائق التاريخية، واعتبر إهانة للنبوة والأنبياء.

وكذلك يجب أن تتحقق هذه النتيجة الخارقة للعادة، من غير اعتماد على الأساليب والوسائل التربوية والإعلامية التي تستخدمها طبقة الحكماء والمثقفين، ومعلمي الأخلاق وخبراء التعليم والقادة السياسيين، والتي تعتمد عليها المؤسسات التربوية والحكومات الذكية، مثل عملية تدوين العلوم والفنون الواسعة، وتأليف الكتب البارعة، وإلقاء الخطب الساحرة، وإنشاء المدارس الكثيرة، واستخدام الأدب والشعر، وتجسيد الحقائق والمعاني لغرس الفكرة وتحبيبها وترسيخها، ومنح الجوائز والمناصب والوظائف العالية، وما إلى ذلك من وسائل مؤثرة، وأساليب حكيمة. ثم إنَّ المقارنة بين تربية ذلك النبي وصحبته- الذي كان أميّاً محضاً بعيداً عن جميع ملابسات العلم، مضافاً إلى ذلك تفرده بمشكلات ومعوِّقات، وفقد وسائل، لا يمنى به غالب المشتغلين بتعليمِ شعوبهم وتربيتها- وبين تربية المعلمين والقادة العاديين، تدل دلالةً واضحة على الفرق الهائل بين جنسَيْ التأثيرين والانقلابين، وعلى تباين مصدريهما، فإنَّ ما يتحقق من التحوّل في العقائد والميول، والسيرة والأخلاق، في ظل تعاليم الرسول وفي أحضانه، ينبثق من رعاية الله وتأييده الغيبي ولا يمكن أن يعبرعنه بكلمة غير (نور النبوة) و (بركات الصحبة).
إن الذين يسعدون بتربية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصحبته، إنما تتحلى حياتهم بالصلة الوثيقة بالله، وبالإخلاص والعبودية والتواضع والإيثار وهضم النفس، وذوق العبادة، والانصراف عن حطام الدنيا والاهتمام بالاَخرة، ومحاسبة النفس محاسبة دقيقة أمينة، والاستقامة على الدين، وهي الذروة الإيمانية والخلقية التي لا سبيل إليها ولا مطمع فيها للذين يتلقون التربية على أيدي الحكماء والفلاسفة، وخبراء التعليم ومعلمي الأخلاق.

ولقد صَوَّر القرآن الكريم هذه التربيةَ النبويةَ والتأتير الثوري الجذري الذي يَتمًّ على يد الرسول عليه الصلاة، السلام، ففي سورة الجمعة: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الجمعة:2]

ويقول عز وجل: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)) [الحجرات:7].

وكذلك يقول: ((فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا)) [الفتح:26].

ويقول: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)) [الفتح:29].

ب- ضرورة أن تثمر الدعوة في حياة الرسول نفسه، وأن تنتج جيلاً جديداً لا يشبه الأجيال القديمة، ولا يقبل انتكاصاً ولا انتكاساً:

إنَّ ظهور معجزة التأثير والهداية فِي حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وظهور الثورة في الأخلاق والعقائد وبروزَ نماذج إنسانية عملية- من أروع ما شاهد التاريخ من نماذج وأجملها- يشق الطريق للإسلام، وتترامى بفضله وتأثيره أممٌ وأقطار في أحضان الإسلام، ويتكوّن مجتمع كامل حي يعتبر مجتمعاً مثالياً نموذجياً من كل جهة.

ويجب أن يتحقق كل ذلك في حياة الرسول وعلى إثر وفاته، حيث إنَّ الدين الذي لا يستطيع أن يقدِّم أمام العالم عدداً وجيهاً من نماذج عملية ناجحة بَنَّاءة، ومجتمعاً مثالياً في أيام الداعي وحامل رسالته الأول، لا يعتبر ناجحاً، كما أنَّ الشجرة التي لم تؤت ثمارها اليانعة الحلوة، ولم تنفتح أزهارها العطرة الجميلة، أيام شبابها وفي موسم ربيعها -وهو عهد النبوة- لا تعتبر شجرةً مثمرةً سليمة، وكيف يسوغ لدعاة هذه الدعوة والدين وممثليهما الذين ظهروا بعد أن مضى على عهد النبوة زمن طويل، أن يوجهوا إلى الجيل المعاصر والعالم الحاضر دعوة إلى الإيمان والعمل والدخول في السلم كافة والتغيير الكامل في الحياة، وهم عاجزون-في ضوء مذهب الشيعة وأقاويلهم- عن تقديم نتائج حية باهرة للألباب، مسلَّمة عند المؤرخين، للمجهودات التي بذلت في العهد الأول وفي فجر تاريخه، في سبيل إبراز أمة جديدة، وإنشاء جيل مثالي، يمثل التعاليم النبوية أصدق تمثيل ويبرهن على تأثيرها ونجاحها.
(الشرط الثاني):

ميزة الرسول صلى الله عليه وآله عن مؤسسي الحكومات والقادة الماديين حول تأسيس المملكة الوراثية وازدهارها:
كذلك من البدهيات اللازمة أن يكون هذا الداعي الأول والمرسل من الله وحامل رسالته، متميزاً عن مؤسسي الحكومات والفاتحين والغزاة والقادة السياسيين، والزعماء الماديين، في طبيعته وأذواقه وسلوكه وعمله ومقاصده ونتائجه تميزاً واضحاً، ويكون هنالك تناقض بينه وبين هذه الطائفة.
إنَّ محور الجهود التي يبذلها مؤسسو الحكومات وفاتحو البلدان، وزعماء العالم، من أصحاب الطموح ومجربي الحظوظ، وهدفهم الأعلى- أو النتيجة الحتمية الطبيعية على أقل تقدير- إنما هو قيام مملكة خاصة، وتأسيس حكومة وراثية.
إنها ظاهرة طبيعية وحقيقة تاريخية على مرِّ القرون والأجيال يشهد بذلك تاريخ ازدهار الأسر الرومية، والبزنطية، والساسانية، والكيانية، وأسرتي (سورج بنسي) و (جندر بنسي)([1][1]). أما إذا لم يتحقق قيام دولة قبلية أو عالمية لسبب قاسر، فأقل درجة لدى هؤلاء المؤسسين للحكومات، والفاتحين والغزاة، وزعماء السياسة- الذين تم لهم ألنجاح في التحركات التي قاموا بها- أن يمتلكوا العزة والثراء الفاحش وأسباب التنعم والترف الموسعة، فهم يتقلبون في أعطاف النعيم، ويتأرجحون في أراجيح الذهب والفضة، وشأنهم في ذلك شأن أسد في الغابة يفترس لنفسه، ويأكل من بقايا صيده مئات من الوحوش، إنَّ قصة النعيم والترف الذي تقلَّبت في أعطافه أسر المتربعين على عروش الحكم في رومة والدولة الكيانية، تشبه أساطير خيالية وقصصاً جنية، ولولا أنَّ وراءها شهاداتٍ تاريخيةً لما صدقها العقل([2][2])، ويمكن تقديرذلك من تلك الأبهة العظيمة التي وجدت في بلاط كسرى، وبالتفاصيل المدهشة التي يتحدث عنها المؤرخون عن (فرش بهار)([3][3]) وعن الأسر المالكة في الدول الرومية والفارسية والهندية، وعن أساليب الحياة لأتباعهم وبذخهم بذخاً لا يتصور.
بالعكس من ذلك فإنَّ الرسول المبعوث من الله لا يؤسِّس مملكة وراثية، ولا يقوم بتوفير فرص وإمكانيات التنعم والترف التي تمتد إلى مدة طويلة لأفراد أسرته، ولا يهتم بالحدب على مصالحهم لكي يتمكنوا بفضل ذلك من العيش فيْ رفاهية وتفرغ من الهموم ومتاعب الحياة، بخلاف طبقات الأمة الأخرى، بل بالعكس من ذلك يعيش أفراد أسرته- في حياته وبعد مماته- حياةَ زهدٍ وتقشّف، وقناعة وإيثار، وتنازل عن كثير من أسباب الرفاهية والرخاء، ويعتمدون على مجهوداتهم وكفاءاتهم الذاتية، دون أن يعيشوا مترفين متنعمين على حساب غيرهم، مثل أُسَر البراهمة عند الهنادك، (والأكليروس) (Glergy- رجال الدين المسيحي) أو كأي جنس مقدس([4][4]).

(الشرط الثالث):
الصحيفة السماوية المنزلة على الرسول يجب أن تكون محفوظة صالحة للفهم العام، وفي متناول الجماهير:
أما الشرط الثالث: فهو أن يتولى الله حفظ هذه الصحيفة السماوية التي أنزلت على الرسول والتي تكون أساساً لدينه ومصدراً لدعوته وتعاليمه، وأكبر وسيلة لربط الخلق وتوثيق علاقتهمِ به، وسبباً قوياً لإثارة الربانية الصادقة في أتباعه، محدداً للعقائد مبيناَ لها- وخاصة لعقيدة التوحيد- إلى يوم الدين محافظاً لها ومهيمناً عليها، وأن تكون تلك الصحيفة كتابَ هداية للإنسانية جمعاء، قد تولَّى الله تعالى نشره وإذاعته في العالم مع تمكين الناس من فهمه، ويكون قد هيأ الله سبحانه وتعالى الجوَّ المناسب والفرص المؤاتية لقراءته وكثرة تلاوته وحفظه واستحضاره، بدرجة لا يوجد لها نظير في الدنيا، ذلك لأنه كتاب الله الأخير وسفينة نجاةٍ للإنسانية، ويجب أن يكون بعيداً من كل تصرف إنساني ومن كل تغيير وتبديل، وحذف وزيادة، ومن أي شائبة من التحريف، إذ إنه لا يمكن بغير ذلك أن توجه دعوة إلى الناس للإيمان بهذا الكتاب، ولا أن يقدم أمام العالم كشهادة، كما لا يمكن أن يستفاد أو يفاد منه.

إنَّ تاريخ الكتب التي ظهرت في العصر القديم والجديد (التوراة والإنجيل) والصحف السماوية يدل([5][5]) على ما واجهته هذه الكتب والصحف السماوية من تصرفات أعداء الدين، وهجمات المهاجمين الظالمين، وما تعرضت له من التحريفات اللفظية والمعنوية التي قام بها زعماء الديانات المغرضون الماديون، وقد ظلت مجالاً واسعاً للأغراض الخسيسة والتغافل البشري، وما هذا الفرق بين هذه الكتب والصحف السماوية وبين القرآن إلا لأن صيانة هذه الكتب المذكورة إنما تولاها أتباعها وحملتها ((بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ)) [المائدة:44]، أما القرآن فقد تكفَّل الله نفسه بحفظه([6][6]) فقال: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9].

(الشرط الرابع):
يجب أن يكون النبىِ بذاته مركز الهدايهَ الوحيد، والشارع والمطاع:
الشرط الرابع: أن يكون النبي بذاته مركزَ الهداية، ومصدرَ القيادة، ومحور العلاقة القلبية والانقياد الفكري للأمة، فتعتقد بكونه خاتم الرسل، ومنير السبل، ومقتدى الكل، ولا تسمح لأحد بعده بالمشاركة في النبوة والتشريع المطلق، ولا تعتقد في أحد آخر العصمة وتعتبره مورد الوحي.
إنَّ وحدة هذه الأمة ومركزها واجتماع شملها، وابتعادها عن الاعتقادية والعملية وبقاء طاقتها الداخلية وقوتها الإيمانية، يرتبط كل ذلك بعقيدة (ختم النبوة) إلى حد كبير([7][7])، وإنَّ عقيدة المشاركة في النبوة تضاد عقيدة (ختم النبوة)([8][8]).
والآن نتناول هذه الشروط الأربعة شرطاً شرطاً باستعراض موضوعي في ضوء التاريخ الموثوق به وشهادات المثقفين الأفاضل من المسلمين وغيرهم، واعتماداً على الوقائع والأحداث التي رواها المؤرخون الثقات الأثبات.

د. أبو محمد
22-03-2009, 05:59 PM
الشرط الثاني
تميز نبي هذا الدين عن الحكام السياسيين والغزاة الفاتحين
الأسرة النبوية في الأقارب وأفراد الأُسرة:

أسلفنا أنَّ الشرطَ الثاني للدين الذي يخاطب النوعَ البشري كله ويدعوه إلى فضائل الأخلاق، وحسن السلوك، والإصلاح والتغيير الأساسي، أن لا يكون هدف الداعية الأول لهذا الدين- شأن مؤسسي الحكومات القدامى، والقادة والزعماء السياسيين العامة، وهم معروفون في تاريخ العالم- تأسيسَ مملكة عائلية، أو حكومة وراثية، بدعوته وتضحياته، وجهوده وعلاقاته العامة، وأن لا يكون نصب عينيه، بمجهوداته التي يبذلها- التي كانت تبدو في حينها أنها مخلصة ومحايدة- تسليطَ أعضاء أسرته على رؤوس الناس، وفرض سيادتهم عليهم مع التركيز على تعبيد الطريق للقيادة والسيادة، والتنعم والرخاء، لأهله وأقاربه إلى مدة طويلة، والحفاظ على مصالحهم إلى أجيال آتية. حينما ندرس السيرةَ النبويةَ من هذه الزاوية، يهجم علينا عالم مليء بالمعجزات تتجلى فيه بشيء كثير من الوضوح طبيعة النبوة التي تشرَّفت بالتربية الإلهية مباشرة، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: {أدَّبني ربِّي فأحسنَ تأديبي}([70][70]).

ويتجلى فيه ذلك الخلق العظيم الذي شهد الله به قائلاً: ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) [القلم:4]، ويتراءى فيه تسلسل السيرة النبوية الذي حفظه القرآن الكريم على لسان كل نبي في قوله: ((وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ))([71][71]).

وهذا السرُّ كان قد تفطَّن له قائد المملكة البيزنطية هِرَقل (641-610) (Heracliusم) الذي كان نصرانياً ولم يكن مسلماً، غير أنه كان مطَّلعاً بوجه خاص على الكتب الدينية، وتاريخ الأمم والملل، فلما تلقى كتابَ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم الذي وجهه إليه، أراد أن يعرف أحوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكي يقطع فيه رأياً صحيحاً، وقد كان عنده في ذلك الحين أحد سادة قريش أبو سفيان، الذي كان يزور مملكته في تلك الأيام، فوجَّه إليه تساؤلات عديدة، ومن بين ما سأله عنه قال: "فهل كان من آبائه من ملك؟" فقال له: لا ثم لما علَّق هرقل على ما دار بينه وبين أبي سفيان من كلام، قال: "وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟

فذكرت أن لا، فقلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه"([72][72]).

فإذا استعرضنا السيرة النبوية من هذه الزاوية وقسناها بهذا المقياس، وجدنا أمثلة كثيرة تدل على أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقصد من دعوته وجهاده الذي قام به، أن ينقل الدولة من الأسر الساسانية والرومانية إلى عامة العرب- فضلاً عن بني هاشم وبني المطلب وفضلاً عن قريش فكيف يريد أن يؤسس مملكة هاشمية، أو سيادة مطلبية، حتى إن رؤوس ممثلي هذا الدين والدعوة ممن لم يكونوا في صفِّ كبار الصحابة الأول، كانت نقيَّة في هذا الموضوع، وهم كانوا يتفهمون هذه الحقيقة جيداً، ويمكن أن نقدر مدى ذلك من ذلك الرد الصريح الذي وجهه ربعي بن عامر إلى قائد قوات الجيش الإيراني، والركن الأعظم للدولة الإيرانية رستم، حينما سأله. "ما الذي جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرجَ من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده"([73][73]).

لم تكن معاملةُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أهل بيته وأقاربه تختلف فحسب عن معاملة السادة الماديين والمتفاخرين بالاَباء والأنساب وعامة الحكام، الذين يخضعون لمبدأ (الأقرب فالأقرب)، بل إنما كان يضاد سلوكهم، فقد كان مبدؤه الذي يعمل به أن المرء كلما كان أقرب إليه قدَّمه على الناس في ساعات الامتحان والأخطار، وأخَّره لدى تقسيم الغنائم وإعطاء الجوائز والأموال.

ومن لا يدري أن عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ووليد بن عتبة- الذين كانوا من كبار أبطال العرب ومحاربيهم- لما ناشدوا قريشاً وطلبوا المبارزة، نادى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حمزة، وعلياً، وعبيدة رضي الله عنهم، وقدمهم إلى المبارزة، على أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعرف مكانة هؤلاء الفرسان المكيين جيداً، وقد كان في المهاجرين عدد من الأبطال والفرسان ممن كانوا يستطيعون أن يبارزوهم بحق، إن هؤلاء الهاشميين الثلاثة الذين كانوا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الرحم والقربى، وأحب إليه وأعزَّ لديه، بعثهم مبارزين، ولم يخاطر بغيرهم تفادياً لهم من الخطر، وكتب الله سبحانه وتعالى لهم الغلبة من الخطر والانتصار على العدو، ورجع علي وحمزة رضي الله عنهما مظفرين منتصرين، وجيء بعبيدة رضي الله عنه جريحاً.

وقد جاء في كلام سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما يؤيد ذلك، إنه يقول في كتاب له: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا احمرَّ البأسُ وأحجمَ الناس، قدَّم أهلَ بيته فوقى بهم أصحابه حرَّ الأسنة والسيوف، فقُتل عبيدةُ بن الحارث يوم بدر، وقُتِل حمزة يوم أحد، وقُتِل جعفر يوم مؤتة"([74][74]).

ولما أعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرضية الزكاة -التي هي ركن عظيم وخالد إلى يوم القيامة ومؤسسة عالمية، ووسيلة دائمة للموارد المالية- حَرَّمها على بني هاشم إلى يوم الدين، ولم يجعل لهم فيها أي نصيب، ولكن لما حَرَّم الربا، بدأ تحريمه من عمه العباس بن عبدالمطلب، وكذلك حينما وضع دم الجاهلية فبدأ ذلك من ابن أخيه ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وقد أعلن عن ذلك في خطبته التي ألقاها في حجة الوداع، فقال: "وإنَّ أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد، فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله"([75][75]).

يقدم في الأخطار ويؤخر في المنافع:

وقد كان النبيًّ صلى الله عليه وآله وسلم لدى جميع مناسبات الراحة والعطايا والجوائز والشرف يؤخر دائماً أقرباءَه، وبؤثرُ عليهم غيرهم خلافاً لعادة عامة الملوك والسلاطين، وطريقة الحكام، والزعماء السياسيين.

عن علي رضي الله عنه أن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرحى مما تطحن، فبلغها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتي بسَبْيٍ، فأتته تسأله خادماً فلم توافقه فذكرت لعائشة، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فذكرت ذلك عائشة له، فأتانا وقد دخلنا مضاجعنا، فذهبنا لنقوم، فقال: {على مكانكما}، حتى وجدت بَرْدَ قدميه على صدري، فقال: {ألا أدلكما على خير مما سألتماه، إذا أخذتما مضاجعكما فكبِّرا اللهَ أربعاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وسبِّحا ثلاثاً وثلاثين، فإنَّ ذلك خير لكما مما سألتماه}([76][76]).

وفي رواية أخرى أخرجها أحمد من وجه آخر عن علي رضي الله عنه في هذه القصة، وفيها: {والله لا أعطيكم، وأدع أهل الصُّفَّة، تطوى بطونهم من الجوع، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم}([77][77]).

وهنا نماذج من شأنه صلى الله عليه وآله وسلم مع أحبِّ الناس إليه من أهل بيته وأبناء أسرته، وما هي الحياة التي كان يحبها لهم ونمطِ العيش الذي يعيشونه، وإلى القرَّاء بعض المقتطفات.

1- عن ابن عمر: أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا خرج كان آخر عهده بفاطمة عليها السلام، فإذا رجع كان أولُ عهده بفاطمة عليها السلام، فلمَّا رَجَع من غزوةِ تبوك، وقد اشترت مقينعة([78][78]) فصبغتها بزعفران، وألْقَت على بابها ستراً، أو ألقت في بيتها بِسَاطاً، فَلمَّا رأى ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، رجع فأتى المسجد، فقعد فيه، فأرسَلت إلى بلال، فقالت: اذهب فانظر ما ردَّه عن بابي؟ فأتاه فأخبره، فقال: {إنّي رأيتها صنعت ثمة كذا وكذا، فأتاها فأخبرها، فهتكت الستر وكل شيء أحدثته، وألقت ما عليها، ولبست أطمارها، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فجاء حتى دخل عليها، فقال: كذلك كوني فداك أبي وأمي}([79][79]).

2- {عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء إلى منزل فاطمة عليها السلام فرجع ولم يدخل، وجاء عليٌّ عليه السلام فذكرت ذلك له، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني رأيت على بابها ستراً ومالي وللدنيا، قال: وكان الستر موشياً، قال: فذكر ذلك علي لفاطمة عليهما السلام، فقالت: يأمرني بما أحب، فذكر ذلك علي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ابعثوا به إلى آل فلان، فإن بهم إليه حاجة}([80][80]).

3- {عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر كان آخر عهده من أهله بفاطمة عليها السلام، وأول من يدخل عليها إذا قدم، فقدم من غزاة، وقد علَّقت مسحاً أو ستراً على بابها، وحَلََّت الحسن والحسين عليهما السلام قلبين([81][81]) من فضة، فقبض ولم يدخل، فظنت أنه إنما منعه أن يدخل ما رأى، فهتكتْ الستر وفككتْ القلبين عن الصبيين، فبكيا وقطعته بينهما، فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهما يبكيان، فأخذهما منهما فقال: يا ثوبان، اذهب بهذا إلى فلان أو إلى أبي فلان- قال: أهل بيت بالمدينة- إنَّ هؤلاء أهل بيتي أكره أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادة من عصب، وسوَارَيْن من عاج}([82][82]).

هذه الطبيعة النبوية- التي يشارك فيها جميع الأنبياء- تتجلى في كلامه الذي أُثِرَ عنه، والذي جاء فيه: {إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة}([83][83]).

ولم يكتف بهذا فقط، بل آثر حياة الزهد والقناعة، والبذل والإيثار لأهله وآله إلى يوم القيامة، وجعل ذلك دعاء من الله لهم، فكان دعاؤه: {اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً}([84][84]).

النجاة والرقي في الإسلام يتوقفان على الكفاءة الذاتية، والسعي الشخصي:

هل كان يمكن في مثل هذه الحالة أن يهيِّء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسبابَ دولةٍ وراثية أو حكومة شخصية لأفراد أسرته وأقربائه، ويجعل الخلافة والإمامة([85][85]) محدودةً محفوظةً فيما بينهم([86][86]). والواقع أنه كان من المناسب جداً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل ميدان العلم والعمل والسعي والجهد مفتوحاً، للحدب على عمومية الدين والإبقاء على مبادىء الإسلام للمساواة الإنسانية والإعلان الواضح عن مقياس الكرامة والفضيلة في قوله تعالى: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) [الحجرات:13] ولتكافؤ الفرص لجميع أفراد الأمة المحمدية في كل زمان للتوصُّل إلى أسمى المنازل الروحانية والمناصب الدنيوية، بفضل أعمالهم ومساعيهم وعلمهم وإخلاصهم، وبقدر مؤهلاتهم ولإثارة دفع العمل والسباق في الأمة، ويقرع أسماع الأمة النداء القرآني في كل زمان: ((وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ)) [آل عمران:133]، وقد بيَّنَ القرآن حقيقة أن نجاح الإنسان وسعادته وتقدمه، إنما يتوقف على سعيه الخاص الذي يبذله: ((وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى)) [النجم:39-41].

وَصرَّح بأنه لا يحمل أي شخص حمل غيره في الاَخرة، وكل شخص مسؤول عن عمله ((وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)) [الأنعام:164] وفي الحديث الذي رواه البخاري أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم سمى قبيلته الخاصة بني عبد مناف، وسمى أقربَ وأعزَّ أفراد أسرته بأسمائهم وقال: سلوني ما شئتم من مالي، ولا أغني عنكم من الله شيئاً([87][87])، يقول: {يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً، ويا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئاً}([88][88]).

بل إنه صلى الله عليه وآله وسلم ختم على هذا الواقع بقوله: {من بطَّأَ به عملُه لم يسرع به نسبه}([89][89]).

الحكم الإلهية العظيمة في ترتيب الخلفاء وفي معاملة الله تعالى مع أهل البيت:

ليس عندنا من مصادفات الزمان ولا نتيجة لمؤامرة أو تخطيط، أن يخلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته رجل من بني تيم بدلاً من أن يشغل هذا المنصب فرد من أفراد الأسرة النبوية- التي كانت تتمتع من غير شك بأوصاف وفضائل إنسانية عالية- وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي قام بأعباء الخلافة باختيار عام واستحسان من المسلمين، على أنه لم يكن من بني هاشم ولا من بني المطلب، ذلك لكي يتبيّن للناس ويرسخ في أذهانهم لأول وهلة، أنَّ الإسلام ليس نظاماً وراثياً ولا قضية عائلية، بل العبرة في الإمامة والخلافة بالكفاءة العملية، والخدمات، وباختيار المسلمين وقضائهم.

كما أنني لا أرى من حِكم المصادفات أو الاضطرار أن يوكل سادة أهل البيت وفضلاؤهم بعد ذلك إلى فضائلهم وسيرتهم وأخلاقهم وزهدهم وحميتهم الدينية وعزمهم الراسخ فيستحقون بذلك تعظيمَ الأمة المحمدية، ويتبوؤن منصب القيادة الدينية والإمامة العلمية، فقد كانت الأمة تقدم إليهم ضريبة الحب والإعجاب، ووفقهم الله سبحانه لنصرة الأمة الإسلامية في أحرج المناسبات عدة مرات، ووقفوا في وجوه أعداء الإسلام حرباً عليهم، ونفخوا في جسم المجتمع الإسلامي قوة وروحاً جديدة بروحانيتهم الصادقة وعزيمتهم الراسخة([90][90]): ((ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)) [الأنعام:96].

د. أبو محمد
22-03-2009, 06:04 PM
الشرط الرابع
أن يكون النبي ذاته هو مركز الهداية والقيادة

تعريف الأئمة وصفاتهم ينافي عقيدة وحدة النبي وختم النبوة:

أما الشرط الرابع الذي كنا قد اشترطناه للنبوة الدائمة والأمة الخالدة:

هو أن تكون شخصية الرسول هي مركز الهداية ومحور العلاقة القلبية، والتفويض العقلي للأمة، وأن يكون النبي هو مصدر التشريع، والمستحق لأن يطاع ويمتثل أمره، لا يشاركه في ذلك أحد من أفراد أمته، وقد أجاد الدكتور محمد إقبال- بمناسبة انتقاده للقاديانية- حين قال: "إنا نؤمن يقيناً بأنَّ الإسلام كدين نزل من عند الله سبحانه وتعالى، ولكن الإسلام كمجتمع أو أمة مدين للرسول صلى الله عليه وآله وسلم. إنَّ المسلمين مرهفو المثمعور بإزاء الحركات التي تشكل خطراً لوحدته، ذلك لأن الوحدة الإسلامية إنما تتدعم بعقيدة (ختم النبوة)([108][108]).

مقتطفات تلقي الضوء على عقائد القرقة الإمامية:

والآن يحسن بنا أن نلقي نظرة على معتقدات فرقة الاثني عشرية ومبادئها التي ننقلها ملتقطة من كتابهم (أصول الكافي)([109][109]).

هذه الفرقة ترى أن خليفة الرسول والخليفة والإمام أيضاً، قد تمَّ تعيينهم من عند الله، وهم كالنبي معصومون ومفترَضوا الطاعة، وأنَّ منزلتهم تساوي منزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتفوق منزلة الأنبياء الآخرين، إنّ حجة الله لا تقوم على خلقه بدون الإمام، وإنَّ هذا لا يتم ما لم يُعلم به، إنَّ الدنيا لا تقوم من دون الإمام، إنَّ معرفة الأئمة شرط للإيمان، وإنَّ طاعة الأئمة واجبة كطاعة الرسل، إنَّ الأئمة لهم الخيار في تحليل الأشياء وتحريمها، وإنهم معصومون مثل الأنبياء، إنّ المؤمن بالأئمة المعصومين من أهل الجنة وإن كان ظالماً وفاسقاً وفاجراً، إنَّ درجة الأئمة كدرجة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأرفع من جميع الخلق ومن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لقد كان الأئمة يتمتعون بعلم (ما كان وما يكون)، تُعرض على الأئمة أعمال العباد في ليلهم ونهارهم، إنَّ الملائكة تتردد إلى الأئمة ليلَ نهار، وفي ليلة كل جمعة يكرمون بالمعراج، وعلى الأئمة ينزل كتابٌ من عند الله كل عام في ليلة القدر، الموت يكون في سلطتهم، وإنهم يملكون الدنيا والآخرة فأعطوا من شاؤوا ما شاؤوا.

ولقد استنبط المحققون من غير المسلمين نفس هذا المفهوم من تصور الإمامة المذكور، فهذا البطريق هوجيس (Patrick Hugec) يقول: "إنَّ الشيعة إنما يخلعون على الأئمة صفات الله تعالى"([110][110]).

ومحقق آخر (ايوانو) (W. Ivaow) يقول: "إن استمرار ضوء الإمامة في العالم بصفة دائم، إنما يمنح النبوة مكانة جانبية"([111][111]) ويتحدث المحقق (فيليب ك حتي) (Phillip K. Hitti) عن إمامة الشيعة، فيقول: "إنَّ نبي الإسلام كان قد جعل الوحي -أي القرآن- واسطة بين الله والإنسان، ولكن الشيعة حوّلوا هذه الواسطة إلى شكل الإنسان يعني الإمام، ولقد زاد الشيعة في كلمة الإيمان (آمنت بالله وآمنت بالقرآن الذي ليس مخلوقاً)، كلمة أخرى وهي: (إنني آمنت بالإمام الذي اختاره الله تعالى وهو يشارك صفات الألوهية وهو منقذ للإنسانية)([112][112]).

إيران القديمة وعكس معتقداتها:

إنَّ عقيدة الإمامة المغالية التي ذكرناها والتي تصل حدودها وأبعادها إلى تقديس السلالات والبيوتات وتأليهها، تنعكس عليها معتقدات إيران القديمة، فقد كانت السيادة والقيادة الدينية والحكم في قبيلة (ميديا) ثم انتقلت هذه الزعامة إلى قبيلة (المغان) منذ غلبة الديانة الزردشتية وتأثيرها على إيران، وكان الفرس يعتقدون في طبقة الكهنوت (Priest Class) أنهم ظل الإله على الأرض، ولم يخلقوا إلا لخدمة الآلهة، ولا بد للحاكم أن يكون من هذه القبيلة، فإنَّ ذات الإله تَتَجسَّم فيه، وإنَّ منصب الإشراف على بيت النار وتنظيمه حق يختص بهذه القبيلة وحدها([113][113]).

يقول الدكتور أحمد أمين، وهو يتحدث عن معتقدات الشيعة في أئمتهم في كتابه الشهير (ضحى الإسلام) في الجزء الثالث: "وتشيَّع قوم من الفرس خاصة، لأنهم مرنوا أيام الحكم الفارسي على تعظيم البيت المالك وتقديسه، وكأنَّ دم الملوك ليس من جنس دم الشعب، فلما دخلوا في الإسلام نظروا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم نظرة كسروية، ونظروا إلى أهل بيته نظرتهم إلى البيت المالك، فإذا مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأحق الناس بالخلافة أهل بيته"([114][114]).

عقيدة الإمام الغائب:
إنَّ معتقدات الشيعة المغالية عن الإمامة والأئمة، تتكفل بالبلوغ بهم إلى درجة المشاركة في النبوة، ومنها إلى المشاركة في الألوهية، وتعتبرهم شخصيات تفوق البشر أجمعين.

أما عقيدتهم عن الإمام الغائب الثاني عشر، فقد بلغت الذروة في الخيال والتطرف، إنَّ عقيدة ولادته وغيبته وحياته وهدايته، في غنى عن العقل والقياس وقانون التكوين والتشريع الذي سنَّه الله، إنَّهم يعتقدون أنَّ الإمام الحادي عشر الإمام الحسن العسكري، قد تغيّب ابنه قبل وفاته بعشرة أيام بجميع ما ورثه عن أسرته وأسباب الإمامة التي كانت عنده، واختفى في غار (سُرَّ مَنْ رأى) حيث لا يزال هو على قيد الحياة، وسيبقى حياً إلى يوم القيامة ومختفياً فيه، وسيخرج من الغار في الوقت المناسب، ويحكم على العالم كله([115][115]).

ولم ينته الأمر بهذا، بل إن هذا الإمام الغائب له غيبة صغرى، كان يتردَّد إليه خلال ذلك سفراؤه ورسله بطريق سري، ثم انقطعت هذه السلسلة، وقيل إنَّ مدة الغيبة الصغرى انقضت وابتدأت مع انقضائها عهد الغيبة الكبرى، التي لا يمكن أن يصل إليه أحد فيها ما لم يتم ظهور صاحب الزمان([116][116])،

مذهب الخميني وعقيدته في الأئمة:
لعل هنا من يفكر في نفسه ويقول: إن ما ظهر من فرقة الاتني عشرية من غلوٍّ وتطرف، إنما يرجع إلى ما قبل عصر العلم والتحقيق والفكر والدراسة، وقبل ارتباطهم بالعالم الإسلامي وجماعة المسلمين، وقبل انطلاق دعوتهم العامة إلى الثورة الإسلامية وحينما كانوا يعيشون في نطاقهم المحدود، أما الاَن فلا يستطيع شخص مثقف من الشيعة ممن يكون مطلعاً على روح الإسلام ومقاصده، وداعية إلى الإسلام، ومتألماً للوضع الذي تعيش فيه الأمة الإسلامية، أن يعتقد بمثل هذه المعتقدات التي لا يكاد يصدقها العقل.

ولكننا نقدم إلى القارىء الكريم عبارة من كتاب الخميني (الحكومة الإسلامية) تحت عنوان: (الولاية التكوينية) ننقلها هنا بنصها: "فإنَّ للأئمة مقاماً محموداً ودرجةً ساميةً وخلافةً تكوينية، تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، وإنَّ من ضرورات مذهبنا أنَّ لأئمتنا مقاماً لا يبلغه مَلَكٌ مُقَرَّب، ولا نبيٌّ مرسل، وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث، فإن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة (عليهم السلام) كانوا قبل هذا العالم أنواراً فجعلهم الله بعرشه محدقين، وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما لا يعلمه إلا الله"([117][117]).

وقد ثبت أنَّ الخميني يعتقد بالإمام الغائب وظهوره كما يعتقد به غيره من علماء الفرقة الاثني عشرية ومؤلفيهم، بل إنه يرى أن الإمام الغائب وإن كان قد مضى على تغيبه أكثر من ألف عام، ولكن يمكن أن يمر عليه هكذا مزيد من آلاف السنين([118][118]).

رأي شيخ الإسلام الإمام أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي في عقيدة الإمامة:

ونظراً إلى هذه المعتقدات الشركية عن الإمامة، يبدو أن ما توصل إليه الإمام أحمد بن عبدالرحيم الدهلوي المعروف بولي الله الدهلوي([119][119]) (م 1176هـ) من نتيجة وحكم على هذا المذهب، إنما هو واقع صحيح، يقول:

"إنَّ بطلان الإمامية يعرف من لفظ الإمام، فإنَّ الإمام عندهم هو المعصوم، المفترض الطاعة، الموحى إليه وحياً باطنياً، وهذا هو معنى النبي، فمذهبهم يستلزم إنكار النبوة"([120][120]).

الشمس المشرقة للعالم واحدة وما عداها فذرات مستنيرة بنورها: أما شخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلا يكفينا أن نتصل به اتصالاً قانونياً فحسب، بل المطلوب منا أن نرتبط به ارتباطاً روحياً وعاطفياً، ونحبه حباً خالصاً عميقاً يفوق كل حب للمال والنفس، والأهل والأولاد، ولا تشارك في ذلك أي شخصية بعد ذات الله تعالى -وإن كان من كبار الأولياء، أو من الرجال الكاملين، أو فرداً عظيماً من أفراد أهل البيت-.

إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم شمسٌ مشرقةٌ للعالم كلِّه، وكل من عداه سواء كان من الصحابة الكرام أو المجدِّدين، أو مؤسسي الحكومات والممالك أو قادة الثورات، فهو ذرة تستنير بنور هذه الشمس المشرقة وتنير، وهو تراب يتحول إلى إكسير، وحديد ينقلب (حجر الفلاسفة)، وهو أحق وأجدر بالوصف الذي جاء في بيتين عربيين قديمين:

ألا إن وادي الجذع أضحى ترابه من المسك كافوراً وأعواده رندا
وما ذاك إلا أن هنداً عشية تمشت وجرت في جوانبه بردا

بين تكلف المديح النبوي وارتجال مناقب أهل البيت والأئمة، عند الشيعة:

ولكن هذه المعتقدات عن الإمام والأئمة لا تعارض الإعجابَ والحبَّ للنبي فحسب، بل إنها تضاده وتتصادم معه، فكانت النتيجة الطبيعية والنفسية أن الشيعه لم يتمكنوا من تأليف كتاب قويٍّ مؤثَر في السيرة النبوية، ولم يُوفَّق شعراؤهم النابغون إلى نظم نبويات قوية مؤثرة، ومدائح نبوية تتجلى فيها العاطفة القلبية في المديح الشعري للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، تتدفق فيها القريحة الوقادة، كما نرى ذلك في شعر المراثي ومناقب أهل البيت وتصوير ما حدث في كربلاء، بأسلوب ساحر وشاعرية بليغة، ولم ينبغ فيهم شاعر للمديح يضاهي شعراء الهند الذين علا كعبهم في شعر المديح، دع عنك شعراءَ الفارسية في المديح النبوي مثل القدسي والجامي، وهذا ما يقتضيه القياس، وهي قضية معلومة، ومن المناسب في هذه المناسبة أن أنقل ما قلته في رحلتي إلى إيران، في كتاب (من نهر كابل إلى نهر اليرموك):

"إننا شعرنا في كل مجتمع ينتمي إلى الطريقة الإمامية أنَّ الصلة العاطفية والحماس الداخلي في حب أهل البيت وتعظيم الأئمة -الذين كانوا أئمة الهدى ومصابيح الدجى، لا يشك في ذلك مسلم- كاد يشغل كل فراغ في النفس والعاطفة، والعقل والضمير، ويخشى أن يكون قد أخذ الشيء الكثير من حق النبوة التي هي مصدر كل خير وسعادة، ومن شخصية الرسول الأعظم الذي نال به أهل البيت الشرف، واستحقوا الحبَّ والتعظيم، وأنه نما وازدهر على حساب الصلة العميقة التي يجب أن تكون بين المسلم ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد ظهر ذلك الأثر في الشعر الذي قاله شعراء إيران في مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيما قالوا في مناقب أهل البيت، وخاصة في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وسيدنا الحسين بن علي، فيفوق الثاني الأولَ في قوة العاطفة والتعبير عن القلب، والقدرة الشعرية وفيض الخاطر وتدفق القريحة، لمسنا هذا الفرق في الشعر الذي قاله شعراء أردو في الهند من إخواننا الجعفريين والشعر الذي قالوه في المديح النبوي، ولمسناه في الشعر الفارسي، ورأينا هذا الفرق في الكتب التي أُلِّفَتْ في السيرة النبوية وفي مناقب أهل البيت كماً وكيفاً، ورأيناه في الفرق الواسع بين العناية بالمشاهد والعناية بالمساجد، وبين الشوق إلى السفر إلى النجف، وكربلاء و(العتبات العاليات) والسفر إلى الحرمين الشريفين([121][121]).

إنني أعترف بأنه لا يخلو من رد فعل لما وقع من بعض علماء أهل السنة والمتحمسين من هذه الفرقة في بعض العصور والأوساط من التقصير في التنويه بفضل أهل البيت وما لهم من حقوق على المسلمين، ولكنه أكثر من رد فعل، وعلى كل فقد اتجه تيار الحب والحماسة الدينية والعاطفة الفياضة إلى هذا المركز الروحي، وأحاطت به هالات التقديس، وأهيلت عليه نعوت وصفات، أخشى أن تكون قد جعلت الإمامة منافسة للنبوّة أو مشاركة لها في كثير من الصفات"([122][122]).

صورة مهينة ومثبطة لكبار أهل البيت:

بالرغم من هذه المعتقدات والتصريحات المغالية نحو أئمة أهل البيت، التي تقرر أنهم أناس فوق البشر، وتخلع عليهم من بعض النواحي صفات الألوهية، تصورهم كتب الشيعة بما يشير أنهم كانوا فاقدي الشجاعة والجراءة في إظهار الحق، بما فيهم أسد الله علي بن أبي طالب رضي الله عنه- والعياذ بالله-، وأنهم كانوا يعيشون في جزع من المخاوف والأخطار ويتبعون سياسة المصالح وإخفاء الحق، ويعتمدون على سلاح (التقِئة) لا كوسيلة مؤقتة وسلاح شخصي، بل باعتبارها عبادة وذريعة للتقرُّب إلى الله تعالى([123][123])، وهم يستغلون هذا السلاح في مناسبة وغير مناسبة، ويبعدون الأمه المحمدية عن تعاليم النبوة الحقيقية كما أنهم يحرمون الدين العِزَّة والغَلَبة بمواجهة بعض الأخطار في سبيل ذلك، إنَّ صورة هؤلاء الأئمة العظام التي تصورها الكتب التي أُلِّفت في مناقبهم وفضائلهم -أعاذهم الله تعالى- لا تختلف إطلاقاً عن صورة الماسونية (Free Masons) وجمعية إخوان الصفا([124][124])، وصورة المنظمات السرية (Underground Organizations) التي توجد في بلاد ودول مختلفة، ولا تثور في النفس بدراستها والاطلاع عليها روح الطموح والعزيمة، والمغامرة والمخاطرة لنشر الدين وتغليب الإسلام، تلك الروح الغالية التي غيَّرت مجرى التاريخ والأحداث في عهود مظلمة متعددة وأوضاع شعاذة خلال أربعة عشر قرناً من تاريخ الإسلام، وأرغمت التاريخ على أن ينحو نحواً جديداً.

وبالعكس من ذلك فإنَّ الروايات التاريخية الكثيرة تدل على علو هِمَّة أفرادِ أهلِ البيت الكبار، وأخذِهم بالعزيمة، وحرصهم الشديد على اجتماع كلمة المسلمين وانتظام شملهم، ومما يدل على ذلك ما روي عن البابكي([125][125]) أحد أصحاب زيد بن علي، قال خرجنا مع زيد بن علي إلى مكة، فلما كان نصف الليل واستقرت الثريا، فقال: يا بابكي أما ترى هذه الثريا، أترى أحداً ينالها؟ قلت: لا! قال: والله لوددت أن يدي ملصقة بها فأقع إلى الأرض أو حيث أقع، فأنقطع قطعة قطعة، وأنَّ الله أصلح بين أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم([126][126]).

يصور الكتَّاب الإماميون والمتشيعون لهم سادةَ أهل البيت كأنهم لا همَّ لهم في الحياة ولا شغل، إلا انتزاع الخلافة من أيدي المغتصبين لها، ومحندهم غيظ من وقوعها في أيدي الغاصبين الظالمين، وقد أصبح ذلك الشغل الشاغل لهم والخاطر المستولي على أعصابهم وتفكيرهم، لا شأن لهم بالمجتمع الإسلامي المعاصر الذي تكوَّن بجهود جدهم- صلوات الله وسلامه عليه- ودعوته وتربيته، وبهدايته وتوجيهه الديني، ولا شأن لهم بالعبادة والزهادة والإرشاد إلى طرائق الحق، ودعوة الخلق إلى الله.
ولكنَّ التاريخ الذي لم يصطبغ بصبغة طائفية يصورهم تصويراً أجمل وأجدر بمكانتهم في الدين وشرف الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسباً واقتداءً، وهنالك مقتطفات مما جاء في وصف سيدنا جعفر الصادق ابن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم.

يقول المؤرخون:

"قد اتََّصف الإمام الصادق التقي بنبل المقصد وسمو الغاية، والتجرد في طلب الحقيقة من كل هوى، أو عَرَض من أعراض الدنيا، فما طلب أمراً دنيوياً، وما طلب أمراً تشوبه الشهوات أو تحفُّ به الشبهات، بل طلب الحقائق النيِّرة الواضحة وطلب الحق، لا يبغي به بديلاً"([127][127]).

ويصف الإمام مالك حاله فيقول:

"كنت آتي جعفر بن محمد وكان كثير التبسم، فإذا ذكر عنده النبي اخضر واصفر، ولقد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلا على إحدى ثلاث خصال: إما مصلياً، وإما صائماً، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته قط يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا على طهارة، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العُبَّاد الزهاد الذين يخشون الله"([128][128]).

روي أن الإمام جعفراً الصادق قال: "إياكم والخصومة في الدين، فإنها تحدث الشك وتورث النفاق" ورويت هذه الكلمة مسندة إلى أبيه الإمام محمد باقر([129][129]).

هذه الأخباروغيرها مما يشبهها كثير، هي في جملتها تومئ إلى أنَّ الإمام الصادق ما كان يتجه إلى الانتفاض على الحكام، لأنه لا يعتقد أنها تؤدي إلى إقامة الحق وخفض الباطل إذ إنَّ الأهواء قد تحكمت([130][130]). إنَّ سادةَ أهلِ البيت وكبراءَهم قد اتَّصفوا بكبر النفس وعلو الهمة واشتغالٍ بمعالي الأمور دون سفسافها، وبقوة الشكيمة ورباطة الجأش، وإيثار اليد العليا على اليد السفلى، وكانوا في سعة الحلم وبعد الأناة كالجبال الراسيات، فإذا جَدَّ الجَدُّ وكان لا بد من خوض المعركة، ثاروا كالليوث، يصدق عليهم ما قاله الشاعر الأموي الحطيئة (م 59) بدلاً ممن قال فيه هذا الشعر البليغ الذي يستحق أن يُعد من غرر المديح ودرره في الشعر العربي:

يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها وإن غضبوا جاء الحفيظة والحد
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البِنَا وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شَدُّوا
وإنْ كانت النَّعماء فيهم جزوا بها وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
مطاعين في الهيجا مكاشيفُ للدجى بنى لهم آباؤهم وبنى الجد

سيرة أهل البيت وسلوكهم في مرآة التاريخ:

إنَّ أعضاء الأسرة النبوية وأهل البيت الكرام، وفي مقدمتهم وعلى رأسهم سيدنا علي المرتضى رضي الله عنه وأولاده الأماجد، إنما كانوا غيارى أشد الغيرة في الرَّحِم الذي كان يصلهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما كانوا يستغلون هذه النسبة لمصالح دنيوية شأن أبناء أسر الزعماء الدينيين في الديانات والأمم الأخرى، ممن ينالون تقديساً زائداً في كل حال، ويعاملون من أتباعهم كشخصيات تفوق البشر، وكانوا بعيدين كلّ البعد عن كسب حطام الدنيا بأسمائهم، وبناء قصور الفخر على عظامهم، وما تتحدث عنه كتب التاريخ والسيرة من حكايات لإبائهم واستغنائهم وعزة نفسهم، يُصوّر سيرتهم وسلوكهم تصويراً يختلف تماماً عن سيرة الطبقة المحترفة بالدين -من البراهمة والكهنة- في الديانات والملل الأخرى، فإنها تعتبر ذات قدسية وعظمة عن طريق الولادة، فهي لا تحتاج لكسب المعاش، وتحقيق حاجات الحياة إلى بذل شيء من الجهد والسعي، ونقدِّم فيما يلي بعضَ الوقائع من هذا النوع لكي يمكن تقدير مكانةِ أهلِ البيت وسيرتهم المشرقة:

"دخل سيدنا الحسن بنُ علي رضي الله عنهما السوقَ لحاجة يقضيها، فساوم صاحب دكان في سلعة فأخبره بالسعر العام، ثم علم أنه الحسن بن علي رضي الله عنه سِبْطُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنقص في السعر إجلالاً له وإكراماً، ولكنَّ الحسنَ بن علي رضي الله عنهما لم يقبل منه ذلك وترك الحاجة وقال: إنني لا أرضى أن أستفيد من مكانتي من رسول لله صلى الله عليه وآله وسلم في شيء تافه.

ويقول جويرية بن أسماء- وهو من أخصِّ خدم سيدنا علي بن الحسين المعروف بزين العابدين- "ما أكلَ عليُّ بن الحسين بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم درهماً قط"([131][131])، وكان إذا سافر كَتَم نفسه، فقيل له في ذلك، فقال: أنا أكره أن آخذ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لا أعطي به"([132][132]).

إنَّ السادة أهل البيت وأولاد أسد الله علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وأحفاده إنما كانوا متحلين بالشهامة والشجاعة التي كانت شعار العترة النبوية، وإرث سيدنا علي المرتضى والحسين بن علي شهيد كربلاء، لقد كانوا عاملين بالعزيمة غير مبالين بأي مصيبة ومعاناة في سبيل إعلان الحق ومواجهة كل خطر لتوجيه المسلمين الصحيح، وصيانة الدين عن كل تحريف.

إنَّ زيد بنَ علي بن الحسين خرج على الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بن مروان- وكانت حكومته أقوى وأعظم حكومة في عهده- وذلك في عام 122هـ، وانتصر على جيوش الحكومة المكثفة، وأكرم بالشهادة، ثم صلب، وظل مصلوباً إلى أربع سنين([133][133]).

وفي رجب عام 145هـ، خرج محمد بن عبدالله المحض ابن حسن المثنى ابن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، المعروف بذي النفس الزكية، على الخليفة العباسي المنصور في المدينة المنورة، كما رفع أخوه إبراهيم بن عبدالله رايةَ الجهاد ضد المنصور في البصرة في ذي الحجة عام 145هـ، وأفتى بالمبايعة له الإمامان الجليلان مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما، وتبرع الإمام أبو حنيفة بهدية مالية إعلاناً لنصرته وحمايته، جَرََّت فيما بعد إلى عتاب المنصور وعقابِه إياه([134][134]) وقد أكرم محمد بن عبدالله المحض ذو النفس الزكية بالشهادة الغالية في (15) رمضان (145هـ)، في موضع "أحجار الزيت" بالمدينة المنورة بشجاعةٍ نادرة وشهامة فائقة، وكذلك أخوه إبراهيم بن عبدالله استشهد في الكوفة في (24) ذي الحجة (145هـ).

ويبدو أنَ هؤلاء السادة الكرام لو لم يجر في عروقهم الدم الهاشمي لما قدروا بالكلية على رفع راية الجهاد ضد الخلفاء العباسيين الذين كانت تشمل دولتهم الرقعة الواسعة المتمدنة في آسيا وإفريقيا، وكان الإسلام يصل عن طريقهم إلى أقطار العالم البعيدة مع استِتْباب الأمن في مقر الخلافة وانتشار العلم الديني وتحقق جزء كبير من تعاليم الإسلام، فلمّا قدّروا ذلك تجنبوا إثارة أي اضطراب أو إهراق دم لا ينتج ثماراً يانعة في الظاهر- كمجهودات من سبقهم من آبائهم الكرام ذوي الجلادة والفتوة- لذلك فإن سكوتهم هذا واشتغالهم بقيادة المسلمين الدينية ونشاطهم في تربيتهم الخلقية والباطنية، لم يكن مؤسساً على تساهل أو انزواء إلى الدعة والراحة، ولا على العمل بأصول (التقيَّة) التي نُسبت إلى هذه الشخصيات العملاقة، والتي قد مر بعض تفاصيلها في الصفحات الماضية.

ويحسن أن ننقل هنا ما قد جاء بمناسبهّ بيان هذه الحقيقة التاريخية في الجزء الأول من كتابنا (رجال الفكر والدعوة في الإسلام):

"يجب أن لا ننسى أن الدين كان لا يزال له السلطان الروحي والمكانة الأولى في قلوب الناس حتى في هدا العصر- عصر بني أمية وبني العباس- وكان الجمهور من الناس ينظر بإجلال إلى العلماء وإلى أصحاب الدين والاستقامة والخلق، ومن أُنِسَ فيهم الزهد في حطام الدنيا والابتعاد عن أصحاب الحكم والسلطان وعفافاً وقناعة وترفعاً عن المطامع والمناصب، واشتغالاً بالدعوة إلى الله، ونشرِ العلم، والنصح لله ولرسوله ولعامة المسلمين.

وكانوا أعزَّ وأكرم عند الجمهور من كثير من أصحاب الجاه والنفوذ والثروة، وحتى من الخلفاء والأمراء في بعض الأحيان، ويمكن أن يقال: إنَّ نفوذ الخلفاء والأمراء كان محصوراً في دائرة خاصة هي الدائرة السياسية، ودائرة الطبقة التي تسمى في هذا العصر (الطبقة الارستقراطية)، أما خارج هذه الدائرة وفي ما عدا هذا الوسط فكان يسود فيه أهل الصلاح والعلم وأهل الزهد والتقوى والصالحون والعلماء من أبناء الصحابة والسادة من أهل البيت النبوي، فإذا اجتمع من يمثِّل هذه الطبقة الصالحة من سادات التابعين وأهل العلم والدين، ومن يمثل الحكومة والإمارة والجاه والسلطان، غلب سلطان الدين والسلطان الروحي على سلطان السياسة والحكم.

يمثل ذلك أجمل تمثيل ما وقع لهشام بن عبد الملك يوم كان ولي العهد، مع سيدنا علي بن الحسين المعروف بزين العابدين، فقد روى المؤرخون: أن هشام بن عبد الملك حج في أيام أبيه وطاف وجهد أن يصل إلى الحجر ليستلمه فلم يقدر عليه لكثرة الزحام، فَنُصِبَ له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس، ومعه جماعة من أعيان أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وكان من أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم أرجاً، فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحّى له الناس حتى استلم، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام فيملِّكوه، وكان الفرزدق حاضراً فقال: أنا أعرفه، فقال الشامي: مَنْ هو يا أبا فراس؟ فقال قصيدته السائرة التي مطلعها([135][135]):

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
وهذه القصة وإن كانت بسيطة في الظاهر، تدل على ما كان يتمتع به أهل الفضل والدين، ورجال الأسرة النبوية وسادات التابعين، من النفوذ والإجلال، وقد كان لسيدنا الحسن المثنى ابن الحسن بن علي بن أبي طالب، وابنه عبدالله المحض، وسالم بن عبدالله بن عمر، وقاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، مكانة مرموقة، ومنزلة عالية في قلوب الناس، وتأثير كبير لما يقولونه([136][136])، وكان لهذه المكانة ولهذا النفوذ الروحي، ولهذا الإجلال والحب العميق الذي يدين به الشعب لهم سلطان يحفظ على الشعب جلال الدين ومهابته، ويمنعه من الاندفاع المتهور إلى الترف الفاحش، والحياة الجاهلية السافرة، والجهر بالمعاصي والمنكرات([137][137]).

د. أبو محمد
22-03-2009, 06:13 PM
صُورتان مُتضادتان
للإسلام والمسلمين في العهد الإسلامي الأوّل

كيف كان عهد الإسلام المثالي الأول؟ وما هي النتائج العملية لتعليم أعظم الأنبياء وآخرهم صلى الله عليه وآله وسلم وتربيته؟ وكيف كانت سيرة أولئك الرجال الذين كانوا قد تربوا في أحضان النبوة ومدرستها؟ هل كانت سيرتهم تتميز عن سيرة مؤسسي الحكومات الشخصية والطامعين في السلطة أم لا؟ كيف كان شأنهم مع قراباتهم، وكيف كان عمل هذه القرابات نفسها في استغلال شخصيتها العظيمة والمقدسة، كيف تتجلى سيرة أهل البيت ومنهجهم في دعوتهم إلى الدين وإعلان الحقيقة والصدق، وفي العمل بالعزيمة؟ ثم كيف كان وضع علاقات هذه الطائفة من المسلمين الأولين، وتلاميذ مدرسة النبوة فيما بينهم (بجميع من سعدوا بصحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين يعرفون بالصحابه، وأعضاء أسرته الذين

يلقبون بلقب أهل البيت) والذين تولوا زمام الخلافة والسلطة في هذا العهد المثالي (وهم الخلفاء الراشدون) كيف كانت حياتهم في ضوء التاريخ الموثوق به، ومعاملتهم مع خَلق الله تبارك وتعالى في حدود حكوماتهم الواسعة، وكيف كان مستوى معيشتهم في الحياة المنزلية والشخصية مع توافر السلطة الشاملة، واتساع الإمكانيات، ووسائل الرفاهية والراحة والترف؟ وما حقيقة صحة الصحيفة السماوية التي يقوم عليها أساس الدين بكاملها، ومدى صحتها؟.

في ضوء الردود على هذه الأسئلة تتمثل أمام الأعين صورتان متضادتان متوازيتان عرضناهما في الصفحات السالفة، فهناك صورة تتمنْل للعالم في ضوء عقائد أهل السنة، وصورة ثانية تتركب بعقائد الفرقة الإمامية الاثني عشرية وتصريحاتها، ومن تصورها الخاص للإسلام، وتفسيرها لتاريخ الإسلام، وشرحها للدين، وكلتا هاتين الصورتين متنافرتان ومتعارضتان.

والآن نترك الحكمَ للعقل السليم، فكلُّ من رزقه الله سلامةَ العقل، وجدارةَ الإنصاف، والفرصةَ المواتيةَ للاطلاع على التاريخ الإنساني، يستطيع أن يحكم بكل سهولة في الصورة التي تصلح للدين وتتفق معه، ذلك الدين الذي أرسله الله إلى العالم كافة، رحمة وهداية للناس، والذي يدّعى أنه صالح للعمل به في كل زمان وتظهر منه نتائج باهرة لحياة الإنسان، ذلك الدين الذي يعتقد ويعلن أنَّ النبي الذي حمله إلى العالم كتب له أكبر نجاح في مجهوداته بالنسبة إلى غيره، وكان عهده في تاريخ هذا الدين ودعوته أسعد وأزهر من كل عهد آخر -وينبغي أن يكون كذلك في ضوء العقل والنقل- وأي صورة تكون أفضل وأنفع وأعظم مفخرة للإنسانية: التي يزخر تاريخها في معظم الأحوال بالتطلع إلى أسباب الأكل والشرب، والترف والنعمة والقتال في سبيل أغراض شخصية وقومية والسعي وراء الفوز بالسلطة والحكم، ثم استغلالها في خدمة مصالحها ومصالح أتباعها؟

وإن الإسلام في عهده الأول لم تقم فيه حياة الأفراد فحسب على أسس المبادىء الثابتة والهداية العامة والسعادة البشرية، بل إن مجتمعاً إنسانياً بأسره، والمدنية ونظام الحكم وأسلوب الحياة، كل ذلك قام على هذه الأسس وكان تاريخه تصديقاً لما قاله الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز في إحدى المناسبات: "إن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إنما بُعث هادياً ولم يبعث جابياً"([138][138])

بالعكس من ذلك فإنَّ صورة المسلمين الأولين التي تبرز للعيون في ضوء معتقدات الفرقة الإمامية وتصريحاتها تثير تساؤلاً في نفس كل مثقف ذكي بحق، وهو: أنَّ الدعوة الإسلامية إذا لم تتمكن من التأثير العميق في الحياة أيام ازدهارها على يد داعيتها الأعظم، وإذا كان المؤمنون بهذه الدعوة لم يستطيعوا البقاء على الجادة القويمة، ولم يعودوا أوفياء لدعوة نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم مع وفاته وذهابه إلى الرفيق الأعلى، ولم يبق على الصراط المستقيم الذي ترك عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتباعه، إلا أربعة معدودة فقط، فكيف نسلِّم أنَّ هذا الدين يصلح لتزكية النفس الإنسانية، وتهذيب الأخلاق، وأنه يستطيع أن ينقذ الإنسان من الهمجية والشقاء، ويرفعه إلى قمة الإنسانية؟

هَبْ أن ممثلاً للإسلام يلقى محاضرة بليغة ساحرة في صدق الإسلام في أي عاصمة غربية أو بلد غير مسلم، وفي خلال المحاضرة يقوم رجل ويقاطعه قائلاً: عليك بنفسك ودينك أولاً أيها الرجل فتفقدهما في ضوء التاريخ، فما دامت نتيجة مجهودات نبيكم المضنية في سبيل هذا الدين التي دامت ثلاثاً وعشرين سنة أن اهتدى إلى طريقه أربعة أو خمسة أشخاص فحسب ممن ظلوا قائمين بالدين، فكيف يسوغ لكم أن توجهوا دعوة الإسلام إلى غير المسلمين وماذا يضمن ثباتهم واستقامتهم إذا أسلموا؟.

هل يمكننا أن نرد على هذا السؤال؟.

استقامة الخميني على معتقدات الشيعة وإظهارها، والدعوة إليها جهاراً:

ولما قام الخميني بالدعوة الإسلامية قبل أعوام عديدة وأسّسَ الحكومة الإسلامية كما يزعم - بقلب نظام المملكَة البهلوية- وبدأ بها عهداً جديداً، توقع الناس- وقد توافرت لذلك علامات ودلائل- أنه لكي تعم دعوته ويكسب إعجاب الناس وقبولهم سوف لا يفتح صفحات تاريخ الخلافات المستمرة القديمة بين الشيعة والسنة، وإذا لم يتمكن من سحبها من كتابه فلن يفتحها من جديد على أقل تقدير، وكانوا يتوقعون أنه إذا كان لا يستطيع أن يعلن براءَته من معتقدات الفرقة الإمامية نظراً إلى مصالح سياسية أو محلية، فعلى أقل تقدير لا يقوم بإعلانها وإظهارها، بل كان يتوقع من زعيم ديني جريء شجاع مثله- الذي استطاع بجراءته وبصرف النظر عن العواقب والنتائج، وبخطابته وتصريحاته الساحرة، أن يطيح بعرش المملكة البهلوية التي عرف العالم وفرة قواتها وتدبيراتها الهائلة لتوطيد دعائمها -أن لا يتأخر- على أساس دراسته، وفكره العميق توخياً لتوحيد صفوف المسلمين ومن أجل جراءته الخلقية- في إعلان الحق، وأنه لا مجال الاَن لهذه المعتقدات ولا حاجة إليها، المعتقدات التي تزعزع أساس الإسلام، وتنال من سمعته وقيمته في العالم والتي هي عائق كبير في سبيل توجيه دعوة الإسلام إلى غير المسلمين، تلك المعتقدات التي أنتجتها مؤامرة خطيرة مناوئة للإسلام منذ القرن الأول وعهد الصحابة، والتي تحققت نتيجة لدافع أخذ الثأر للإمبراطورية الفارسية القائمة من قرون طويلة، بادت على أيدي العرب المسلمين، وكان المعقول أن يقول بصراحة: يجب علينا أن نتناسى الماضي لإعادة سلطة الإسلام وقوته، ولإصلاح الأقطار الإسلامية وللقضاء على فساد المجتمع المسلم، حتى تبدأ صفحة جديدة، تتمثل فيها صورة الإسلام الماضية، والحاضرة المشرقة، وتُقْبِل شعوب العالم الأخرى على الإسلام.

ولكن بالعكس من جميع الآمال والآثار والدلائل، فقد تمثلت أمام الناس رسائله وكتبه وكتاباته الصادرة من قلمه، متحدثاً فيها بكل قوة وصراحة عن نفس تلك المعتقدات الشيعية، إن كتابه (الحكومة الإسلامية) أو (ولاية الفقيه) يتضمن أفكاراً عن الإمامة والأئمة ترفعهم إلى مكانة الألوهية، وتثبت أنَّ الأئمة أفضل من كل نبي وملك، وأن هذا الكون خاضع لهم وتابع لسلطتهم بطريق تكويني([139][139])، وكذلك كتابه الفارسي (كشف الأسرار) لا يتناول صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم- ولا سيما الخلفاء الثلاثة- بالجرح والنقد فحسب، بل ينطوي على كلمات السب والشتم الموجَّهة إليهم، والتي يمكن أن تطلق على جماعة ضالة مضللة فاجرة فاسقة، زائغة مزيغة ذات مؤامرات([140][140]) وكلا هذين الجانبين المتضادين يسايران دعوته، وليس ذلك كتعليمات سرية أو في صورة رسائل خاصة، إنما هو مطبوع ومنشور في الرسائل العامة.

الخميني: أنصاره والمعجبون به وصرف أنظارهم عن العقيدة:

إن هاتين الفكرتين للخميني (فكرته عن الإمامة والأئمة، وتوجيه الطعن والتهم الموجهة إلى الصحابة الكرام رضي الله عنهم) لم تعودا أمراً خافياً، بل إن رسائله هذه قد وُزِّعت في إيران وخارجها بعدد هائل يبلغ مئات الاَلاف، وبناءً على ذلك، فقد كان من المتوقع أن دعوته سوف لا تنال قَبولاً وإعجاباً في طبقة المسلمين السنيين، وهي الكثرة الغالبة في المسلمين، بل تُرفض رفضاً باتاً، خصوصاً بعد ما ثبتَ زيفُ معتقداته وأساسه ونقضه لعقيدة التوحيد الأساسية للأمة الإسلامية، وعقيدة المشاركة في النبوة (التي هي النتيجة الحتمية المنطقية لتعريف الإمامة وامتيازات الأئمة) وبعدما تحقق طعنه وتجريحه لشخصيات الصحابة الكرام رضي الله عنهم، الذين يحتلون أرفع محل في قلوب المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحب والتعظيم، وكان عهد حكمهم أمثل عهد وأفضل نموذج للحياة لا في تاريخ الإسلام فقط، بل في التاريخ الإنساني في العالم كله (في ضوء التاريخ الموثوق به، وعلى إجماع من شهادات المؤرخين المسلمين وغير المسلمين) كان من المتوقع أن لا يعتبر الخميني بعد ذلك كله حاملَ لواء الثورة الإسلامية ومؤسس الحكومة الإسلامية ومنشئها، والقائد المثالي لدى المسلمين السنيين على أقل تقدير، ولكن الذي يبعث على الأسف والاستغراب أن بعض أوساط المسلمين التي تحمل لواء الفكر الإسلامي وتتمنى للإسلام الازدهار والغلبه وتدعو إليه، أحلته محل (الإمام المنتظر)، وأبدت له من الإعجاب والحب ما بلغ إلى حدود العصبية، حيمث لا تحتملُ كلمةَ انتقاد له في أي حال، ولقد بلغت بنا التجربة والمشاهدة إلى تقدير أمرين:

أهمية العقيدة في الإسلام، والنتائج الخطيرة لصرف النظر عنها:

1- لم يعد مقياس المدح والذم والانتقاد والتقريظ في أوساط كثيرة، هو الكتاب والسنة، وأسوة السلف، وصحة العقائد والمذهب، بل إن إقامة حكومة مطلقة باسم الإسلام والفوز بالقوه، أو توجيه تحدٍّ إلى معسكر غربي، وإحداث العراقيل في طريقه، يكفي لمن يتولى ذلك أن يكون قائداً محبوباً ومثالياً.

2- تفقد العقيدةُ أهميتها لدى جيلنا الجديد المثقف إلى حدٍ خطير جداً، وذلك واقع يبعث على القلق والاضطراب، فإنَّ العقيدة هي الخط الفاصل بين دعوات الأنبياء ومقاصد مجهوداتهم وعواملها، وبين دعوات غيرهم، ومقاصد جهودهم، تلك العقيدة التي لا يرضى الأنبياء وخلفاؤهم بالمساومة أو التفاهم عليها بأكبر ثمن، إنَّ مقياس الرفض والقبول والاستحسان والاستهجان، وشروط الفصل والوصل عندهم هي العقيدة، وهذا الدين الذي لا يزال موجوداً بصورته الأصيلة- على الرغم من ضعف المسلمين- إنما هو مدين في بقائه واستمراره للاستقامة والصلابة والحمية والغيرة في شأن العقيدة، فإنَّ حملة الدين ودعاته لم يستسلموا في هذا المجال أمام أي قوة أو جبروت أو إمبراطورية واسعة، ولم يرضوا بالسكوت على عقيدة أو دعوى خاطئة فضلاً عن أن يكونوا قد قبلوها أو وافقوا عليها لمصلحة دنيوية للإسلام والمسلمين، أو طمعاً في تفادي خلاف وشقاق.

إنّ صمود الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة (241هـ) ومقاومته وصبره على ضرب السياط، وآلام التعذيب في السجن من أجل إنكاره عقيدة خلق القرآن تجاه حاكمين مسلمين، بل إزاء حاكمين من أكبر حكام ذلك العصر، وهما الخليفة المأمون بن هارون الرشيد، والخليفة المعتصم بن هارون الرشيد. وكذلك معارضة الإمام أحمد الفاروق السرهندي، رحمه الله (المعروف بمجدد الألف الثاني في الهند) المتوفى سنة (1034هـ) لأعظم إمبراطور في عصره، وهو الإمبراطور (أكبر) ضد عقيدته بالألف الثاني، ودعوى الإمامة والاجتهاد ووحدة الأديان التي نادى بها، ثم استمرار الإمام على ذلك وإصراره عليه إلى عهد جهانكير حتى تغير مجرى الحكومة المغولية([141][141]): مثالان للاستقامة والصلابة في العقيدة والغيرة عليها، وإلا فإنَّ تاريخ الإسلام زاخر بحكايات رائعة لكلمة حق عند سلطان جائر، والعمل بحديث {لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق}([142][142]) إنَّ هذا السلطان الجائر قد يكون ملكاً شخصياً، وقد يكون الرأي العام، وأحياناً (الشهرة العامة)، وأحياناً أخرى انتصارات مغرية ودعاوى مدوية، ويشهد التاريخ والتجربة أن المواقف الأخيرة أكثر ابتلاء ومحنة.

الواقع أن تعاليم الإسلام الحقيقية والعقيدة السليمة الصحيحة، هما النهران اللذان لا يتغيَّر مجراهما في أي حال، ولا يغور ماؤهما في أي حين، أما القوى السياسية، والثورات الطارئة، ووجود الحكومات ونهايتها، والدعوات والتحركات، كلها بمثابة الأمواج التي تنشأ وتتلاشى، إذا كان النهر جارياً نحو الوجهة الصحيحة، وكان الماء صافياً جارياً فلا خطر عليه، ولكن العقيدة إذا تسلَّل إليها الفساد، فمعنى ذلك أن النهر قد تغيَّر عن مجراه الصحيح وحلَّ فيه الماء العكر محل الماء الصافي، لذلك فإنه لا يجوز الخضوع أمام أي دعوة أو حركة، وأمام أي ازدهار أو تقدم لبلد، وأمام أي إصلاح جزئي لمجتمع، أو دعاوى ووعود بإصلاح فساد يتظاهر بها أحد، مع فساد العقيدة ووجود الزيغ والضلال، إنها حقيقة يكمن وراءها سر بقاء الملة وصيانة الدين، وهي الحقيقة التي تقلق علماء كل عصر، وحفظة الشريعة والسنة في كل زمان، وترغمهم في بعض الأحيان على أداء مسؤوليتهم التي لا تحمد عاقبتها، وإلى ذلك يشير الحديث الشريف: {يحمل هذا العلمَ من كل خَلَف عدولُه، ينفون عنه تحريفَ الغالين وانتحالَ المبطلين وتأويلَ الجاهلين}([143][143]).

العوامل النفسية والسياسية للسحر والتأثير:

من أجل ذلك الانتصار الذي أحرزه الخميني على إمبراطورية الشاه محمد رضا البهلوي، ومن جرَّاء تلك الثورة التي حدثت في المجتمع الإيراني بشكل خاص، وإخفاق أمريكا في بعض المراحل التي هي أكبر قوة في العالم اليوم، وما شاع من روايات الحماس والتفاني في الشباب الإيراني، مع تذمّر طبقة كبيرة من الشباب المسلم في العالم الإسلامي من ذلك الانحطاط الخلقي والديني والأوضاع السيئة ومواضع الضعف التي تسود على عدة دول مسلمة وعربية، وأصبحت شعاراً لها، وإعجاب هذه الطبقة من الشباب بكل ما يصادفونه من شهامة وطموح ومغامرة يقترن بها اسم الإسلام، من جَرَّاء هذه الأسباب كلها، ينال منهم الخميني إعجاباً يشبه ما قد ناله من الإعجاب فيما مضى كمال أتاتورك، وفي أوساط القوميين العرب جمال عبد الناصر، ولا يزال قادة وحكام يتمتعون بإعجاب بعض الأوساط، ممن ينكرون السنة علناً وجهاراً، ويستهزئون بالحديث النبوي الشريف، ويدعون إلى الأخذ بالحضارة الغربية جملة وتفصيلاً، ويحملون أفكار الشيوعية.

ولكنَّ الخميني ينال من هذا الإعجاب والقبول قسطاً كبيراً، نظراً إلى ما يتجلى فيه من لون ديني، وقد بلغ أمر الإعجاب بهؤلاء المعجبين إلى حد أنه إذا أثير موضوع العقيدة، وأشير إلى ما أجمعت عليه الأمة، وعرض هذا المقياس، لم يطيقوا سماعه، وكادوا يفقدون اتزانهم، ويبلغون في الإسفاف والكراهية والغيظ إلى حد الابتذال.

إنَّ هذه الظاهرة تبعث على قلق شديد نظراً إلى مستقبل الدين وروح الإسلام.

وهذا الإشفاق الذي يستند إلى تجارب عملية ودراسات شخصية، اضطرنا إلى كتابة هذه السطور. ((رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)) [آل عمران:8].

صرخات وطن
16-05-2010, 06:48 AM
http://www.islamonaa.com/vb/uploaded/New/jaazakaalah.gif

صرخات وطن
21-05-2010, 05:41 AM
http://www.islamonaa.com/vb/uploaded/New/barakaallahfik.gif

بنت عز ما تنهز
29-07-2011, 12:19 AM
اللهم ثبتنا على الحق
اللي بفكر صح بشوف انو ما في بعد منهج اهل السنة والجماعة يارب ثبنا على هذا المنهج
امييييين