د. أبو محمد
22-03-2009, 05:49 PM
صورتان متضادتان عند أهل السنة والشيعةالإمامية (1)
تأليف: أبوالحسن علي الحسني الندوي ت : 1420 هـ (http://www.neelwafurat.com/locate.aspx?mode=1&search=author1&entry=أبو%20الحسن%20علي%20الحسني%20الندوي%20ت%20:% 201420%20هـ)
ترجمة، تحقيق:
بالإشتراك مع: 0
·الناشر: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيعوالترجمةتاريخ النشر: 01/01/200
الزبائن الذين اشتروا هذا الكتاباشتروا أيضاً:
فكرالخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة (http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=egb104512-5104147&search=books)، على محمد الصلابي
الحقوالحقيقة بين السنة والشيعة (http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=egb120216-5120651&search=books)، صالح الوردانى
خدعةالتقريب بين السنة والشيعة ونقد فتوى الشيخ شلتوت رحمة الله (http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=egb80593-5080571&search=books)، أبى محمد أشرف بنعبد المقصود
الخطوطالعريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة الإمامية (http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb114968-75128&search=books)، محب الدين الخطيب
السنةوالشيعة (http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb115068-75228&search=books)، إحسان إلهي ظهير
الميزانبين السنة والشيعة/ عرض لمسائل الوفاق والخلاف بين الفريقين المس (http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb129867-89997&search=books)، يوسف عارفالحا
صورتان متضادتان عند أهل السنة والشيعة الإمامية
تأليف: أبوالحسن علي الحسني الندوي ت : 1420 هـ (http://www.neelwafurat.com/locate.aspx?mode=1&search=author1&entry=أبو%20الحسن%20علي%20الحسني%20الندوي%20ت%20:% 201420%20هـ)
كلمة عن الكتاب:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد: فإن هذا الكتاب الذي بين يدي القراء ليس كتاب جدلٍ كلامي وعقائدي، أو مناظرة دينية، يثبت مذهباً دينياً خاصاً، وينتصر لمدرسة فكرية معينة، أو ينفي معتقدات فرقة وجماعة ويزيفها، فالذي يقرأ هذا الكتاب من خلال هذه النظرة لا يعود بطائل، فإنَّ موضوع نقد ديانة خاصة والرد عليها تحويه مكتبة واسعة بلغات المسلمين المتعددة -وخاصة بالعربية والفارسية والأردية- زاخرة بمواد ومعلومات، لا يتسنى استعراضها بسهولة، فضلاً عن استيعابها.
أما هذا الكتاب الصغير ففيه صورةٌ لتأثير التعاليم الإسلامية ونتائج المجهودات التربوية والدعوية، التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم في العهد الأول وتاريخ الإسلام النموذجي -وهو عهد الرسالة والصحابة- وبيان للميزة الخاصة التي تميز بها سيد الأنبياء وأشرف المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، عن دعاة العالم ومصلحيه ومربيه، الذين قاموا بدور الإصلاح والتربية في مجالاتهم في عصور مختلفة، وحققوا نجاحاً محدوداً يذكر ويشكر.
هذا الكتاب يعرض وضع المجتمع الإسلامي الأول الذي كان غرْس دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتربيته وحده، في ضوء التاريخ الموثوق به، ويبيِّن النظام الغيبي الإلهي لصيانة الصحيفة التي جاء بها الرسوك الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وهي كتاب الله الأخير والدستور الدائم لحياة الإنسان.
وفي الكتاب محاولة مخلصة لتوضيح الفرق الأساسي بين الموقف الذي يتخذه منشؤو الحكومات ودعاة الانقلاب نحو أسرهم وعائلاتهم، وشأن رسول الإنسانية صلى الله عليه وآله وسلم مع أقاربه وأسرته وأهل بيته، جمع بيان ما اتصف به أهل بيته وأسرته،، من كان ينتمي إليه، من أخلاق وسمات يتميزون بها عن أسر العظماء ومنشئي الحكومات، وقادة الشعوب، والزعماء. وفيه أضواء على أهمية عقيدة (وحدة النبي) و(خاتميته) التي أجمعت عليها الأمة، والإيمان بأنه هو الشارع والمطاع وحده، منذ ظهور الإسلام حتى تقوم الساعة.
ويقابل ذلك كله ما يدين به الشيعة الإمامية في نتائج جهود الرسول الدعوية والتربوية، وفي الجيل المثالي الذي كان، ويجب أن يكون، النموذجَ الدائم لتعاليم الإسلام ومقياس نجاح من بعث بها ودعا إليها، وقد اتخذت هذه الفرقة هذه النظرة السلبية القاتمة شعارَ جماعتها وفرقتها، مؤسَّساً كل ذلك على ما كتبه أئمة الشيعة وعلماؤهم الكبار الثقات عند هذه الفرقة، وما جاء في كتبهم ومؤلفاتهم الموثوق بها- منذ عهد مؤسسها الأول إلى الخميني- كما أنَّ كل ما عزوناه إلى أهل السنة من العقائد ووجهات النظر عُرِفَتْ عنهم بطريق التواتر والإجماع، وما ذكرناه من حقائق علمية وتاريخية عن تاريخ الإسلام وعهد الصحابة والحياة النبوية، يعتمد على كتب التاريخ المحايد، وشهادات المسلمين وغير المسلمين المنصفين المحققين.
وقد تركنا إلى الفطرة السليمة والذوق الصحيح والعقل العام وحده -ولا يخلو منه زمان- الحكمَ في اختيار التصوير والتعبير الذي يليق بشأن نبيٍّ يُعتبر أعظمَ هادٍ ومرب ومصلح في تاريخ الإنسانية، وأنجح نبيِّ بنص القرآن وشهادة التاريخ، وهذا ما تقتضيه بطريق الضرورة والبداهة الخصائص النبوية الفذّة التي اتَّصف بها بين الأنبياء والمرسلين فضلاً عن الدعاة والمربين، وذلك ما تضافرت عليه شهادات المؤرخين المسلمين وغير المسلمين.
وتساءلنا بعد ذلك: هل يتفق التصوير الذي يلحُّ عليه الشيعة الإمامية لجهود النبي صلى الله عليه وسلم وللجيل المثالي الأول وما اتفقت عليه كلمتهم، وما هو كاللازم لما يثبتونه ويقررونه، مع الدين الذي يوجِّه إلى الإنسانية كلها رسالة الهداية والسعادة، والحب والإيثار والتضحية، ويضمن التغيّر الجذري العميق في سلوك الإنسان وأخلاقه إذا أخذ بهذه التعاليم، في كل عهد وجيل، ويتحمل مسؤولية إنقاذه من حضيض البهيمية الأخيرة إلى قمة الإنسانية العالية؟!
وقد وُضع هذا الكتاب أصالة في أردو، ونقله الأستاذ سعيد الأعظمي الندوي رئيس تحرير مجلة (البعث الإسلامي) إلى العربية، وأضاف إليه المؤلف زيادات ذات قيمة بقلمه، وللمترجم شكر المؤلف.
أبو الحسن علي الحسَني النَّدوي
المجمع الإسلامي العلمي لكهنؤ (الهند)
19/ 2/ 1405هـ
14/ 11/ 1984م
أربعة شروط للدين العالمي الخالد:
1- إبراز إنسان جديد، وإظهار جيل رائع في حياة الرسول نفسه.
2- تميز نبي هذا الدين عن الحكام السياسين، والغزاة الفاتحين.
3- حفظ الله سبحانه لكتاب هذا الدين وصيانته له.
4- أن يكون النبي ذاته هو مركز الهداية والقيادة.
أربعة شروط للدين العالمي الخالد، الذي يحمل لواء الإصلاح البشري والثورة العالمية:
تمهيد:
إن حكم العقل السليم، ودراسة الفطرة البشرية، وتاريخ الديانات الموسعة التحليلية، والاطلاع الواسع العميق على نفسية الأمم والملل، وأفراد النوع البشري، وكذلك الاستعراض الصريح الحر لمجهودات التاريخ الإنساني وحركاته الثورية والإصلاحية، ونتائجها التي سجلتها صفحات التاريخ، كل ذلك يثبت أنه لابد من توافر أربع صفات وخصائص للدين الذي يخاطب النوع البشري كله، ويوجه إليه دعوة الالتزام بالعقيدة السليمة والعمل الصالح، والأخلاق الفاضلة والإصلاح الشامل، والثورة الجذرية، ويدعي تنظيم المجتمع الإنساني على أساس من الإيمان والتقوى وصياغة الحضارة صياغة نبوية جديدة، ويصلح لذلك كله أن يكون دين الله الذي أكمل، ورسالته التي ختمت بها الرسالات، وكُتب لها الخلود إلى يوم الدين، والتي تستطيع أن تنهض بمهمة التعليم والتربية، والدعوة والإرشاد على اختلاف الأزمنة والأمكنة، وتنوع البيئات والطبقات.
(الشرط الأول):
أ- إبراز إنسان جديد، من غير اعتماد على الطرق المعروفة السائدة، والوسائل المعلومه الشائعة:
إنَّ ما تقتضيه طبيعة الرسالات السماوية ودراسة تاريخ حمَلتها هو أن تتحقق معجزة صنع الإنسان كما لو كانت ولادته من جديد، ويكون لدعوتهم وصحبتهم من التأثير وقلب طبائع الأشياء، ما لو ذكر بإزائه تأثير (حجر الفلاسفة) الأسطوري (والكيمياء)، لدلَّ على الجهل بالحقائق التاريخية، واعتبر إهانة للنبوة والأنبياء.
وكذلك يجب أن تتحقق هذه النتيجة الخارقة للعادة، من غير اعتماد على الأساليب والوسائل التربوية والإعلامية التي تستخدمها طبقة الحكماء والمثقفين، ومعلمي الأخلاق وخبراء التعليم والقادة السياسيين، والتي تعتمد عليها المؤسسات التربوية والحكومات الذكية، مثل عملية تدوين العلوم والفنون الواسعة، وتأليف الكتب البارعة، وإلقاء الخطب الساحرة، وإنشاء المدارس الكثيرة، واستخدام الأدب والشعر، وتجسيد الحقائق والمعاني لغرس الفكرة وتحبيبها وترسيخها، ومنح الجوائز والمناصب والوظائف العالية، وما إلى ذلك من وسائل مؤثرة، وأساليب حكيمة. ثم إنَّ المقارنة بين تربية ذلك النبي وصحبته- الذي كان أميّاً محضاً بعيداً عن جميع ملابسات العلم، مضافاً إلى ذلك تفرده بمشكلات ومعوِّقات، وفقد وسائل، لا يمنى به غالب المشتغلين بتعليمِ شعوبهم وتربيتها- وبين تربية المعلمين والقادة العاديين، تدل دلالةً واضحة على الفرق الهائل بين جنسَيْ التأثيرين والانقلابين، وعلى تباين مصدريهما، فإنَّ ما يتحقق من التحوّل في العقائد والميول، والسيرة والأخلاق، في ظل تعاليم الرسول وفي أحضانه، ينبثق من رعاية الله وتأييده الغيبي ولا يمكن أن يعبرعنه بكلمة غير (نور النبوة) و (بركات الصحبة).
إن الذين يسعدون بتربية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصحبته، إنما تتحلى حياتهم بالصلة الوثيقة بالله، وبالإخلاص والعبودية والتواضع والإيثار وهضم النفس، وذوق العبادة، والانصراف عن حطام الدنيا والاهتمام بالاَخرة، ومحاسبة النفس محاسبة دقيقة أمينة، والاستقامة على الدين، وهي الذروة الإيمانية والخلقية التي لا سبيل إليها ولا مطمع فيها للذين يتلقون التربية على أيدي الحكماء والفلاسفة، وخبراء التعليم ومعلمي الأخلاق.
ولقد صَوَّر القرآن الكريم هذه التربيةَ النبويةَ والتأتير الثوري الجذري الذي يَتمًّ على يد الرسول عليه الصلاة، السلام، ففي سورة الجمعة: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الجمعة:2]
ويقول عز وجل: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)) [الحجرات:7].
وكذلك يقول: ((فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا)) [الفتح:26].
ويقول: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)) [الفتح:29].
ب- ضرورة أن تثمر الدعوة في حياة الرسول نفسه، وأن تنتج جيلاً جديداً لا يشبه الأجيال القديمة، ولا يقبل انتكاصاً ولا انتكاساً:
إنَّ ظهور معجزة التأثير والهداية فِي حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وظهور الثورة في الأخلاق والعقائد وبروزَ نماذج إنسانية عملية- من أروع ما شاهد التاريخ من نماذج وأجملها- يشق الطريق للإسلام، وتترامى بفضله وتأثيره أممٌ وأقطار في أحضان الإسلام، ويتكوّن مجتمع كامل حي يعتبر مجتمعاً مثالياً نموذجياً من كل جهة.
ويجب أن يتحقق كل ذلك في حياة الرسول وعلى إثر وفاته، حيث إنَّ الدين الذي لا يستطيع أن يقدِّم أمام العالم عدداً وجيهاً من نماذج عملية ناجحة بَنَّاءة، ومجتمعاً مثالياً في أيام الداعي وحامل رسالته الأول، لا يعتبر ناجحاً، كما أنَّ الشجرة التي لم تؤت ثمارها اليانعة الحلوة، ولم تنفتح أزهارها العطرة الجميلة، أيام شبابها وفي موسم ربيعها -وهو عهد النبوة- لا تعتبر شجرةً مثمرةً سليمة، وكيف يسوغ لدعاة هذه الدعوة والدين وممثليهما الذين ظهروا بعد أن مضى على عهد النبوة زمن طويل، أن يوجهوا إلى الجيل المعاصر والعالم الحاضر دعوة إلى الإيمان والعمل والدخول في السلم كافة والتغيير الكامل في الحياة، وهم عاجزون-في ضوء مذهب الشيعة وأقاويلهم- عن تقديم نتائج حية باهرة للألباب، مسلَّمة عند المؤرخين، للمجهودات التي بذلت في العهد الأول وفي فجر تاريخه، في سبيل إبراز أمة جديدة، وإنشاء جيل مثالي، يمثل التعاليم النبوية أصدق تمثيل ويبرهن على تأثيرها ونجاحها.
(الشرط الثاني):
ميزة الرسول صلى الله عليه وآله عن مؤسسي الحكومات والقادة الماديين حول تأسيس المملكة الوراثية وازدهارها:
كذلك من البدهيات اللازمة أن يكون هذا الداعي الأول والمرسل من الله وحامل رسالته، متميزاً عن مؤسسي الحكومات والفاتحين والغزاة والقادة السياسيين، والزعماء الماديين، في طبيعته وأذواقه وسلوكه وعمله ومقاصده ونتائجه تميزاً واضحاً، ويكون هنالك تناقض بينه وبين هذه الطائفة.
إنَّ محور الجهود التي يبذلها مؤسسو الحكومات وفاتحو البلدان، وزعماء العالم، من أصحاب الطموح ومجربي الحظوظ، وهدفهم الأعلى- أو النتيجة الحتمية الطبيعية على أقل تقدير- إنما هو قيام مملكة خاصة، وتأسيس حكومة وراثية.
إنها ظاهرة طبيعية وحقيقة تاريخية على مرِّ القرون والأجيال يشهد بذلك تاريخ ازدهار الأسر الرومية، والبزنطية، والساسانية، والكيانية، وأسرتي (سورج بنسي) و (جندر بنسي)([1][1]). أما إذا لم يتحقق قيام دولة قبلية أو عالمية لسبب قاسر، فأقل درجة لدى هؤلاء المؤسسين للحكومات، والفاتحين والغزاة، وزعماء السياسة- الذين تم لهم ألنجاح في التحركات التي قاموا بها- أن يمتلكوا العزة والثراء الفاحش وأسباب التنعم والترف الموسعة، فهم يتقلبون في أعطاف النعيم، ويتأرجحون في أراجيح الذهب والفضة، وشأنهم في ذلك شأن أسد في الغابة يفترس لنفسه، ويأكل من بقايا صيده مئات من الوحوش، إنَّ قصة النعيم والترف الذي تقلَّبت في أعطافه أسر المتربعين على عروش الحكم في رومة والدولة الكيانية، تشبه أساطير خيالية وقصصاً جنية، ولولا أنَّ وراءها شهاداتٍ تاريخيةً لما صدقها العقل([2][2])، ويمكن تقديرذلك من تلك الأبهة العظيمة التي وجدت في بلاط كسرى، وبالتفاصيل المدهشة التي يتحدث عنها المؤرخون عن (فرش بهار)([3][3]) وعن الأسر المالكة في الدول الرومية والفارسية والهندية، وعن أساليب الحياة لأتباعهم وبذخهم بذخاً لا يتصور.
بالعكس من ذلك فإنَّ الرسول المبعوث من الله لا يؤسِّس مملكة وراثية، ولا يقوم بتوفير فرص وإمكانيات التنعم والترف التي تمتد إلى مدة طويلة لأفراد أسرته، ولا يهتم بالحدب على مصالحهم لكي يتمكنوا بفضل ذلك من العيش فيْ رفاهية وتفرغ من الهموم ومتاعب الحياة، بخلاف طبقات الأمة الأخرى، بل بالعكس من ذلك يعيش أفراد أسرته- في حياته وبعد مماته- حياةَ زهدٍ وتقشّف، وقناعة وإيثار، وتنازل عن كثير من أسباب الرفاهية والرخاء، ويعتمدون على مجهوداتهم وكفاءاتهم الذاتية، دون أن يعيشوا مترفين متنعمين على حساب غيرهم، مثل أُسَر البراهمة عند الهنادك، (والأكليروس) (Glergy- رجال الدين المسيحي) أو كأي جنس مقدس([4][4]).
(الشرط الثالث):
الصحيفة السماوية المنزلة على الرسول يجب أن تكون محفوظة صالحة للفهم العام، وفي متناول الجماهير:
أما الشرط الثالث: فهو أن يتولى الله حفظ هذه الصحيفة السماوية التي أنزلت على الرسول والتي تكون أساساً لدينه ومصدراً لدعوته وتعاليمه، وأكبر وسيلة لربط الخلق وتوثيق علاقتهمِ به، وسبباً قوياً لإثارة الربانية الصادقة في أتباعه، محدداً للعقائد مبيناَ لها- وخاصة لعقيدة التوحيد- إلى يوم الدين محافظاً لها ومهيمناً عليها، وأن تكون تلك الصحيفة كتابَ هداية للإنسانية جمعاء، قد تولَّى الله تعالى نشره وإذاعته في العالم مع تمكين الناس من فهمه، ويكون قد هيأ الله سبحانه وتعالى الجوَّ المناسب والفرص المؤاتية لقراءته وكثرة تلاوته وحفظه واستحضاره، بدرجة لا يوجد لها نظير في الدنيا، ذلك لأنه كتاب الله الأخير وسفينة نجاةٍ للإنسانية، ويجب أن يكون بعيداً من كل تصرف إنساني ومن كل تغيير وتبديل، وحذف وزيادة، ومن أي شائبة من التحريف، إذ إنه لا يمكن بغير ذلك أن توجه دعوة إلى الناس للإيمان بهذا الكتاب، ولا أن يقدم أمام العالم كشهادة، كما لا يمكن أن يستفاد أو يفاد منه.
إنَّ تاريخ الكتب التي ظهرت في العصر القديم والجديد (التوراة والإنجيل) والصحف السماوية يدل([5][5]) على ما واجهته هذه الكتب والصحف السماوية من تصرفات أعداء الدين، وهجمات المهاجمين الظالمين، وما تعرضت له من التحريفات اللفظية والمعنوية التي قام بها زعماء الديانات المغرضون الماديون، وقد ظلت مجالاً واسعاً للأغراض الخسيسة والتغافل البشري، وما هذا الفرق بين هذه الكتب والصحف السماوية وبين القرآن إلا لأن صيانة هذه الكتب المذكورة إنما تولاها أتباعها وحملتها ((بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ)) [المائدة:44]، أما القرآن فقد تكفَّل الله نفسه بحفظه([6][6]) فقال: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9].
(الشرط الرابع):
يجب أن يكون النبىِ بذاته مركز الهدايهَ الوحيد، والشارع والمطاع:
الشرط الرابع: أن يكون النبي بذاته مركزَ الهداية، ومصدرَ القيادة، ومحور العلاقة القلبية والانقياد الفكري للأمة، فتعتقد بكونه خاتم الرسل، ومنير السبل، ومقتدى الكل، ولا تسمح لأحد بعده بالمشاركة في النبوة والتشريع المطلق، ولا تعتقد في أحد آخر العصمة وتعتبره مورد الوحي.
إنَّ وحدة هذه الأمة ومركزها واجتماع شملها، وابتعادها عن الاعتقادية والعملية وبقاء طاقتها الداخلية وقوتها الإيمانية، يرتبط كل ذلك بعقيدة (ختم النبوة) إلى حد كبير([7][7])، وإنَّ عقيدة المشاركة في النبوة تضاد عقيدة (ختم النبوة)([8][8]).
والآن نتناول هذه الشروط الأربعة شرطاً شرطاً باستعراض موضوعي في ضوء التاريخ الموثوق به وشهادات المثقفين الأفاضل من المسلمين وغيرهم، واعتماداً على الوقائع والأحداث التي رواها المؤرخون الثقات الأثبات.
تأليف: أبوالحسن علي الحسني الندوي ت : 1420 هـ (http://www.neelwafurat.com/locate.aspx?mode=1&search=author1&entry=أبو%20الحسن%20علي%20الحسني%20الندوي%20ت%20:% 201420%20هـ)
ترجمة، تحقيق:
بالإشتراك مع: 0
·الناشر: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيعوالترجمةتاريخ النشر: 01/01/200
الزبائن الذين اشتروا هذا الكتاباشتروا أيضاً:
فكرالخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة (http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=egb104512-5104147&search=books)، على محمد الصلابي
الحقوالحقيقة بين السنة والشيعة (http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=egb120216-5120651&search=books)، صالح الوردانى
خدعةالتقريب بين السنة والشيعة ونقد فتوى الشيخ شلتوت رحمة الله (http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=egb80593-5080571&search=books)، أبى محمد أشرف بنعبد المقصود
الخطوطالعريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة الإمامية (http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb114968-75128&search=books)، محب الدين الخطيب
السنةوالشيعة (http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb115068-75228&search=books)، إحسان إلهي ظهير
الميزانبين السنة والشيعة/ عرض لمسائل الوفاق والخلاف بين الفريقين المس (http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb129867-89997&search=books)، يوسف عارفالحا
صورتان متضادتان عند أهل السنة والشيعة الإمامية
تأليف: أبوالحسن علي الحسني الندوي ت : 1420 هـ (http://www.neelwafurat.com/locate.aspx?mode=1&search=author1&entry=أبو%20الحسن%20علي%20الحسني%20الندوي%20ت%20:% 201420%20هـ)
كلمة عن الكتاب:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد: فإن هذا الكتاب الذي بين يدي القراء ليس كتاب جدلٍ كلامي وعقائدي، أو مناظرة دينية، يثبت مذهباً دينياً خاصاً، وينتصر لمدرسة فكرية معينة، أو ينفي معتقدات فرقة وجماعة ويزيفها، فالذي يقرأ هذا الكتاب من خلال هذه النظرة لا يعود بطائل، فإنَّ موضوع نقد ديانة خاصة والرد عليها تحويه مكتبة واسعة بلغات المسلمين المتعددة -وخاصة بالعربية والفارسية والأردية- زاخرة بمواد ومعلومات، لا يتسنى استعراضها بسهولة، فضلاً عن استيعابها.
أما هذا الكتاب الصغير ففيه صورةٌ لتأثير التعاليم الإسلامية ونتائج المجهودات التربوية والدعوية، التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم في العهد الأول وتاريخ الإسلام النموذجي -وهو عهد الرسالة والصحابة- وبيان للميزة الخاصة التي تميز بها سيد الأنبياء وأشرف المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، عن دعاة العالم ومصلحيه ومربيه، الذين قاموا بدور الإصلاح والتربية في مجالاتهم في عصور مختلفة، وحققوا نجاحاً محدوداً يذكر ويشكر.
هذا الكتاب يعرض وضع المجتمع الإسلامي الأول الذي كان غرْس دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتربيته وحده، في ضوء التاريخ الموثوق به، ويبيِّن النظام الغيبي الإلهي لصيانة الصحيفة التي جاء بها الرسوك الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وهي كتاب الله الأخير والدستور الدائم لحياة الإنسان.
وفي الكتاب محاولة مخلصة لتوضيح الفرق الأساسي بين الموقف الذي يتخذه منشؤو الحكومات ودعاة الانقلاب نحو أسرهم وعائلاتهم، وشأن رسول الإنسانية صلى الله عليه وآله وسلم مع أقاربه وأسرته وأهل بيته، جمع بيان ما اتصف به أهل بيته وأسرته،، من كان ينتمي إليه، من أخلاق وسمات يتميزون بها عن أسر العظماء ومنشئي الحكومات، وقادة الشعوب، والزعماء. وفيه أضواء على أهمية عقيدة (وحدة النبي) و(خاتميته) التي أجمعت عليها الأمة، والإيمان بأنه هو الشارع والمطاع وحده، منذ ظهور الإسلام حتى تقوم الساعة.
ويقابل ذلك كله ما يدين به الشيعة الإمامية في نتائج جهود الرسول الدعوية والتربوية، وفي الجيل المثالي الذي كان، ويجب أن يكون، النموذجَ الدائم لتعاليم الإسلام ومقياس نجاح من بعث بها ودعا إليها، وقد اتخذت هذه الفرقة هذه النظرة السلبية القاتمة شعارَ جماعتها وفرقتها، مؤسَّساً كل ذلك على ما كتبه أئمة الشيعة وعلماؤهم الكبار الثقات عند هذه الفرقة، وما جاء في كتبهم ومؤلفاتهم الموثوق بها- منذ عهد مؤسسها الأول إلى الخميني- كما أنَّ كل ما عزوناه إلى أهل السنة من العقائد ووجهات النظر عُرِفَتْ عنهم بطريق التواتر والإجماع، وما ذكرناه من حقائق علمية وتاريخية عن تاريخ الإسلام وعهد الصحابة والحياة النبوية، يعتمد على كتب التاريخ المحايد، وشهادات المسلمين وغير المسلمين المنصفين المحققين.
وقد تركنا إلى الفطرة السليمة والذوق الصحيح والعقل العام وحده -ولا يخلو منه زمان- الحكمَ في اختيار التصوير والتعبير الذي يليق بشأن نبيٍّ يُعتبر أعظمَ هادٍ ومرب ومصلح في تاريخ الإنسانية، وأنجح نبيِّ بنص القرآن وشهادة التاريخ، وهذا ما تقتضيه بطريق الضرورة والبداهة الخصائص النبوية الفذّة التي اتَّصف بها بين الأنبياء والمرسلين فضلاً عن الدعاة والمربين، وذلك ما تضافرت عليه شهادات المؤرخين المسلمين وغير المسلمين.
وتساءلنا بعد ذلك: هل يتفق التصوير الذي يلحُّ عليه الشيعة الإمامية لجهود النبي صلى الله عليه وسلم وللجيل المثالي الأول وما اتفقت عليه كلمتهم، وما هو كاللازم لما يثبتونه ويقررونه، مع الدين الذي يوجِّه إلى الإنسانية كلها رسالة الهداية والسعادة، والحب والإيثار والتضحية، ويضمن التغيّر الجذري العميق في سلوك الإنسان وأخلاقه إذا أخذ بهذه التعاليم، في كل عهد وجيل، ويتحمل مسؤولية إنقاذه من حضيض البهيمية الأخيرة إلى قمة الإنسانية العالية؟!
وقد وُضع هذا الكتاب أصالة في أردو، ونقله الأستاذ سعيد الأعظمي الندوي رئيس تحرير مجلة (البعث الإسلامي) إلى العربية، وأضاف إليه المؤلف زيادات ذات قيمة بقلمه، وللمترجم شكر المؤلف.
أبو الحسن علي الحسَني النَّدوي
المجمع الإسلامي العلمي لكهنؤ (الهند)
19/ 2/ 1405هـ
14/ 11/ 1984م
أربعة شروط للدين العالمي الخالد:
1- إبراز إنسان جديد، وإظهار جيل رائع في حياة الرسول نفسه.
2- تميز نبي هذا الدين عن الحكام السياسين، والغزاة الفاتحين.
3- حفظ الله سبحانه لكتاب هذا الدين وصيانته له.
4- أن يكون النبي ذاته هو مركز الهداية والقيادة.
أربعة شروط للدين العالمي الخالد، الذي يحمل لواء الإصلاح البشري والثورة العالمية:
تمهيد:
إن حكم العقل السليم، ودراسة الفطرة البشرية، وتاريخ الديانات الموسعة التحليلية، والاطلاع الواسع العميق على نفسية الأمم والملل، وأفراد النوع البشري، وكذلك الاستعراض الصريح الحر لمجهودات التاريخ الإنساني وحركاته الثورية والإصلاحية، ونتائجها التي سجلتها صفحات التاريخ، كل ذلك يثبت أنه لابد من توافر أربع صفات وخصائص للدين الذي يخاطب النوع البشري كله، ويوجه إليه دعوة الالتزام بالعقيدة السليمة والعمل الصالح، والأخلاق الفاضلة والإصلاح الشامل، والثورة الجذرية، ويدعي تنظيم المجتمع الإنساني على أساس من الإيمان والتقوى وصياغة الحضارة صياغة نبوية جديدة، ويصلح لذلك كله أن يكون دين الله الذي أكمل، ورسالته التي ختمت بها الرسالات، وكُتب لها الخلود إلى يوم الدين، والتي تستطيع أن تنهض بمهمة التعليم والتربية، والدعوة والإرشاد على اختلاف الأزمنة والأمكنة، وتنوع البيئات والطبقات.
(الشرط الأول):
أ- إبراز إنسان جديد، من غير اعتماد على الطرق المعروفة السائدة، والوسائل المعلومه الشائعة:
إنَّ ما تقتضيه طبيعة الرسالات السماوية ودراسة تاريخ حمَلتها هو أن تتحقق معجزة صنع الإنسان كما لو كانت ولادته من جديد، ويكون لدعوتهم وصحبتهم من التأثير وقلب طبائع الأشياء، ما لو ذكر بإزائه تأثير (حجر الفلاسفة) الأسطوري (والكيمياء)، لدلَّ على الجهل بالحقائق التاريخية، واعتبر إهانة للنبوة والأنبياء.
وكذلك يجب أن تتحقق هذه النتيجة الخارقة للعادة، من غير اعتماد على الأساليب والوسائل التربوية والإعلامية التي تستخدمها طبقة الحكماء والمثقفين، ومعلمي الأخلاق وخبراء التعليم والقادة السياسيين، والتي تعتمد عليها المؤسسات التربوية والحكومات الذكية، مثل عملية تدوين العلوم والفنون الواسعة، وتأليف الكتب البارعة، وإلقاء الخطب الساحرة، وإنشاء المدارس الكثيرة، واستخدام الأدب والشعر، وتجسيد الحقائق والمعاني لغرس الفكرة وتحبيبها وترسيخها، ومنح الجوائز والمناصب والوظائف العالية، وما إلى ذلك من وسائل مؤثرة، وأساليب حكيمة. ثم إنَّ المقارنة بين تربية ذلك النبي وصحبته- الذي كان أميّاً محضاً بعيداً عن جميع ملابسات العلم، مضافاً إلى ذلك تفرده بمشكلات ومعوِّقات، وفقد وسائل، لا يمنى به غالب المشتغلين بتعليمِ شعوبهم وتربيتها- وبين تربية المعلمين والقادة العاديين، تدل دلالةً واضحة على الفرق الهائل بين جنسَيْ التأثيرين والانقلابين، وعلى تباين مصدريهما، فإنَّ ما يتحقق من التحوّل في العقائد والميول، والسيرة والأخلاق، في ظل تعاليم الرسول وفي أحضانه، ينبثق من رعاية الله وتأييده الغيبي ولا يمكن أن يعبرعنه بكلمة غير (نور النبوة) و (بركات الصحبة).
إن الذين يسعدون بتربية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصحبته، إنما تتحلى حياتهم بالصلة الوثيقة بالله، وبالإخلاص والعبودية والتواضع والإيثار وهضم النفس، وذوق العبادة، والانصراف عن حطام الدنيا والاهتمام بالاَخرة، ومحاسبة النفس محاسبة دقيقة أمينة، والاستقامة على الدين، وهي الذروة الإيمانية والخلقية التي لا سبيل إليها ولا مطمع فيها للذين يتلقون التربية على أيدي الحكماء والفلاسفة، وخبراء التعليم ومعلمي الأخلاق.
ولقد صَوَّر القرآن الكريم هذه التربيةَ النبويةَ والتأتير الثوري الجذري الذي يَتمًّ على يد الرسول عليه الصلاة، السلام، ففي سورة الجمعة: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الجمعة:2]
ويقول عز وجل: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)) [الحجرات:7].
وكذلك يقول: ((فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا)) [الفتح:26].
ويقول: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)) [الفتح:29].
ب- ضرورة أن تثمر الدعوة في حياة الرسول نفسه، وأن تنتج جيلاً جديداً لا يشبه الأجيال القديمة، ولا يقبل انتكاصاً ولا انتكاساً:
إنَّ ظهور معجزة التأثير والهداية فِي حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وظهور الثورة في الأخلاق والعقائد وبروزَ نماذج إنسانية عملية- من أروع ما شاهد التاريخ من نماذج وأجملها- يشق الطريق للإسلام، وتترامى بفضله وتأثيره أممٌ وأقطار في أحضان الإسلام، ويتكوّن مجتمع كامل حي يعتبر مجتمعاً مثالياً نموذجياً من كل جهة.
ويجب أن يتحقق كل ذلك في حياة الرسول وعلى إثر وفاته، حيث إنَّ الدين الذي لا يستطيع أن يقدِّم أمام العالم عدداً وجيهاً من نماذج عملية ناجحة بَنَّاءة، ومجتمعاً مثالياً في أيام الداعي وحامل رسالته الأول، لا يعتبر ناجحاً، كما أنَّ الشجرة التي لم تؤت ثمارها اليانعة الحلوة، ولم تنفتح أزهارها العطرة الجميلة، أيام شبابها وفي موسم ربيعها -وهو عهد النبوة- لا تعتبر شجرةً مثمرةً سليمة، وكيف يسوغ لدعاة هذه الدعوة والدين وممثليهما الذين ظهروا بعد أن مضى على عهد النبوة زمن طويل، أن يوجهوا إلى الجيل المعاصر والعالم الحاضر دعوة إلى الإيمان والعمل والدخول في السلم كافة والتغيير الكامل في الحياة، وهم عاجزون-في ضوء مذهب الشيعة وأقاويلهم- عن تقديم نتائج حية باهرة للألباب، مسلَّمة عند المؤرخين، للمجهودات التي بذلت في العهد الأول وفي فجر تاريخه، في سبيل إبراز أمة جديدة، وإنشاء جيل مثالي، يمثل التعاليم النبوية أصدق تمثيل ويبرهن على تأثيرها ونجاحها.
(الشرط الثاني):
ميزة الرسول صلى الله عليه وآله عن مؤسسي الحكومات والقادة الماديين حول تأسيس المملكة الوراثية وازدهارها:
كذلك من البدهيات اللازمة أن يكون هذا الداعي الأول والمرسل من الله وحامل رسالته، متميزاً عن مؤسسي الحكومات والفاتحين والغزاة والقادة السياسيين، والزعماء الماديين، في طبيعته وأذواقه وسلوكه وعمله ومقاصده ونتائجه تميزاً واضحاً، ويكون هنالك تناقض بينه وبين هذه الطائفة.
إنَّ محور الجهود التي يبذلها مؤسسو الحكومات وفاتحو البلدان، وزعماء العالم، من أصحاب الطموح ومجربي الحظوظ، وهدفهم الأعلى- أو النتيجة الحتمية الطبيعية على أقل تقدير- إنما هو قيام مملكة خاصة، وتأسيس حكومة وراثية.
إنها ظاهرة طبيعية وحقيقة تاريخية على مرِّ القرون والأجيال يشهد بذلك تاريخ ازدهار الأسر الرومية، والبزنطية، والساسانية، والكيانية، وأسرتي (سورج بنسي) و (جندر بنسي)([1][1]). أما إذا لم يتحقق قيام دولة قبلية أو عالمية لسبب قاسر، فأقل درجة لدى هؤلاء المؤسسين للحكومات، والفاتحين والغزاة، وزعماء السياسة- الذين تم لهم ألنجاح في التحركات التي قاموا بها- أن يمتلكوا العزة والثراء الفاحش وأسباب التنعم والترف الموسعة، فهم يتقلبون في أعطاف النعيم، ويتأرجحون في أراجيح الذهب والفضة، وشأنهم في ذلك شأن أسد في الغابة يفترس لنفسه، ويأكل من بقايا صيده مئات من الوحوش، إنَّ قصة النعيم والترف الذي تقلَّبت في أعطافه أسر المتربعين على عروش الحكم في رومة والدولة الكيانية، تشبه أساطير خيالية وقصصاً جنية، ولولا أنَّ وراءها شهاداتٍ تاريخيةً لما صدقها العقل([2][2])، ويمكن تقديرذلك من تلك الأبهة العظيمة التي وجدت في بلاط كسرى، وبالتفاصيل المدهشة التي يتحدث عنها المؤرخون عن (فرش بهار)([3][3]) وعن الأسر المالكة في الدول الرومية والفارسية والهندية، وعن أساليب الحياة لأتباعهم وبذخهم بذخاً لا يتصور.
بالعكس من ذلك فإنَّ الرسول المبعوث من الله لا يؤسِّس مملكة وراثية، ولا يقوم بتوفير فرص وإمكانيات التنعم والترف التي تمتد إلى مدة طويلة لأفراد أسرته، ولا يهتم بالحدب على مصالحهم لكي يتمكنوا بفضل ذلك من العيش فيْ رفاهية وتفرغ من الهموم ومتاعب الحياة، بخلاف طبقات الأمة الأخرى، بل بالعكس من ذلك يعيش أفراد أسرته- في حياته وبعد مماته- حياةَ زهدٍ وتقشّف، وقناعة وإيثار، وتنازل عن كثير من أسباب الرفاهية والرخاء، ويعتمدون على مجهوداتهم وكفاءاتهم الذاتية، دون أن يعيشوا مترفين متنعمين على حساب غيرهم، مثل أُسَر البراهمة عند الهنادك، (والأكليروس) (Glergy- رجال الدين المسيحي) أو كأي جنس مقدس([4][4]).
(الشرط الثالث):
الصحيفة السماوية المنزلة على الرسول يجب أن تكون محفوظة صالحة للفهم العام، وفي متناول الجماهير:
أما الشرط الثالث: فهو أن يتولى الله حفظ هذه الصحيفة السماوية التي أنزلت على الرسول والتي تكون أساساً لدينه ومصدراً لدعوته وتعاليمه، وأكبر وسيلة لربط الخلق وتوثيق علاقتهمِ به، وسبباً قوياً لإثارة الربانية الصادقة في أتباعه، محدداً للعقائد مبيناَ لها- وخاصة لعقيدة التوحيد- إلى يوم الدين محافظاً لها ومهيمناً عليها، وأن تكون تلك الصحيفة كتابَ هداية للإنسانية جمعاء، قد تولَّى الله تعالى نشره وإذاعته في العالم مع تمكين الناس من فهمه، ويكون قد هيأ الله سبحانه وتعالى الجوَّ المناسب والفرص المؤاتية لقراءته وكثرة تلاوته وحفظه واستحضاره، بدرجة لا يوجد لها نظير في الدنيا، ذلك لأنه كتاب الله الأخير وسفينة نجاةٍ للإنسانية، ويجب أن يكون بعيداً من كل تصرف إنساني ومن كل تغيير وتبديل، وحذف وزيادة، ومن أي شائبة من التحريف، إذ إنه لا يمكن بغير ذلك أن توجه دعوة إلى الناس للإيمان بهذا الكتاب، ولا أن يقدم أمام العالم كشهادة، كما لا يمكن أن يستفاد أو يفاد منه.
إنَّ تاريخ الكتب التي ظهرت في العصر القديم والجديد (التوراة والإنجيل) والصحف السماوية يدل([5][5]) على ما واجهته هذه الكتب والصحف السماوية من تصرفات أعداء الدين، وهجمات المهاجمين الظالمين، وما تعرضت له من التحريفات اللفظية والمعنوية التي قام بها زعماء الديانات المغرضون الماديون، وقد ظلت مجالاً واسعاً للأغراض الخسيسة والتغافل البشري، وما هذا الفرق بين هذه الكتب والصحف السماوية وبين القرآن إلا لأن صيانة هذه الكتب المذكورة إنما تولاها أتباعها وحملتها ((بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ)) [المائدة:44]، أما القرآن فقد تكفَّل الله نفسه بحفظه([6][6]) فقال: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9].
(الشرط الرابع):
يجب أن يكون النبىِ بذاته مركز الهدايهَ الوحيد، والشارع والمطاع:
الشرط الرابع: أن يكون النبي بذاته مركزَ الهداية، ومصدرَ القيادة، ومحور العلاقة القلبية والانقياد الفكري للأمة، فتعتقد بكونه خاتم الرسل، ومنير السبل، ومقتدى الكل، ولا تسمح لأحد بعده بالمشاركة في النبوة والتشريع المطلق، ولا تعتقد في أحد آخر العصمة وتعتبره مورد الوحي.
إنَّ وحدة هذه الأمة ومركزها واجتماع شملها، وابتعادها عن الاعتقادية والعملية وبقاء طاقتها الداخلية وقوتها الإيمانية، يرتبط كل ذلك بعقيدة (ختم النبوة) إلى حد كبير([7][7])، وإنَّ عقيدة المشاركة في النبوة تضاد عقيدة (ختم النبوة)([8][8]).
والآن نتناول هذه الشروط الأربعة شرطاً شرطاً باستعراض موضوعي في ضوء التاريخ الموثوق به وشهادات المثقفين الأفاضل من المسلمين وغيرهم، واعتماداً على الوقائع والأحداث التي رواها المؤرخون الثقات الأثبات.